مخاطر تبرير العنف في الجنوب

من يُذكي العنف الدامي في عدن كمبرر للتعبير الأهوج على ما يصفوه ب «احتفال مُستفز للجنوبيين» في الذكرى الأولى لانتخاب الرئيس هادي ،هو ذاته من يتستر بالقضية الجنوبية وشعارات الحراك السلمي لاستهداف جنوبيين مؤيدين للوحدة واستهداف آخرين من أبناء المحافظات الشمالية ومحلاتهم في حضرموت وغيرها، في جرائم مشينة تنحدر بمسار القضية نحو العنف وتضيع دماء أبناء المحافظات الجنوبية وتضحياتهم الكبيرة طيلة ست سنوات بذرائع، كتعبير عن حالة هوس مجنون لقوى ما قبل الدولة لتفجير الوضع في البلد كلما اقتربت بدايات بناء الدولة.

لأسباب مختلفة، يجب على قوى الحراك السلمي تحديد موقف مما يحدث، وتقديم الحقائق للرأي العام عن حقيقة «الحراك المسلح» المتهم بالعبث بتضحيات الجنوبيين وأرواح الأبرياء بذرائع واهية ،و تأخر قوى الحراك في تحديد موقفهم من دعاة العنف قد تدفع بموجة العنف إلى الأسوأ وهذا ما يقابل، باندفاع البعض نحو منطق القوة في تصديهم للمسلحين الخارجين عن القانون ومسلحي القاعدة «في مدن الجنوب».
بلا شك ،هناك من يحاول خلط الحابل بالنابل في الجنوب وتبرير العنف بالرد على مليونية عدن المؤيدة للوحدة ،وأياً كانت الأسباب، فمن مصلحة الحراك والقوى الوطنية بالداخل والخارج ،لجم دعاة العنف والكراهية بين الناس العاديين أو بين القوى السياسية مهما كانت أخطاؤها ،باعتبار مأساوية مآلات منطق “تحرير الجنوب من الاحتلال «كما تعتبره قناة عدن لايف» التابعة لتيار الرئيس السابق علي البيض..

علينا ألا نستهين بتبعات خطاب الكراهية وإدخال الجنوب في دوامة العنف على يد مسلحين محسوبين على الحراك كما تصنفهم تقارير الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام بذرائع التصدي لفعاليات وحدوية يتصدرها حزب الإصلاح ،بوصف المآلات الكارثية المترتبة عن هذه الجرائم التي يتحمل مسؤولية تفاقمها قوات الأمن وبقية الأطراف السياسية دون استثناء ،حتى يتسنى للقوى الوطنية الوصول إلى اتفاق حول القضية الجنوبية ومشروع الدولة.

وعودة إلى السبب النفسي المؤجج لحالة العنف الراهن ،قبل تراشق الحملات الإعلامية بين قوى الحراك أو الأحزاب السياسية، تثبت الأحداث بأن مشعلي نار بداية الاقتتال بين خياري «تقديس» الوحدة، ودعاة «فك الارتباط» بأن أطراف العنف كثيرة ولهم ارتباطاتهم الإقليمية ،والمؤسف ارتباط محسوبين على الحراك بقوى تبحث لها عن دور في المعادلة المحلية فقط غير مكترثين باستقرار اليمن أو حل القضية.

في المقابل، وبعيداً عن مناكفات صراع «الديكة» وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية على ذمة أسباب وتبعات الأحداث المؤسفة في عدن والضالع وحضرموت، ينتظر الجميع من عقلاء اليمن والقوى الوطنية سرعة إجراء تحركات في صنعاء وعدن لإبعاد شبح العنف عن مدن الجنوب التي يذهب ضحيتها الأبرياء فقط، عوضاً عن التنصل من واجبهم، وتضارب مواقفهم بين مدين لحزب الإصلاح وآخرين لإدانة الحراك ،الذي يعتبرهما محللون سياسيون بأنهم في نهاية الأمر «كباش فداء» في مسرح الجنوب الملتهب.

وما يزيد من احتمالات استمرار العنف شيطنة الإصلاح كقوى سياسة واتهام هذا الحزب ب «تقديس» الوحدة على حساب معاني وقيم الوحدة، واستدعاء أخطائها كوصفة جاهزة لتبرير العنف المستفحل على خلفية فعالية سلمية في عدن _ ولو كانت في التوقيت الغلط _ وفي المقابل لم يتورع نافخو كير العنف من استمرار شرعنتهم لممارسات دعاة «الكفاح المسلح لتحرير الجنوب»، رغم علمهم بخطر انجراف الحراك إلى مستنقع «الحراك المسلح»، وما يترتب عنه من خطاب إقصائي يفخخ واقع التعددية السياسية في الجنوب على الحزب الاشتراكي قبل غيره من بقية الأحزاب السياسية.

من حق الجنوبيين المطالبة بأي مطلب مع الوحدة أو الفيدرالية أو فك الارتباط، لكن قنوات تحقيق هذه المطالب، لن تأتي بدون خطاب وجهود سياسية صادقة تعمل على إبعاد الجنوب عن مستنقع العنف والعمل على تلبية مطالب الجنوبيين، وفي حال تم ذلك سيتم تفويت فرص العنف على العابثين بالأمن والاستقرار في المحافظات الجنوبية الذين يتربصون بحياة الجميع وأولهم جماعة القاعدة التي تتحين الفرص لالتهام الجنوب قبل الشمال.

ويثير سخريتي المصابون بفوبيا مليونية عدن وكأن القضية الجنوبية العادلة ستموت بفعالية مؤيدة للوحدة الوطنية، غير مدركين بأن القضية الجنوبية قضية مركزية عادلة يجمع عليها جميع أبناء اليمن جنوباً وشمالاً، في الوقت ذاته، صلابة القضية الجنوبية ستصمد بسلميتها وسيلتف حولها الجميع، ومع ما يفترض بقوى الحراك السلمية الفاعلة بالميدان بتفويت فرص استمرار العنف والتمسك بالنهج السلمي عبر توعية أنصارهم وفعاليتهم بالمحافظات بضبط النفس بدلاً من الانجرار وراء شطحات لعنة «الكفاح المسلح».