التباكي على أطلال الفشل

معيب أن ترى البعض ممن يدعون انتماءهم للثقافة والأدب ،واحتراف نظم الكلمات،وتذوق مدارك الكلام.كتابة ونظما ونثرا ،ورواية وقصة بل ولديه من التجارب والمراس في الإدارة والأداء الرسمي لكنه لا يستطيع ،ويعجز تماما عن استخلاص النتائج الحقيقية على ارض الواقع نجاحا أو فشلا لأنه يرى نفسه دائما – وهو ” ظان ” بها – أنها محصنة ضد الفشل أو(الشلل).

ثم لا يستطيع معها أن يتحمل نقد الذات ولا نقد الآخرينلأنه تعود إقناع نفسه بأنه في الموقع الصح والسليم فكرا وسلوكا وأداء ،بل يربأ بنفسه من أن تلحقها أي نقيصة أو شائبةولأنه يرى أيضا أن الآخرين من حوله ليسوا في المكان الذي يؤهلهم لتقديم النقد أو الإشارة إلى تصحيح المسار ،وخصوصا حين يتعلق الموضوع في الأمر العام والقضايا العامةوقل لمن يدعي في العلم معرفة *** حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

وينسى المثقف المغرور- أيا كان – سواء تبوأ مركز اتخاذ قرار ،أو أدار مصلحة عامة ،بأنه يتحمل مسئولية مهمة وصعبة بل وخطيرة.

حين يتعلق الأمر ببناء الإنسان وتكوين شخصيته وتعميق انتمائه لهذا الوطن ولهذا الشعب فقطوعليه بالتالي أن يخلع بزة الهوى الشخصي ،وعباءة الكبرياء ليتمكن من رؤية الأشياء على حقيقتها بدون رتوش يضفيها لأنه مقتنع بأنه يستطيع اختزال الأمر في تدبيج مقالة ،أو نظم قصيدة ،أو حبك أقصوصة ،وهذا هو الغرور المقيت الذي ينتج فشلا حتميا ،وهو ما حدث.

لان كل ما كان يجري وعن قصد وعجزتختصره عبارة ( كنا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا..) كما يقال أيها الفطاحل العظامأو كما قال شاعرنا المرحوم علي بن علي صبرة ،وهو يعلق ذات مرة على الأداء الحكومي ،وكان حينها نائبا لوزير الإعلام والثقافة ” جعدلة براميل”.

وفي قراءة لكتابات وآراء هنا وهناك تدعي أنها تترسم طريق الثورة على النفس ،لكنك تلحظ فيها نفس اللغة ،ونفس الأداء السابق وتعيش في نفس الأسلوب في التناول ولن نقول نفس الكذبة المرة.

وترديدها اليوم أكثر مرارة لان التكرار المسئوم لا يخلق في النفس أملا بل يزيدها مللا ،ولا يزحزحها عن واقعها المرير ،وتجاربها الأمر.

فضلا من أن يمنحها فرصة ترسم أي خطوة في طريق الثورة على النفس ،ومن فترة قرأت نفس الأسلوب وبنفس اللغة في مقال عنون ب ” نحن بحاجة إلى ثورة في الأخلاق.

ومع ذلك يظل الاحترام والتقدير موصولا لكل من نحسبه شجاعا في قول الحق والانحياز للحقيقة وحدها ،وظل ثابتا على مبدأ الحرص الوطني – أما الذين تسيدوا لعقود من الزمن على مؤسسات الدولة ومنها الإعلام والثقافة والسياحة ،وحقول التربية والتعليم ،ومنذ وقت مبكر من قيام ثورة سبتمبر.

وهو الزمن الذي يمكن تسميته بمرحلة تأسيس وانطلاق الفكر اليمني الجديد المسنود بالقيم والثقافة الوطنية. هؤلاء الفاشلون لا يمكنهم اليوم البكاء على الماضي وأطلاله بعد أن كانت الفرصة أمامهم سانحة ليسجلوا تاريخا من المجد.

بعد أن خدمتهم الظروف والحظوظ وليس الكفاءة والمؤهل لإمكانية الانطلاق والإبداع وأداء الدور الوطني المؤثر في الجماهير ورفع مستوى الشعب ثقافيا وتعليميا واجتماعيا كما طلبت منهم ثورة سبتمبر في أهدافها السامية..

إلا أنهم سقطوا في مستنقع الفشل الذريع الذي لا يغتفر ،حين ارتضوا أن يعيشوا على هامش التاريخ بل في جوانبه المظلمة بسبب أنهم لم يستطيعوا الارتقاء بفكرهم إلى المستوى من الفعل الثوري الذي صنعته الثورة اليمنية ،وان كان قد تلقفها العديد من رجالات الفكر والثقافة اليمنية ،حيث كان المبدعون اليمانيون هم الأكثر حضورا وتأثيرا في المجتمع من مؤسسات الدولة الثورية ،والتي كانت محبطة بسبب تبوء كثير من الفاشلين مراكزها الرئيسية إلى درجة كما لو أن أي ثورة في اليمن بعد نجاحها في تعبئة الجماهير باتجاه الحياة الحرة الكريمة تتعرض للاختطاف والاستلاب دون عزاء للجماهير التي يشبعونها كلاما وشعارات لا توصله إلى شيء مما أراد وتمنى وضحى في سبيله.

