ثائر محل شبهه !

عن قصة حقيقية،،
وصلتني من صديقة مقربة وزميلة بالنشاط الحقوقي رسالة على البريد الخاص لحسابي في الفيس بوك، جاء فيها “اتبع الرابط، وشوف إيش كتبوا علينا؟”، زُرت الصفحة الموصولة بالرابط، فوجدت مقالة بعنوان(ثورة الاختلاط وحرق النقاب)،

في أحد المواقع التي يتردد عنها أنها محسوبة على الحكومة في الشبكة العنكبوتية، والذي تم إنزاله لاحقًا في مواقع موازية، ملحقًا به مجموعة من الصور لعدد من الناشطين والناشطات في ساحات التغيير، قليل منها مُفبركة ومُلفقة، تم تركيبها، والباقي كانت حقيقية، جمعتني ببعض الناشطات من مدينتي عدن وتعز، تشاركنا العمل الحقوقي والثوري في منسقيات وتكتلات وائتلافات، إلى جوار بعضنا جلسنا ووقفنا بشكل عفوي وصادق، فُأخذت الصور للذكرى، لم نكن نُدرك حينها، أنه سيتم استغلالها لتشويه العمل الجماعي بين شباب وشابات الثورة، استخدموها وسيلة للحرب الإعلامية، ما كان يهمني أكثر في كل ما حصل، علاقة العمل والصداقة بيننا فيما بعد، فبعضهن تفهم المغزى من نشر تلك الصور، وكتابة المقالات عنها بشكل يجعل من الموجودين فيها مشتبهين، وقلة منهن قلصن من فرص التواصل واللقاءات بيننا، حتى وصلت إلى حد القطيعة، وصار بعضهن يخفن، من أن تُؤخذ لهن صور برفقتي، مهما كان عدد المحشورين في الصورة، خوفًا من التعليقات الجارحة.
في تلك الفترة لم تكن هناك دراسة ميدانية، تناولت وضع الثورة في البلاد، فاقترحت فكرة، أن نقوم بدراسة على صديق مقرب وزميل صحفي، بإمكانيات بسيطة، برعاية عضوين من البرلمان، وافق على فوره، وبدأنا بوضع المحاور، وصياغة الأسئلة، ومراجعتها لغويًا وقانونيًا، وانطلقنا في ساحات وميادين ومخيمات مدينة عدن المتنوعة، كان أول سؤال واجهنا من العينة المختارة، “من أنتما؟ وماذا تريدان بالضبط؟”، حتى أن اغلب من قابلناهم شككوا بمصداقيتنا، كان الحس الأمني والتخوين حاضرين بقوة، اتهمونا ضمنًا بالاندساس، شعرنا بذلك دون أن يعلنوا عنه، ظهر واضحًا في تعبيرات وجوههم ولكنتهم، وبالكاد انتهينا من جزء الدراسة المخصص في عدن، وسافرنا صوب مدينة تعز، هناك في ساحة الحرية واجهنا ذات الأسئلة، لولا مساعدة بعض الأصدقاء الثائرين، الذين عرفوا بنا للعينة المختارة، بعد الانتهاء من الجزء المخصص في تعز، عدنا إلى عدن، لاستكمال الدراسة، وتحليلها، وإعلان نتائجها، وتوزيعها على وسائل الإعلام لنشرها، في الطريق وبالقرب من عدن، استوقف الحافلة التي كنا فيه، أحد عناصر الأمن في النقطة الأمنية التفتيشية في مديرية دار سعد، وبالاسم أُنزلنا من على الحافلة، تم تفتيش حقائبنا، وإخراج ملابسنا بشكل فوضوي على الطريق، ومصادرة الوثائق التي بحوزتنا، والأدبيات التي من بينها صحف ومنشورات عن الثورة، وعُرضنا على مسئول الأمن في النقطة، واستجوبنا من قبل لجنة، استمرت بالتحقيق معنا ساعة كاملة، وبعد إثبات حسن نوايانا، والتحقق من شخصياتنا، أُفرج عنا بضمان بطائق الهوية، دون استعادة أي شيء صُودر منا، على أن يتم استدعائنا متى ما كانت هناك ضرورة، بعدها بأيام، تعرضت لتحقيق آخر من قبل بعض الأصدقاء، فاح منه رائحة الاشتباه، والاتهام بالعمالة مرة لأمريكا ومرة أخرى للأمن القومي للبلاد.
