ثورة ربيع 2013

يموت المئات من فقراء بلادنا فقراً وظلماً وظلاماً وتزيد نحالة بطونهم ودقة جلودهم أملاً في قرار كامل يتيم بتجريد أساطين الحرب من آلة القتل التي يمسكون بها في وجه شعب لفظهم قيئاً مع قذر الفساد والدم. لقد توفرت كل الظروف المطلوبة لهادي من أجل تفجير قرار الحسم بلا خوف ولا تبرير وهو الذي أطلق على نفسه «الرئيس الفدائي». فلقد توفر لهادي ما لم يتوفر لغيره من درجة الصبر وضبط النفس الواسعة التي أجادها الشعب والأحزاب السياسية اليمنية والدعم الدولي القوي خلال العام الماضي من أجل الخروج من عنق الزجاجة بسلام.

فلو جاز لنا مقارنة الأمر سريعاً مع مصر مثلاً لوجدنا أنها لم تهدأ رغم تطبيقها استحقاقات هامة وصدور عدد من القرارات الرئاسية الكبيرة والجريئة التي يطالب بها الشعب المصري خلال فترة قصيرة وإرهاصات التآمر الداخلي والخارجي على سيادته وثورته، بينما يصر رئيس الضرورة اليمني على إبقاء شعبه يعيش ذات حياة الجوع والخوف عبر ابتزازه بتخويفه من السقوط في أتون التفجير. وبدلاً من مكافأة شعبه على صبره الطويل ودعمه كليةً له، برغم كونه أحد أقطاب النظام الهالك، لا يزال هادي يصر أن يبدو أمام رؤوس النظام الفردي الوراثي ضعيفاً وهادياً ومهادناً، بل يعِد أمراء الحرب بتولي مناصب عسكرية أخرى.

تأتي هذه الخطوة المستهجنة والغريبة بالرغم من نجاح إعلان قرار هيكلة الجيش وتأكد هادي من دعم كافة قادة ألوية الجيش وكافة الشعب والمجتمع الدولي دون أن يلتفت إلى أمن وطمأنة هذا الشعب الصابر طويلاً على عبث قادته الكبار والصغار بمستقبله وبمقدراته.

نقل مراسل رويترز المعروف تماماً بمتانة علاقته بدار الرئاسة عن (مصدرين) بالدار أن الرئيس قد وعد بتعيين العميد أحمد صالح واللواء علي محسن في منصبين عسكريين جديدين في الجيش بعد أن يستمرا في منصبيهما السابقين لمدة 6 أشهر حتى توزيع قواتهما على الألوية والمحاور الجديدة التي صدر القرار الجمهوري الأخير بتشكيلها. يمر هذا التصريح الخطير ويمر اعتصام شباب مسيرة الحياة والاعتداءات الآثمة التي تعرضوا لها دون أن يلقى ذلك التصريح تكذيباً من مؤسسة الرئاسة التي صدر الخبر منها. وبذلك يجعل التصريحان شباب الثورة على محك طوارئ ثورة وشيكة جديدة وتقريب البلاد نحو هاوية الثورة الثانية من جديد..

يأتي برود هادي العجيب، وسط برود حكومي جليدي تجاه الأمن والتنمية وتحسين المعيشة وإصلاح ما هدمته الأحداث، بل إن ذلك يقف في آخر طابور الطلبات الطويل الذي يتصدره طلبات انتهازية أخرى مثل حوار الفئات السياسية والمناطقية والجهوية والطائفية والمخلوعة الذي يمكن أن يلغي أي محاكمات للقتلة ومدبري الاغتيالات ومثيري الشغب ومدمري البنى التحتية بل يمكن أن يقوي شوكتهم… الخ. فما أن تنفس الناس الصعداء عند صدور قرار الهيكلة، وصفقوا بأيديهم وأرجلهم للهادي هادي تشجيعاً لتلك الخطوة الجزئية الشجاعة، لم يكتفِ هادي بكل ذلك الدعم ولم يدفعه ذلك لإزالة كتل الخرسانة العملاقة بين منزله وشعبه الذي انتخبه ووثق فيه ودعمه بقوة لم يعهدها قائدٌ قبله، حتى لم يعد الناس يدركون السر وراء مهادنة هادي الممل لنظام سنحان. فهل ما يحدث اليوم هو نهاية مشروع تآمري ضد ثورة الشعب، أم هو ثقافة الخوف العميق التي جعلت الرئيس نائباً للرئيس لنحو عشرين عاماً، أم هو اطمئنان لمكر الشعب الذي امتهن الصبر مستهتراً بثقته فيه!!

غير مصنف