كل ذلك على الرغم من الزخم الذي صنعه عمالقة الفن والأدب اليمني في أزهى عهوده ،والذي كان له صدى وتأثيرا لدى جماهير الشعب التواقة لاستيعاب كل نتاج أدبي وفني وثقافي فيما لو أحسن استغلاله.

وكان هدف تكوين الشخصية الوطنية المطلوبة.أكثر موافقة ،وكانت الظروف مهيأة تماما لثورة على النفس فعلا.فيما لو أريد لها ،وكانت ثقافة الجيل وفكر المجتمع اليمني ومدى تقبله للرسالة الإعلامية والثقافية حينها متناسقة لدى المرسل ولدى المتلقي لكن الانحراف بالرسالة وتلويثها بترهات التخبط الإعلامي الهلامي والأداء الباهت العاجز وانعدام الرؤية باتجاه المستقبل.

والحقيقة المؤكدة أن هذه المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية كأمثلة صارخة للفشل أخفقت في أداء دورها ،وليس ذلك فحسب بل شاركت بصورة أو بأخرى في تعريض الذوق العام للمسخ والتخريب أحيانا ،وللإفساد والإهمال كثيرا.. وظهر فشلها الذريع في تكوين الرأي العام الوطني أو التأثير فيه وانعكس ذلك الفشل في تشويه القيم والمثل الوطنية وقيم الانتماء للوطن اليمني. بل أثرت عليه سلبا

والواقع يفضح ذلك ويفصح عنه.حتى لا يقال بالتجني ،وتستطيع مراكز البحث العلمي ومراكز الدراسات أن تدرس تجربة كل مؤسسات الدولة في العقود الماضية. وستصل حتما لهذه النتيجة المروعة لقد كانت مختلف التظاهرات الوطنية بما يصاحبها من زخم إعلامي وإبداع ثقافي تقتصر على المواسم بمعنى أن النتاج الإعلامي والثقافي كان هلاميا وموسميا بعيدا عن نبض الجماهير وتطلعاتها…

وجدير بالذكر.. أن أصواتا وكتابات عديدة ظلت تشير دائما إلى مواطن الخلل ،ومواقع الأخطاء في المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية ،ولكن لا حياة لمن تنادي ،بل ومن أعاجيب الزمن. ومن المضحك المبكي أن مسئولين في مواقع المسئولية وفي مراكز اتخاذ القرار كانوا هم ممن يشكون ويبكون – آو يتباكون من سوء الأوضاع.ومن أخطاء الممارسات ،وسلبيات الأداء في مؤسسات الدولة

وسواء كان التباكي على الفشل و سوء الأوضاع في البلد من مسئولي الحقبة الماضية لذر الرماد على العيون. أو لمؤاساة الشكاة الحقيقيين وهم غالبية أفراد الشعب ،لكنه يمثل في كل أحواله اعترافا صارخا بالفشل الذي اتسمت به الفترة السابقة بل إن التباكي اليوم على ماضي الفشل المبين لهو منتهى الاستخفاف بالعقول ،وضربا من الحماقة اللامتناهية.

فضلاًََ عن عدم احترام الذات قبل الناس والتاريخ. ومن يتابع ما يكتب وينشر ويقال “سيكتشف أننا فعلا لم نتغير بعد”.

وأننا بالفعل أولى وأكثر احتياجا لما نريده من الآخرين ،ليصدق المثل القائل ” الخطبة الخطبة والجمعة الجمعة.وعاق والديه عاق والديه ” ذاك الذي نقرأه اليوم هو ما سيكتب في الغد ولم نعد نؤمن بما سطر بالأمس القريب والبعيد فأين طريق التغيير الذي سلكته الثورة على النفس ؟

ثم من المعيب بل والمخجل أن يتباكى البعض على أطلال فشل.. هو بحاجة لمن يهيل عليه التراب والاسمنت.

يشير البعض في تناولاته إلى الأمل والتفاؤل بدافع الربط بين الثورة على النفس والتطلع نحو الغد الكريم وأقول مختتما لسنا ضد الأمل والتفاؤل وسنظل نحيا به ما دام في عروقنا دماء تجري ،وفي قلوبنا تعيش اليمن بأهلها وناسها الطيبين المتفائلين.

لكن من غير المقبول الافتئات على هذه المعاني السامية ،والكلام الجميل جميل إلا أن يصدر من حناجر الطغاة والفاسدين والفاشلين فيتحول من جميل إلى مفترى عليه.

غير مصنف