إدمانات أشد فتكا.. كأنما وجود مركزية قاهرة صار ضرورة

أشعر أننا لسنا على مايرام وأننا قبل الثورة كنا معنويا أفضل بكثير ربما نعاني الآن أعراض فقدنا للقهر ربما كنا قد اعتدناه محرضا أساسيا يستفزنا ويستثير فينا بواعث القوة والصحة ويبقينا مشدودين منتبهين على الدوام كنا نغالب ونواجه قهرا متمركزا يستدعي توجيه وتركيز طاقتنا كاملة.

الآن تستنفد قوانا مراكز قوى وأوباش من كل نوع تستنزفنا أشباح كثر وتطفئنا عتمات عديدة.

لكأنما وجود مركزية قاهرة صارت ضرورة باعث عافية وسبب لبقاء الناس متماسكين متحفزين ومركزين ومندفعين صوب وجهة واحدة واضحة المعالم يخوضون صراعا ضد جهة قاهرة استحقت الاستئثار بالخصومة والتفرد بالمواجهة.

نحن بدون صراع واضح وعدو متعين نضيع ونفقد حماستنا نختنق بغضبنا وقلقنا نفتر نرتخي نحار فيمن نحاربه نبدو مرضى وبأمزجة دائمة الإعتكار.

أتحدث عن إدمانات مدمرة وقاتلة أشد فتكا غير ملتفت اليها على الإطلاق إدمان القهر.إدمان المستبد،إدمان الصراع، يفصح الواقع عن أعراض ادمانات جماعية عامة لهذا الثالوث الخطر وتلوح الحلول السياسية الراهنة مستبطنة هذا الإدمان بإعتمادها المبارحة المتدرجة في معالجة القضايا والمشكلات وتجاوز الأزمات والتحديات.

المزاج اليمني العكر والحاد وهذا الانخراط الجماعي في الصراع المحتدم والمتفجر على مدار الساعة حال مخيف يجرف سكينتنا ويقوض سلامنا الداخلي ويجرفنا بعيدا عن وجهة الروح..

لكأننا لم يعد لدينا مانفعله سوى إلإمعان في قتل الذات.. صارت النقمة عملا ونلوح في صراعاتنا عموما أول المصروعين نسقط ضحايا معاركنا المخاضة دون تبصر ودون وعي ولأشرف دون فضيلة أو مجد نحارب ضد أنفسنا ونغدو أسرى خصوماتنا أسرى حروبنا وتظل الحياة بعيدة عن معاركنا المشتعلة.

تفزعني هذه القابلية العالية لخوض أي صراع كان بفائض من العدوانية والمقت وخواء داخلي مطلق يرشحنا لتلبية نداءات الموت بأكثر مما نلبي دعوات الحياة..

جوع للإنسانية وفقر وجداني ومعرفي وثقافي.. تشوش واضطراب في وعينا بالوجود نشتغل على قضايا كثيرة لكن الإنسان ليس من بينها بالطبع نعيش لنصارع لا لكي نحيا ويبدو مجمل الصراع على الإنسان لا من أجله.

نخسر جوهر الوجود والمعنى الحقيقي للحياة كل يوم دون أن نتوقف لنسأل كم من المهم أن نصارع صراعنا؟ أولا كي لانطيل السقوط في الحقارة والدناءة والخسة ونمنح وجودنا للفناء ببلاهة وعناد قتال إذا لم يكن صراعك محررا لذاتك ومجتمعك من القهر والشرور محررا لكرامتك وآدميتك محررا للإنسان فيك فهو صراع يجب عليك مصارعته لاتسلم نفسك له عليك مقاومته بكل مالديك من قوة الحياة..

لكأن أزمنة الحب والعشق والتوق ولت إلى غير رجعة وماعاد بمقدورنا الالتفات إلى قلوبنا و إلى أشواقنا وإنسانيتنا المحتضرة ماعاد بمقدورنا أن نغادر هذي الجحيم التي ننفخ فيها كي تواصل التهامنا بشراهة.

ومن يفعل ويحاول الانتصار لروحه وإنسانيته وحياته فيكتب جملة مختلفة ندية عذبة محبه آملة متفهمة لامتهمة فرحة عاشقة يبدو من يحاول ذلك كمن يقترف خيانة أويأتي معصية منكرة عليك أن لاتنسى أنك بندق مصوب في كل اتجاه هراوة مشهرة فوق رأسك ورؤوس.. الجميع حاطب عداوات.. غراب شؤم.. مشعل حروب وموقد ثأرات ومدمن صراعات تنهيك ولا تنتهي. ما عليك نسيانه هو أنك الإنسان.

غير مصنف