الجنوب.. ما أوله غضب أخره ندم!!

الجنوب.. ما أوله غضب أخره ندم!!

الواقع اننا ورغم كل مآسي الماضي واخطائه وصراعاته المنهكة والمدمرة لمجتمع الجنوب ولدولته وثورته واقتصاده وقوته واستقراره ؛ مازلنا كما اسلافنا الذين نعتب عليهم بكونهم اوصلوا أهل الجنوب إلى هذه الحالة المزرية والمهينة والمذلة ، كأنك يا بوزيد ما غزيت ، نحن كذلك حين لم نتعلم أو نستفد أو نتعظ من جل المحن والكوارث التي اودت بنا جميعا إلى هذه الوضعية الحرجة والبائسة .

قبل الاستقلال وبعده لم نعر صوت العقل والحكمة أية اهمية ؛ فكانت النتيجة كارثة تعقب الكارثة ، والمأساة تلحقها مأساة ، فثلاثة عقود مضت من عمر الثورة والاستقلال والجنوب ثائر ، غاضب ، هالك قربانا للقيادات المجنونة ، المهووسة ، الجامحة ، المفتونة بالذات والشعارات النزقة الثورية الاحادية ، فلم يأت العام 89م إلا ودولة منهكة مثقلة خائرة ممزقة .

ومع حالة الوهن والتمزق والتيه التي عاشها الجنوبيون كان هنالك ثمة صوت متعقل ومدرك بعاقبة توحد ارتجالي متسرع ، ولكن هذا الصوت لم يسمعه أحد في ظل زحام كثيف غير مكترث بسوى ازالة براميل الشريجة وسناح ومكيراس ، فما من عقل ومنطق يمكن استساغته وقبوله في خضم طغيان وغلبة الجنون ،فكما قيل بان كلام الحكيم حماقة في نظر المجنون .

اتذكر الآن انني سمعت صوتا خافتا من هذا القبيل ، أظن صاحبه سعيد صالح وثلة رفاق اخرين في الحزب والجبهة الوطنية ناهيك عن شخصيات من الزمرة وجبهة التحرير ، قلة قليلة من الرجال العقلاء الذين كانوا خير تجسيد لقولة نبينا الكريم محمد بن عبدالله ” الجنة مئة درجة ، تسع وتسعون منها لأهل العقل وواحدة لسائر الناس ” لكنهم قلة وصوتهم محدود وغير مسموع أو مؤثر البتة ، فلا صوت يعلو على صوت الحماقة والعاطفة والعجلة .

فمن بمقدوره وقف العجول الاحمق ؟ فمع يقينا بقولة العرب ” اول الغضب جنون وأخره ندم ” ؛ لم يلتفت احد منا لهذه الاصوات الضئيلة المحذرة من نهاية كارثية ،فمعظم المتشددين الآن للعودة إلى نقطة الانطلاقة المجنونة كانوا قد ركبوا سفينة التوحد ودونما التفاته لتلكم الاصوات العقلانية المحذرة من مغبة توحد سياسي تم سلقه على عجلة ، فسواء كانت هذه الاصوات في الجنوب أو في الشمال إلا انها بقت ضئيلة وخافتة وغير مستساغة مطلقا مقارنة بزخم كثيف لا مكان فيه لمقولة “العجول مخطئ ولو ملك ، والمتأني مُصيب وإن هلك” .
رئيس مأزوم وفار من استحقاق سياسي يمكنه قلب معادلة الحكم شمالا إزاء أمين عام حزب شمولي محاط بقيادات من الرعيل الثالث والرابع الذين اتت بهم الصدفة إلى مواقع التنظيم عقب كارثة يناير 86م ودونما خبرة أو تجربة أو فكرة كفيلة لهم بقيادة الدولة والنظام وفي مرحلة حرجة وخطرة كتلك التي اعقبت كارثة وطنية ومجتمعية وتزامنت – ايضا – مع محنة عولمية عصفت بمنظومة كاملة من الدول الصديقة ومن العلاقات والتحالفات السائدة خلال نصف قرن .

المهم ذهب الجنوب إلى التوحد طوعا وتحت تخدير نصف قرن من التعبئة الثورية والوجدانية والذهنية والنضالية والوطنية والقومية والاممية التي تشبعت بها جماهير الجنوب ، ضف لهذه التنشئة الوطنية والاممية ؛ كان لطغيان ثقة العاطفة على ثقة العقل ،ولغة التاريخ والجغرافيا على منطق المصالح والمنافع ، أثره السلبي على مجمل العملية السياسية .

ناهيك عن عوامل اخرى داخلية وخارجية ، شخصية ونفسية ، مجتمعية ونخبوية ، فجميع هذه العوامل شكلت عامل ضغط مؤثر في وحدة اندماجية فورية لم تضع باعتبارها لأية فروقات مجتمعية وثقافية واقتصادية وفكرية وسلوكية ونفعية وقيمية وسواها من الاختلافات المجتمعية التي أطلت بوجهها القبيح على الجنوبيين خاصة واليمنيين عامة .

