قضية صعدة .. جذور الماضي وتعقيدات الحاضر ومقترحات الحلول

  محمد يحيى عزان*

يشترك في صناعة مشكلة صعدة علل رئيسية، يقوم بعضها على بعض، ويكمل كل منها الأخرى؛ على شكل عُقد متداخلة يتطلب حل إحداها حل الأخرى، وهي تمثل مجتمعة خلطة داء قاتل تسبب في كثير من معاناة الناس قديماً وحديثاً، وتتطلب معالجته وصفة دواء فعال وإجراءات سريعة وشاملة.
جذور الماضي ..
ندرك أن لأي ماض تأثيرا مباشرا في الحاضر والمستقبل، ولا يمكن قطع هذا عن ذلك خصوصاً القضايا النظرية التي لها دور في تكون الواقع، وصناعة المواقف ونمط الحياة، وتقريباً للفكرة سألخص جذور ذلك الماضي في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: ما قبل ثورة سبتمبر 1962م
وفيها كانت صعدة مركز حكم الإمام الهادي يحيى بن الحسين رحمه الله بعد مجيئه من جبل الرس بضواحي المدينة المنورة حينما كانت بلاد المسلمين ساحة واحدة لم تقسمها الحدود، وفيها تخرج أئمة الحكم وفق نظرية الإمامة الهادوية التي تؤكد الحق الإلهي “لأبناء الحسن والحسين” رضي الله عنهما في الحكم دون سواهم من الناس، وهي نظرية سياسية يدور حولها كثير من الجدل كبير، شأنها شأن “قرشية الخلافة”.

ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري ضلت تلك النظرية تُقدم في اليمن على أنها أصل من أصول الدين، وفي ضوئها حكم أبناء الهادي مناطق مختلفة خصوصاً في شمال شمال اليمن بشكل متقطع، وكان فيها ما يكون في غيرها من استقرار واضطراب، وسلم وحرب، استقامة واعوجاج وعدل وظلم، وذلك أمر طبيعي.

والمشكلة في نظري ليست في وجود النظرية كنظرية سياسية، ولكن في اعتبارها نظرية دينية عقدية، يرى البعض أنه لا يتم الدين والإيمان إلا بها، ولذلك لم تتحول – رغم تطور الحياة واختلاف انماط الحكم وظروف المجتمع – إلى نظرية سياسية تاريخية، بل ضلت عند كثير من الهدوية إلى عصرنا هذا مسألة أصولية لا يمكن التنازل عنها أو حتى التعديل فيها.. وفي ضوء ذلك يرون أن أي صيغة من صيغ الحكم الأخرى صيغة باطلة وغير شرعية، يتعين الخلاص منها. وهذا مكمن الخطورة.

المرحلة الثانية: ما بعد ثورة سبتمبر
كان الإمام أحمد حميد الدين رحمه الله آخر من حكموا اليمن باسم الإمامة، وكان الغرض من الثورة تغيير الوضع السياسي والإداري الذي لم يعد صالحاً للمجتمع، ولكن ذلك التغير لم يحقق الهدف المرجو منه بشكل مرضي، بل أوجد ما يمكن اعتباره جذوراً لما نعيشه اليوم من نوتر واضطراب، ومن ذلك:

1. أن ما آلت إليه الثورة من خروج عن نظرية الإمامة لم يكن مرضياً لمؤيدي نظام الإمامة، رغم معارضة بعضهم طريقة حكم الإمام أحمد وشكواهم من سوء إدارته، وهذا ما جعل كثيرا منهم يعتبر الثورة مجرد تمرد وخروج على الشرعية. خصوصا أنهم لم يطالبوا بالتجديد الفكري في نظرية الإمامة عن طريق المراجعة والاجتهاد المتاح أصلا عند الزيدية، بل اكتفى الجمهوريون بمهاجمة نظام الإمامة وتشويهه، مما خلق حالة من التمترس والمقاومة الصامتة.
2. أن الثورة لم تحقق ما كان مرجوا منها من التغيير الثقافي والفكري، ولكنها اشغلت باستهداف ما له صلة بآل حميد الدين، بما في ذلك المذهب الزيدي الذي ينتمون إليه، بحجة الخوف من عودة نظام الإمامة السابق، فأفرط القائمون على النظام الجمهوري الجديد في سعيهم لاقتلاع جذور الماضي الوجودية والفكرية بشتى الوسائل التي كان منها التهميش والإقصاء، وتمكين التيارات المناوئة من المال والوظيفة والنفوذ وخصوصا في المدارس والمعاهد والجامعات ووسائل الاعلام ومنابر الارشاد الديني.
3. أن الدولة حينما حضرت إلى محافظة صعدة بعد قيام الثورة حضرت متأخرة، ولم يتضمن برنامجها التركيز على النهضة بالإنسان، وتحريره من قيود التبعية، ومساعدته للخلاص من حالة الفقر والعوز، بل صنعت له زعامات قبلية، وكرست تبعيته المجتمع لها، فنقلت الناس من تبعية إلى أخرى، ومن الولاء لأسرة إلى الولاء لأسر أخرى، الأمر الذي رسخ ثقافة الواسطة بين المواطن والمسؤول ، وصار الناس يدينون لزعاماتهم بالولاء والطاعة دون مؤسسات الدولة، لأنهم أصحاب الأثر في حياتهم.
4. التغاضي عن الفساد الذي جعل من مؤسسات الدولة معبراً للاستيلاء على مقدرات المحافظة والاستعلاء على الغالبية العظمى منها، فارتسم بذلك في أذهان المواطنين أن مسؤولي الدولة مجرد متسلطين على أرزاق الناس، متعدين على حرياتهم. حتى القضاء والأمن الذي هو في العادة عون للضعيف وملجأ للخائف صار بنظر الناس مصدر خوف وإزعاج، وتضيق وملاحقة، وأداة للقهر والإذلال.

تلك الأخطاء جعلت المواطن يعيش حالة تيه وانعدم رؤية، مما جعل التأثير عليه أمراً سهلاً، ويسهل الدفع به كوقود لأي مشروع سياسي أو فكري يعلن التمرد على الواقع، ويسعى للخروج منه بأي شكل وبأي طريقة، ولو إلى تبعية أخرى ووضع غير مستقر.

المرحلة الثالثة: تمرد الحوثي والحروب الست
استغل السيد حسين بدر الدين الحوثي مشروع “الشباب المؤمن” الذي كان مشروعاً وسطيا حداثياً توفيقياً، للعبور من خلاله إلى مشروع آخر، فتدخل فيه بحكم العلاقة الطبيعية التي كانت تربطه بالقائمين على منتدى الشباب المؤمن، حيث دفع بجماعة من الموالين له ليتحركوا في أوساط المراكز – التي لم يكن بالإمكان حجبها عنهم لكونهم جزء من التيار – فأخذوا يدعون إلى سلسلة من الأفكار والسلوكيات التي كونت ما صار اليوم يعرف بحركة الحوثي. ووقع الانقسام والتنافر بين حركة الحوثي بين الشباب المؤمن عام 2000م، وبعد ظهور مشروعه 2002م وتميزه عن حركة الشباب المؤمن طالب بالإعلان عن حل الجماعة ليقيم على انقاضها ما يدعوا إليه، ولكن القائمين علها رفضوا ومضى كل في سبيله.

نشط جماعة الحوثي في بعض المناطق الغربية من محافظة صعدة وتجاوز نشاطها العمل الفكري والسياسي ليصل إلى فرض نفسها على الأرض من خلال إقامة بعض نقاط التفتيش والظهور المسلح، ومضايقة الناس برفع شعارات سياسية في مساجدهم، مما أدى إلى صدامات وجدل، وتدخلت السلطة المحلية لمعالجة بعض الحوادث على أنها حوادث جنائية، فأودعت بعض اتباع الحوثي السجون، وشيئاً فشيئا ظهرت الجماعة في حالة تحد للدولة وتمرد على النظام، وهذا – في نظري – ما أو قع الدولة أمام خيارين صعبين: إما السكوت والتغاضي عن تلك الحركة .. وإما استخدام القوة لإنهاء الاختلال.
وبعد جولات من المراسلات والمفاوضات التي باءت بالفشل، قررت الدولة استخدام القوة لإجبار الحوثي وجماعته على التوقف عن نشاطهم الذي رأت فيه تمرداً خطيراً يهدد كيان الدولة ويسقط هيبتها.

ومن هنا بدأ خطأ الدولة، لأن قوة السلاح لم يكن الخيار الوحيد المواجهة المشكلة ومعالجة الوضع، وزاد الامر سوءا حينما صحب الحملة المسلحة حملة اعتقالات واسعة لم تقتصر على أنصار الحوثي والعاملين ضمن جماعته، بل طالت فرقاؤهم من الشباب المؤمن، وممن لا علاقة لهم بالحوثي أصلاً، وصحب ذلك حملة إعلامية لم تكن موفقة، وذلك مما كثر أنصار الحوثي، وأغرق الدولة في أخطاء سياسية وعسكرية وأمنية ومضت الأمور في مسارات مختلفة، استغلت فيها الصراعات والخلافات الداخلية، ثم في الصراعات الإقليمية والدولية التي دخلت على الخط وصارت المنطقة مجرد ورقة يلعب بها الكبار في سوق الرهانات السياسية.

بعد ثورة الشباب
في نهاية مارس 2011م دخلت البلاد في موجة ثورات الربيع العربي، وانقسم الجيش وانشغلت الدولة، وكان الوضع في صعدة لا يزال مضطربا رغم توقف الحرب، ما أتاح الفرصة لجماعة الحوثي في السيطرة على مدينة صعدة، والاستحواذ على شأن المحافظة والتصرف فيها إداريا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا دون منازع.

وحينما نستطلع آراء سكان المحافظة حول الوضع القائم فإننا نجدهم ثلاث فئات :
• فئة موالية للجماعة المسيطرة على المحافظة، وهي ترى الأمر مستقراً ومناسبا وليس فيه أي مشكلة، ويريدون بقاءه واستمراره، أو تعديله بالكيفية التي يرونها مناسبة لهم، سواء أعجب الآخرين وكفل حقوقهم وتطلعاتهم أم لا. بل صار بعضهم يرى أن الوضع الحالي في صعدة نموذجا يجب أن يحتذى.
• فئة: متذمرة مما يجري كونه جاء بطريقة الاستحواذ والتغلب، ويرون أن المسيطرين على المحافظة يسيِّرون الأمور حسب مزاجهم، ويستغلون مقدرات المحافظة لفرض هيمنتهم، وترسيخ وجودهم، وفرض توجهاتهم الفكرية والسياسية. ويضيقون على مخالفيهم في كل شيء بحيث لا يجرؤ أحد على إنشاء مراكز مخالفة، أو تسيير مظاهرات معارضة، أو انتقاد زعامات السلطة القائمة.
• فئة ترى أنها غير معنية بما يقول المتنافسون على السيطرة والنفوذ، ويكتفون بممارسة أعمالهم الخاصة ويزاولون نشاطهم التجاري والزراعي والحرفي ما دم يتوفر لهم الحد الادنى من إمكانية الحركة، ويرون أنه لا فارق بين هذا أو ذاك، فالكل يجبي منهم الاموال تحت عناوين مختلفة، ولا يقدم لهم إلا الشعارات، والكل يزعم أنه الأفضل ولا يبرهن على ذلك بشي على الأرض. إلى جانب شعورهم بان سيطرة جماعة الحوثي المسلحة على الشأن العام فرض حالة من الخوف لدى الناس حتى لا يمكنهم التعبير عن قناعاتهم او إبداء معارضتهم لطريقة إدارة البلاد والتعامل مع الناس.

تعقيدات الحاضر ..
تعقيدات الحاضر كثيرة ومتداخلة أيضا وأكثرها ناشئ عن جذور الماضي الذي سبق ذكرها، تتجلى في عدة أبعاد:

البعد العسكري والسياسي
يسيطر على الوضع في صعدة جماعة مسلحة يثقل عليها التخلي عن سلاحها، فهي ترى أنها لا تزال مستهدفة من قِبل خصومها، وهي بالكاد وصلت إلى ما كانت تطمح إليه من السيطرة وبسط النفوذ، وبالتالي لا يمكنها التخلي عن ذلك دون مقابل مجز في نظرها، قد يراه من سواهم مجحفا بعموم أبناء المحافظة.
ويفاقم الأمر تسلل حالة ملفتة من الغرور والاعجاب بالنفس الذي أخذ يظهر في سلوك الجماعة وخطابها الاعلامي، حتى صار بعضهم يرى أنه لم يعد لمن يخالفهم وجد يُذكر، وأنهم قد صاروا في طول البلاد وعرضها، وأن المسألة مسألة وقت للسيطرة على كل شيء.

البعد الديني والعاطفي
حيث يتم فرز وتصنيف المجتمع على أساس مذهبي طائفي، بل وعرقي سلالي، حيث تنفخ الأطراف المختلفة نار الفتنة في عواطف أتباعهم وتحشوا رؤوسهم بصلف التعصب والتمترس الطائفي، ولا شك أن لهذه التعبئة أثر مدمر حتى بعد حصول تصالح ووفاق، لان الشباب الذين يتم شحنهم اليوم بطاقة العداوة والكراهية، يصعب تفكيكهم، بل ربما – وهو الغالب – تكون معركة كل فريق غدا مع صنائعه بالأمس.

البعد الاجتماعي القبلي
يتشكل المجتمع في محافظة صعدة من مكونين قبليين كبيرين هما: (خولان بن عامر، وهمدان بن زيد) وتشكل قبيلة خولان بن عامر ما يساوي ثمان دوائر انتخابية من تسع، ويلاحظ أن أكثر وأبرز الزعامات القبلية مهجرين بسبب وقوفهم إلى جانب الدولة في حروبها ضد الحوثي، وهم يعيشون حالة استنفار ضد جماعة الحوثي، التي يرون أنها تستنفر المنتمين إلى أصولها العرقية من مختلف مناطق اليمن، وتشجعهم على شراء الأراضي والمزارع في صعدة والسكن فيها ونقل أنشطتهم وأعماله الإدارية إليها.
وهذه الحالة إن لم يتم السيطرة عليها بحكمة عقلاء الطرفين، وحسن سياسة الدولة، فإن سلسلة من المعارك القذرة ستتفجر بين أبناء الهادي وأنصاره، خصوصاً وأن بعض الحمقى من الطرفين يغذيها بسوء سلوكه، فهذا يزعم أن الله منحه حق الزعامة المطلقة على الناس، وذاك يؤكد أنهم مجرد ضيوف على البلاد، دون أن يتذكروا أن هذا التعميم غير واقعي، وأن الأرض أرض الله والناس عيال الله، وينبغي أن يتعايش الناس بمودة ورحمة.

البعد السياسي والحزبي
تتنازع زعامة المنطقة زعامات قبلية ومشيخات دينية وتيارات حزبية، ويضخ كل منها كما هائلا من الاعلام التحريضي، لذلك يجد الناس أنفسهم – في الحرب والسلم، وأثناء الحوار والتوافق، وفي حالة التنافر والتدابر – على أعتاب تحضير أطراف الصراع لإلغاء بعضهم أو إضعافه وتهميشه، ولو بوسائل غير مشروعة.
يدل على ذلك الحملات الإعلامية المتبادلة والمواقف التي تعلن عن حالة من انعدام الثقة فضلا عن الاصطفاف الطائفي والقبلي والسلالي، مما يجعل جذوة النار ملتهبة وإن واراها شيء من رماد المجاملات وإمكانية المحاصصة وتقاسم المصالح والنفوذ.

آثار الحروب وتداعياتها
خلفت الحروب المتعاقبة في صعدة عشرات الآلاف من القتلى والمعاقين والجرحى، من السكان ومن مختلف أطراف الصراع، وكذلك الدمار في الأموال والممتلكات أحصي في عشرات الآلاف من المنازل والمزارع والمؤسسات ودور العبادة، فضلا عن المنقولات من سيارات ومعدات وأثاث وأسلحة. إلى جانب أعداد ليست بالقليلة من المعتقلين والمفقودين والمخفيين الذين لم يكشف عن مصيرهم.
كما خلفت عشرات الآلاف من النازحين والمهجرين، لا يزال أبرز وأكثر المعارضين لجماعة الحوثي منهم خارج المحافظة، ويتهمون جماعة الحوثي بالاستيلاء على أموالهم وتدمير بيوتهم والاستحواذ على ممتلكاتهم، وحبس أقاربهم وتهديد كل من لهم علاقة بهم.
ومما يفاقم مشكلة النازحين والمهجرين تجاهل الدولة لشأنهم وانصرافها للتعامل مع الحوثيين وبعض الاحزاب في شأن صعدة، مما يجعلهم أكثر ضراوة وشدة مما قد يفقدهم الامل في الدولة فيخرجون عن سيطرتها ويكونون عرضة للاستغلال بمختلف أشكاله وأنواعه.

التدخل الخارجي
رغم أن صعدة لا تقع على مضيق بحري، ولا ممر دولي، وليست النافذة الوحيدة لليمن إلى دول الجوار، فإن موقعها يكتسب أهمية كونه على جانب كبير من الشريط الحدودي مع المملكة العربية السعودية، ومعظم أهلها ينتمون إلى قبيلة خولان بن عامر التي تقسمها الحدود إلى شطرين، إلى جانب أن أكثر سكانها من الشيعة الزيدية، الذين بات فصيل منهم يسيطر على شأنها الإداري والسياسي والعسكري.

وهذا ما جعلها – خصوصا في ظل التحولات الاقليمية الراهنة – محل اهتمام القوى الاقليمية وحشرها في صراع المحاور. فالسعودية التي طالما ضخت الأموال لإغراء الزعامات القبلية فيها، ودفعت بآلاف الدعاة للتأثير على أيدلوجية أهلها فشلت خطتها، ووجدت نفسها أمام عدو يحاربها وتحاربه على الأرض، ما اضطرت لأخلاء سكان شريطها الحدودي ونقلهم إلى عمق البلاد، ومن ثم وضع الاسلاك الشائكة وتحويل الحدود إلى منطقة شبه عسكرية تحسبا لأي طارئ.

وإيران التي طالما حلمة بوضع شوكة في خاصر المملكة لاحت لها الفرصة بكل المعايير فدخلت بكل ثقلها على الخط، ولم تخف تدخلها الذي ترى أنه لايزال في المساحة المسموح بها.
هذا فضلا عن أن شعار جماعة الحوثي المنادي بموت أمريكا وإسرائيل يعلن بشكل واضح وصريح أنهم يحشرون أنفسهم في الصراعات الدولية والإقليمة دون هوادة.

المعالجات والحلول
ولكي نعبر بالمحافظة إلى غد مشرق ينعم فيه أبناؤنا وأحفادنا ويتخلصوا من تبعات الماضي، ويتخلصوا من أثقاله، ويعيشوا حياة آمنة مستقرة بعيدة عن وجع الصراعات، وهموم الثارات، لابد من حوار بناء يخطو الجميع فيه خطوات جادة، ويتخذوا قرارات شجاعة يتنازل فيه بعضهم لبعض إكراما وإحساناً، ويدركون أن قدرهم أن يعيشوا جميعاً في بلادهم إما في ظل الخوف والترقب والقطيعة، وإما في ظل الأمن والطمأنينة والوصال.. فها هم أولاء قد جربوا الحروب والصدام، فما جنوا منها غير الموت والدمار، ومتاعب التشرد وهجر الأوطان.

لذلك أقدر أن من الأولويات لحل المشكلة، أن ينطلق الجميع من الرغبة في التوافق والوصول إلى نتيجة إيجابية، لأن إرادة المصالحة إذا انطلقت من موقع صدق المشاعر، فإنها تحضا بالتوفيق والتسديد، وقد أخبر القرآن بأن المتخاصمين {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء : 35]، لأن إرادة الوصول إلى توافق تقود إلى اختيار الوسائل والأساليب التي تساعد على تحقيق المراد، أما إذا لم تتوفر إرادة التوافق، فإن كل طرف ينطلق من حالة نفسية معقّدة تتحكم فيه، فتمنعه من التحرك في الاتجاه السليم، فلا يبدي أيّ استعداد يوحي بالجديّة في الموقف، والصدق في العزيمة.

وتوفُر الإرادة الإيجابية لدى طرفي النزاع شرط في حصول التفاهم والتقارب والمصالحة، أما إذا توفرت الإرادة لدى طرف دون الآخر، فإنها لا تحقق التوافق وإن كانت تخفف الغلواء وتمنع التصادم.
وهذه جملة مقترحات أرى أنها ستسهم في إصلاح آثار الماضي، وتمكن من العبور إلى مستقبل مشرق:
معالجة آثار الماضي

لا سيما الحروب الأخيرة وما خلفت من مآس وتفكك، نرى أنه: لابد من تطبيع الأوضاع وتجاوز آثار وآلام الماضي؛ بمنظومة من الإجراءات العادلة والمنصفة للجميع، والتي ينبغي أن تنفذها عدالة تنقل المجتمع إلى آفاق مستقبل مشرق، مفعم بالتسامح والتعاون، مصمم على حماية الوطن إنسانا وأرضا وفكراً، لديه من الضمانات ما يطمئنه من الانزلاق إلى مستنقع الفتن، ومتاهات الخصومة، وآلام الحروب، من تلك الإجراءات.

1. إعلان صلح عام تعتذر فيه أطراف الصراع لضحاياها ثم تتسامح مع بعضها، وتغلق ملفات الحروب السابقة بكل تفاصيلها وتبعاتها، ويُلزم كل طرف اتباعه ويحثهم عليه ويؤكد رفع الغطاء عن أي مخالف، والتأكيد على أن استعمال السلاح وممارسة العنف والتحريض إنما يفاقم المشكلة ويوسع دائرتها حتى يتضرر منها الجميع.
2. إطلاق سراح المعتقلين على ذمة الاحداث عند كافة الاطراف، والكشف عن مصير المختطفين والمفقودون، وحظر المعتقلات والسجون الغير رسمية، واسقاط جميع التهم السياسية الموجهة من كافة الأطراف. وتعويض المعتقلين المتضررين ماديا ونفسيا، بسبب اعتقالهم، نتيجة التعذيب أو مجرد الاحتجاز .
3. تعويض المتضررين – من أي طرف كانوا – بفقد أقاربهم، وضياع أموالهم، ودمار ممتلكاتهم، وسائر الاضرار، مثل استثمار أموالهم من قبل الغير والتصرف في غلاتها، كل ذلك في ظل قانون العدالة الانتقالية، وإعطاء الأولوية في الرعاية للمعاقين من جراء الحروب وإعادة تأهيلهم بما يمكنهم من حياة كريمة.
4. رفع المظاهر المسلحة من المدن والقرى والطرقات، وحل مشكلة السلاح والجماعات المسلحة، وتجريم كل سلاح مليشيوي والتعهد بعدم تشكيل أي عصابة تحت أي مسمى وضد أي طرف.
5. بسط سيطرة الدولة على كافة أرجاء مناطق التوتر كشرعية وحيدة لتسيير شؤون المجتمع بجميع أطيافه في ظل الدستور والقانون.
6. حماية الأمن الوطني وسيادة البلد من التدخلات الخارجية، واتخاذ المواقف المسؤولة للحيلولة دون استهداف المواطنين مهما كانت التهم الموجهة إليهم، والاكتفاء بدور مؤسسات الدولة القضائية والأمنية، على أن يسهل الجميع مهامها.
7. تمكين النازحين من العودة آمنين مطمئنين، دون قيد أو شرط، وارجاع ما أخذ أو نهب منهم، وتعويضهم فيما أتلف.
8. إعادة الموظفين المبعدين قسراً أو خوفاً، إلى أعمالهم، وكذلك من تم نقلهم تعسفياً إلى محافظات أخرى إذا أرادوا ذلك، وتعويضهم عما لحق بهم من ضرر وصرف كافة مستحقاتهم المتوقفة، وتأمينهم بعد العودة وتركهم يمارسون أعمالهم بحرية.
9. بطلان جميع التشريعات والأحكام والاجراءات والتعهدات التي فرضت على الناس، خارج الدستور والقانون، وأثناء غياب الدولة، واعتبار آثارها منعدمة، والكف فوراً عن إلزام الناس بالعمل بها، سواء كانت ذات بعد ديني أو ثقافي أو اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.

معالجة الشأن السياسي والاقتصادي:
1. الدخول فيما دخل فيه اليمن من إقامة دولة مدنية يشارك في بنائها وتسيير شأنها من يختارهم الشعب بإرادة حرة ونزيهة، على أساس أنهم قادرون على الابحار بسفينة الوطن إلى شاطئ الأمان، والارتقاء بها إلى السعادة والعيش الكريم، دون تمييز جنس أو قبيلة أو عرق أو جهة أو مذهب أو حزب أو جماعة. فمن يقدم للمجتمع ما يتطلع إليه من تقدم، وينهض به على المستوى التعليمي والأمني والصحي والاقتصادي؛ فهو ومن يسهم في ذلك زعماء الامة وقادة المجتمع، مهما كان انتماؤهم القبلي والمذهبي والعرقي، فخير الناس انفعهم للناس، وقيمة كل امرئ ما يحسنه.

2. إقرار نظام حكم يرسخ مبدأ الديمقراطية، ويمكن الناس من أوسع مشاركة في تشريع القوانين، وإدارة شأن البلاد، مثل الحكم المحلي كامل الصلاحيات أو ما يضاهيه، والانتخاب بالقائمة النسبية للدوائر الكبرى، وترك اختيار رؤساء المحليات والمؤسسات للجمهور المعني بها، على مستوى المدن والقرى، وتفعيل دور النقابات وتطوير عملها.
3. الاعتراف بحق جميع الافراد والتيارات والاحزاب في المشاركة في الحياة السياسة، والتجمعات الوطنية، بمختلف أشكالها وعلى جميع المستويات، وضمان مالها من حرية في التعبير عن آرائها من خلال وسائل الاعلام المختلفة وبشتى سبل التعبير كالتجمع والمظاهرات والاعتصامات والاضرابات ونحوها.
4. ضمان حق جميع التيارات والأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية، وانشطتهم الفكرية والتعبير عنها بمختلف الوسائل بحرية تامة، ودون أي منع أو تخويف أو تضييق، أو استهداف للوجود مباشرا كان أو غير مباشر.
5. إعطاء فرصة كافية قبل أي انتخابات لجميع القوى السياسية أفرادا وجماعات، في النزول الحر إلى مختلف أرجاء المحافظة والتعبير عن قناعاتهم وتقديم برامجهم بالطريقة التي يرونها مناسبة.
6. إتاحة الفرصة لوسائل الإعلام بتغطية ونشر كل ما يجري على الأرض دون مضايقة أو تهديد أو مصادرة، والكف عن اتهام وملاحقة وتخويف وتخوين من له اعتراض على أي شخصية أو حزب أو جماعة، والاكتفاء بأحكام القانون عند أي مخالفة.
7. يحضر على الجماعات والتيارات مهما كانت صفتها التدخل في شؤون الإدارات والمؤسسات الحكومية والتأثير على عملها بالترغيب والترهيب، ويكتفي المتضرر والمعترض بالرفع إلى الجهات المعنية لمحاسبتها عند التقصير في مهامها أو الاخلال بواجبها.
8. إيقاف حملات التحريض والتعبئة سواء منها ما يصدر عن وسائل الاعلام أو منابر الخطاب الديني والتربوي وغيرها، والتزام جميع الأطراف بالخطاب المسؤول الذي يخفف التوترات، ويطمئن الجميع، سواء كان دينيا أو سياسياً أو غيرهما.
9. تكفل الدولة انفتاح التعليم في مختلف مراحله على جميع المذاهب، ليشكل مرجعية فكرية وثقافية تحترم التنوع والتعددية، وتساعد على التعايش السلمي بين أفراد المجتمع، وتلغي أشكال التمييز العرقي والمذهبي والسياسي.
10. تأمين الطرقات وفتح المنافذ الحدودية وتشجيع الاستثمار ودعم القطاع الزراعي لما لجميع ذلك من أثر في إنعاش الحياة الاقتصادية والحد من البطالة والقضاء على حالة الفراغ السلبي.

* ورقة مقدمة في حلقة نقاش لمجلس شباب الثورة السلمية، عن قضية صعدة