أثناء تواجدي مع صديقي وزميلي السابق في ساحة الحرية في تعز، صادف قبل يوم من سفرنا إلى عدن، إعلان الأطراف السياسية المتنازعة عن رغبتهم توقيع المبادرة الخليجية بنسختها المعدلة الأخيرة آنذاك، تصريحات إعلامية استفزت مشاعر الأغلبية في الساحة، لم نطق أن نكظم الغيظ والغضب، اللذان تملكنا، فمشينا فيها نصرخ بكل قوتنا، “باعوهااااااااااا.. باعوااااااااا ثورتنا.. استرخصوا دماء شهدائنا”، مع بعض عبارات السب والشتم، التي لا تشفي القليل الوهن من مشاعرنا الثورية المتقدة، ولا تفي شيء من الألم والحرقة في نفوس أسر الشهداء، ولا تثير اهتمام وغرور الساسة الموقعين، استوقفنا شيخ بجواره مجموعة من الشباب يجلسون أمام خيمتهم، بخبث وعيناه تضيقان بنا، سألنا، “إيش بتستفيدوا من الغاغة والبلبلة؟ وإلا أنتم مندسين من النظام وجواسيس من حق المعارضة؟ تشتوا تشقوا الصف، وتفتنوا بين الشباب”، ما إن توقف عن الكلام، حتى هب من بجواره، يرمون التهم علينا، من تخويننا، إلى سحب وطنيتنا، والتشكيك بوفائنا للثورة، كُنا سنتعرض للضرب لحظتها، وخصوصًا أنهم لم يعطونا فرصة التعريف عن أنفسنا، لولا وجود معرفين بنا، والذين شفعوا لنا حينها، يدركون إخلاصنا للتغيير السلمي، وخوفنا من إجهاض الثورة، ووسط الضجة المثارة حولنا، وتساؤل آخرين عما يدور، سُحبنا بهدوء، وإدُخالنا الفندق المجاور، الذي لازمناه طوال فترة إقامتنا حتى عودتنا إلى عدن، وبقلق وحذر شديدين غادرنا متأخرين الحالمة تعز، لم نستطع أن نستمر بالبقاء بعد الاشتباه بنا، وإلصاق تهمة الاندساس والتبعية بنا.
بعد وصول الوفد إلى مطار صنعاء، الذي كنت أحد أفراده، ومغادرته صالة فحص الحقائب إلى الخارج، وبعد عناء تفتيش دام ساعتين، تأكدت تمامًا من عدم تحقق ما حذرني منه بعض الأصدقاء، قبل السفر إلى إيران، للمشاركة في مؤتمر الشباب والصحوة الإسلامية، فكثيرًا ما قالوا لي بأن، “المخابرات الإيرانية ستمحيني من الوجود، وأن حزب الله سيذهب بي إلى خلف الشمس، أو على الأقل سأتشيع، وسأعود عميلًا لإيران في بلادي، وأن أمن بلادي سيرمون بي خلف قضبان سجون العملاء”، ما حصل أن كل تلك التخمينات فشلت ولم تحدث، ما قمت به بعد عودتي من الجمهورية الإسلامية(إيران)، كشفت لهم عن ظهري وصدري، ليروا أنه ليس هناك من أثر لعقد سلاسل حديدية على ظهري، أو علامات لأصابعي من احمرار على صدري، حتى الحجر الذي يسجد عليه مسلمون من تيار للشيعة أثناء تأديتهم لصلاتهم، أهديته لصديق، لقد كنت بالفعل عميل، ليس في الحقيقة، وإنما في مخيلة بعض الأصدقاء، المستعدون دائمًا للتخوين، والتشكيك بأقرب الناس لهم، لم يكتفوا بتوجيه التهم لي، ومحاولة هز إيماني بمذهبي، وتغريب وطنيتي، فهم لم يروا غير ذلك، وأتبعوا بتساؤلات عديدة، “كم جابوا لك الإيرانيين؟ أكيد الشيعة نغنغوك هناك؟ أتزوجت متعة؟”، نعم، لقد استلمت من الإيرانيين 100 دولار كأي مشارك من بين الـ 2500 مسلم في المؤتمر العالمي الإسلامي، لأتمكن بها من العودة من العاصمة صنعاء إلى مدينتي عدن، لقد كان الشيعة في قمة الكرم والسخاء واللطف مع الجميع، ولم أتزوج متعة، لأنني لا أأومن به، ولكنني صادقت بعض الناشطات والإعلاميات الإيرانيات الرائعات، اللاتي سأتذكرهن ما حييت، من جمالهن ولطفهن ورقتهن وثقافتهن، مضى على عودتي من إيران شهر تقريبًا، ما التمسته هو غياب بعض الأصدقاء من السير بجانبي في الشارع، وقلة الاتصالات من بعض الأقارب والأصدقاء، خوفًا من أن تكون مكالماتي ورسائلي في الموبايل والإيميل مراقبة أو متتبعة، واشمئزاز النظرات من بعض الذين يعرفونني في الحي، شعرت بأن كل من سبق ذكرهم يريدون بقوة الصراخ في وجهي، “يا شيعي.. يا عميل إيران.. يا أجير إيران..” كان آخرها بدردشة مع صديق مقرب في الماسينجر.