ومع هذا الخطأ الفادح الذي تجلى واضحا للعيان بعد اشهر فقط على اعلان الدولة الجديدة ؛ كانت ازمة الخليج وتداعياتها الكارثية على الدولة المسلوقة والناشئة وعلى مجتمعها قد كشفت وعرت حقيقة الموقف المخجل المداهن المنحاز لاحتلال دولة الكويت ، فعلى الرغم من جنوحها لتوحد غير مدروس عواقبه ؛ تعاملت مع غزو العراق للكويت بذات الحماقة والعاطفة والجهالة التي قادت بها دولة الجنوب إلى توحد مرتجل متسرع سرعان ما بدت سوءته قاتلة وممزقة لنسيج طالما ظل واحدا وعصيا على الدولتين الشطريتين وعلى انظمتهما وحدودهما وايديولوجيتهما .

كان هنالك صوت عقلاني مدرك بتبعات الموقف المخزي على الدولة الجديدة ، وعلى ملايينها في دول الخليج وعلى اقتصادها ووحدتها ، ومع كل ذلك ذهبت الجماهير العرمة خلف الصوت النزق المجنون الاحمق غير أبهة بالنتائج الكارثية العائدة عليها جرا تصفيقها وهتافها واحتشادها وراء الشعارات والقيادات المتطرفة الحمقة التي ما فتأت تجرعها ويلاتها واخفاقاتها الماضوية .ولأن صوت الحكمة لم يجد أذناً صاغية ؛ فلقد كانت الحصيلة عودة أكثر من مليوني مهاجر في الخليج وغرق اليمن الموحد في مشكلات وازمات لم يخرج منها حتى الحاضر .

وإذا كان الصوت المتشنج المجنون كان طاغيا ومؤثرا في المشهد السياسي الجنوبي تحديدا ؛ فانه كان سببا في الازمة السياسية التالية ومن ثم في الحرب اللعينة التي قضت على كل ما بقي من شراكة وقوة ووحدة .
فعلى الرغم من ان ولوج معركة عسكرية لتحقيق مآرب سياسية فشلت الدبلوماسية في انجازها يمثل خطيئة ؛ فإن استدراج الجنوب إلى حرب غير متكافئة أو مدروسة وواضحة اهدافها ومعالمها ؛ يعد بلا شك أكبر خطيئة مقترفة في تاريخ الدولة والنظام .فالحال ان هنالك اصوات كانت رافضة لهذا الانجرار .

فبرغم ما بذلته من جهد كي تبقي الازمة تحت السيطرة السياسية وكي يبقي توازن القوة ضمانة لنفاذ وثيقة العهد والاتفاق ، لكن العقلانية والحنكة السياسية والدبلوماسية تراجعت وغارت مع اول موجة نزوح للقيادات واول دانة مدفع واول بيان حربي ، فوفقا وقولة سعدي الشيرازي ” على النَّابل ان يتأنَّى ، فالسهم متى انطلق لا يعود ” .

الآن وبعد كل هذه الكوارث المأساوية لا يبدو حالنا اننا في افضل حال ، مازلنا نلهث ونهتف ونصفق ونضحي بالغالي والنفيس ولكن من أجل قيادات ماضوية ثأرية استبدادية ، نعم ننقاد كقطيع ماشية طائعة خانعة غبية ساذجة رهنت حياتها ومصيرها بذئاب متوحشة فاتكة قاتلة يستحيل العيش بكنفها وتحت حمايتها بأمان وسلام ووئام .

فكما الخرفان إلى وقت طلب الثعابين وفق مقولة فرنسية ؛ فأهل الجنوب ليسوا سوى قرابين مزهقة ، ودم مهرق على قارعة ضياع جديد عنوانه الابرز الجهل والبطش والعنف والجنون ، فكل هذه الاشياء يحسب لها وئد وقتل احلام وامال وكرامة اجيال ثورة ونضال واستقلال وتجزئة وتوحد وصراعات وحروب وازمات وووالخ .

نعم فبعيد زمن من طغيان العنترية المجنونة المهلكة ؛ ها هو الجنوب واجياله الحديثة على خطى اخفاق وفشل الاجيال السالفة ، لكأن صراعات والآم الامس واليوم ليست كافية لأن نذعن هذه المرة لصوت العقل والحكمة ! لا ادعي هنا احتكار الحكمة والاعتدال ، فدليل عقل المرء فعله ومنطقه ، لكني فقط اعد ذاتي مجرد انسان لا يرى في الاصوات الغاضبة المنفلتة شيئا جديدا يدعوني للتفاؤل والاطمئنان .

أتأمل في الواقع فلا أجد فيه ما يشير ويدلل بكون الجنوب الذي يتصدره الجنون والغضب والعنف والجهل والبغض والدم والبارود سيكون جنوبا مثاليا ونظيفا وعقلانيا وبديعا وخاليا – ايضا من صراعات ومآسي وحماقة وجهالة جنوب اليوم والامس .