أأؤكد أن كل من شارك في الانتخابات، وذهب ليدلي بصوته وليقترع، كان يمارس حقه السياسي، المكفول في الدستور، وليس لأحد الحق بمصادرة ذلك الحق، بينما أنا أيضًا كنت أمارس حقي بعدم الذهاب للتصويت، وامتناعي عن الاقتراع، لقناعاتي الشديدة في نفسي، بعدم شرعية تلك الانتخابات، وعدم شريعة البرلمان، وقوائم الناخبين المزورة والناقصة، وبأنه استفتاء أكثر مما هي انتخابات، وأن من الأفضل أن يتم تزكية الرئيس التوافقي، وأن لا رئيس توافقي ينتخب، منعًا للفتنة واستفزاز مشاعر أغلبية شباب الساحات والحراك الجنوبي والحوثيين، وأصررت على الحضور كمراقب عليها، حتى أتمكن من أن أكون قريبًا من المشهد، ومعايشة التجربة الفريدة والغريبة في الحياة السياسية حول العالم، إلا أنني لم أسلم من أغلب من ذهب ليصوت ويقترع، وعلم بمقاطعتي للانتخابات، ففندني البعض كحراكي جنوبي، وآخرون وضعوني في خانة الحوثيين، ولماذا لا؟ فأنا أعيش إلى جوار الحراك الجنوبي، وبينهم أمارس يومياتي في ذات النطاق الجغرافي الجنوبي(عدن)، ومع بعض علماء وفقهاء ونشطاء الحوثيين كنت في رحلة إلى إيران من الشمال، وكأن مشروعي الفريقين تهمتان، مشتبه بهما وللمنتمي لهما أو للمتحمس لقضيتهما، تعبت استماتة بإثبات أني مستقل، وكثيرًا ما رددت اسمعوني وأفهموني، سأشرح مبرراتي وقناعاتي، ورفضي الشديد لكل أشكال العنف والترهيب وأعمال التخريب، وأني مستمر بسلمية في الثورة السلمية، لم يصدقني الكثير، يمكن بسبب الجو السياسي المكهرب والحساس، الذي رافق الانتخابات، ما يؤلمني ويحز في نفسي، تصديق كل من يسمع تلك التهم/في نظرهم/، وتزكيتهم لها فيما يلي، وعدم اكتفاء البعض بذلك، ألحقوها وألصقوها بي، وكأنهم كانوا يبحثون عنها، وما صدقوا ولقوها، حتى يشفوا غليلهم مني، هنا لا ألومهم وأعذرهم كثيرًا، وما زلت أبحث لهم عن تفسيرات لما قاموا به، وألتمس تبريرات أكثر لإقناعهم بعدم الاشتباه بي، فأنا بعيد كل البعد عنها.
الثورة في بلادي جميلة ومؤثرة، وإيجابياتها أكثر من سلبياتها، رغم كل ما لحق بي، جاءت بمفاهيم وغيرت أخرى، أسقطت وثبتت قناعات، وقلبت موازيين، وكشفت أوراق، وإعادة ترتيب مواقع، وسعت من رقع الحريات العامة، ودعت للمطالبة بالحقوق الخاصة، وعممت مفاهيم ومبادئ الديمقراطية، انفجر الغضب الشعبي العظيم المتراكم منذ 33 سنة، ظلم وقهر وكبت وحرمان و…، وتُرجم بطرق وآليات وممارسات متعددة ومختلفة، كان طابعها السائد سلمي بحت، جعلت العالم كله يتحدث عنها، ويضرب بها المثل الأروع، ويقف عاجزًا أمام مديحها، والإشادة فخرًا بها، وتقديمها كتجربة استثنائية في تاريخ الثورات العالمية، ما أحبه أكثر في هذه الثورة العزيزة والغالية على قلبي، أنها جعلت ممن ينادوني باسمي “عاد”، أن يسبقوه بلقب “ثائر”، وصرت “الثائر عاد” في العالم الحقيقي والواقعي أو الافتراضي والخيالي، إلا أن البعض لم يعفني من كل ما سبق ذكره، نتيجة لعدم تساوي وتلاقي سياساتنا واتجاهاتنا وآرائنا وقناعاتنا، ليبقني في دائرة الشبهة، حتى إشعار آخر، لأثبت بالراحة عكس ما نسب لي، ولست مستعجل للخروج من تلك الدائرة، لأنني أثق بنفسي جدًا، فالثورة بإيماني وإيمان الكثيرين فعل مستمر وسلمي، والأيام بيني وبينهم، وعندما يحين الوقت المناسب، لن أطلب الاعتذار منهم، حينها أكون قد نسيت فعلًا، فالثورة رسخت بإنساني التسامح بمعانيه الحقيقية الخالصة.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية