مابعد الانفصال.. نظرة عن قرب (2)‏

تمهيد:‏
‏ هذه الحلقات هى مجرد محاولة استشرافية لمسار الأحداث المتوقع في بلادنا في المستقبل ‏المنظور انطلاقا من مجموعة من المؤشرات والدلائل والشواهد التاريخية، ورغم تعدد ‏الاحتمالات والفرضيات في هذا المسار، الا أنني تعمدت سلوك مسار الأحداث الذي يلبي رغبة ‏قوى الحراك حتى أن كان فيه قفزاً على الواقع في أحيان كثيرة، وذلك لمحاولة معرفة إلى أين ‏سيصل بنا ذلك في نهاية المطاف هل إلى الاستقرار أم إلى الحرب الاهلية؟.‏

لا تزال غالبية قيادات الحراك على موقفها الرافض لمؤتمر الحوار الوطني ومخرجاته ‏المتوقعة لحل القضية الجنوبية، والتمسك عوضاً عن ذلك بمطلب إجراء مفاوضات ندية بين ‏الشمال والجنوب خارج اليمن، هذا الإصرار يوحي بمراهنة غالبية قوى الحراك على فشل ‏مخرجات المؤتمر في إنهاء الأزمة في الجنوب، والاقتناع أن صنعاء لن يكون أمامها في نهاية ‏المطاف من خيار سوى الذهاب لمفاوضات ثنائية خارج اليمن، والتي ستكون بوابة العبور ‏الآمن لانفصال الجنوب عن الشمال حسب ما يعتقده الحراك .‏

‏- رغم الامآل العريضة لغالبية اليمنيين بنجاح مؤتمر الحوار، الا أن احتمال فشله يظل قائماً ‏ولايمكن تجاهله، وفي هذه الحالة سيكون النظام أمام خيارين رئيسيين للتعامل مع الوضع في ‏الجنوب هما :‏

الاول : اللجوء إلى القوة واستخدام القبضة الحديدية في وجه القوى المتشددة في الحراك وكل ‏الجماعات الساعية لنشر الفوضى وإقلاق السكينة العامة في الجنوب وبما يمكنه من إحكام ‏سيطرته الأمنية على الوضع، ويساعده في الوقت ذاته على مواصلة الإجراءات والمعالجات ‏التي بدأها النظام لاستعادة الجنوب وضعه الطبيعي كشريك حقيقي في وحدة 22مايو .‏

‏ – الخيار الثاني: الذهاب مستقبلاً إلى مفاوضات ندية خارج اليمن، فالنظام في صنعاء سيجد ‏نفسه مضطرا لبحث هذا الخيار وقبوله في حال مارست قوى إقليمية ودولية ضغوطاً عليه ‏تحت وقع التصعيد الميداني المتوقع للحراك في الجنوب، ونظراً لتمترس غالبية قيادات الحراك ‏وراء هذا الموقف، ربما يكون من المفيد التعاطي بمرونة مع ذلك الموقف و البحث في مدى ‏صوابية رؤية الحراك للمفاوضات الثنائية وفرص نجاحها ومدى قدرتها في إخراج اليمن من ‏أزماته المختلفة وضمان استقرار الشمال والجنوب حتى أن كان ذلك على حساب وحدته الغالية ‏‏.‏

صورة تقريبية للمفاوضات الثنائية خارج اليمن :‏
‏-نظرا لعدم طرح الحراك تصور واضح للمفاوضات الندية التي يلح في المطالبة بها، مكتفياً ‏بالقول أنها مفاوضات ندية هدفها فك الارتباط عن الشمال ومرجعيتها قراري مجلس الامن ‏الدولي رقمي (924و931)ويتجنب الخوض في التفاصيل الأخرى، لذا سأحاول وضع صورة ‏تقريبية لتلك المفاوضات وعناوينها الرئيسية المتوقعة خاصة مايتعلق بوفدي الشمال والجنوب ‏والإطار العام أو مرجعية المفاوضات و القضايا التي سيتم التفاوض عليها ومدتها وابرز ‏القضايا الخلافية المتوقعة وفرص نجاح المفاوضات من عدمه وغيرها من النقاط التي ‏سنستعرضها بالشكل التالي :‏

إشكاليات:في طريق الذهاب إلى المفاوضات الثنائية من المتوقع أن يواجه الوسطاء ‏الإقليميين والدوليين ثلاث إشكاليات رئيسية قبل النجاح في إطلاق المفاوضات وهى :‏

‏1-إشكالية مكان عقد المفاوضات :‏
أسباب عديدة تجعل من السعودية أو الامارات بدرجة تالية المكان المتوقع لاستضافة ‏المفاوضات الثنائية بين الشمال والجنوب، الا أن ذلك قد يعيقه رفض كل من التيار الموالي ‏لإيران في الحراك بزعامة البيض وجماعة الحوثي حضور المفاوضات في السعودية أو ‏الامارات لعلاقة الدولتين المتوترة مع إيران، وبصورة مقاربة قد يرفض حزب الاصلاح أيضا ‏الذهاب إلى السعودية أو الامارات جراء توتر علاقته مع الدولتين في الفترة الاخيرة بسبب ‏إحداث مصر وموقف البلدين المناهض لجماعة الاخوان المسلمين عموماً، وفي المقابل ستحول ‏الرياض وابوظبي دون استضافة قطر للمفاوضات لان ذلك سيمكن الدوحة من تعزيز نفوذها ‏وتدخلها في اليمن وقد يحولها إلى اللاعب الخليجي والعربي الأول في اليمن بشماله وجنوبه ‏وهو أمر لايمكن قبول الدولتين به .‏

‏-في هذه الحالة سيكون مقر الجامعة العربية في القاهر هو البديل المرجح لاستضافة ‏المفاوضات الثنائية، لكن توتر علاقة الإخوان مع النظام المصري الحالي، إضافة إلى تراجع ‏القاهرة عن سياسة الانفتاح وتحسين العلاقات مع طهران بعد عزل الرئيس مرسي، يرجح ‏رفض الاصلاح وبدرجة أقل تيار البيض والحوثيين استضافة القاهرة للمفاوضات الثنائية .‏
‏-في هذه الحالةا قد تكون لندن المكان البديل والمناسب لعقد المفاوضات الثنائية، كونها الدولة ‏الغربية المسئولة عن ملف اليمن، ولان المرجح عدم تحمس السعودية لعقد مفاوضات مصيرية ‏كهذه خارج أراضيها لما تمثله اليمن من أهمية خاصة لها بسبب ارتباطها الوثيق بأمنها ‏القومي ومصالحها الإستراتيجية، ولانها تدرك أن انعقاد المفاوضات خارج أراضيها يحد كثيرا ‏من قدرتها في التحكم في مسار ونتائج المفاوضات، لذا فان الرياض قد تعمل على إعاقة ‏إجرائها من الاساس أو على الاقل استخدام نفوذها وعملائها داخل وفدي الشمال والجنوب ‏لإجهاض المفاوضات وهى في مراحلها الأولى .‏

‏2-إشكالية هدف ومرجعية المفاوضات :‏
ثاني الإشكاليات المتوقع أن يواجهها الوسطاء الإقليميين والدوليين في جهودهم لاطلاق ‏المفاوضات الثنائية تتمثل في صعوبة الاتفاق على الأسس القانونية والمرجعية العامة ‏للمفاوضات، فلاشك أن الشمال سيرفض الذهاب إلى مفاوضات خارج اليمن هدفها الانفصال ‏أوالقبول بمطالب الحراك بأن يكون قراري مجلس الامن الدولي (924و931)المرجعية ‏القانونية لها، فمهما كانت الضغوط الخارجية على الشمال لن تجد فيه من يقبل الذهاب إلى ‏مفاوضات هدفها الرئيسي إقرار الانفصال وإضفاء الشرعية عليه، وسيجد الوسطاء الإقليميين ‏والدوليين صعوبة بالغة في إقناع قواه الرئيسية القبول بذلك، ولن يذهب الشمال إلى المفاوضات ‏الا اذا كانت بلا شروط مسبقة أو سقف محدد، وتكون مرجعيتها المعاهدات الدولية و والوثائق ‏التاريخية وجميع القرارات الدولية ذات الصلة بالشأن اليمني .‏

‏-موقف قانوني ضعيف ومبررات غير مقنعة :‏
‏-في هذه الحالة أعتقد أن الحراك سيتردد كثيرا قبل قبوله المشاركة في المفاوضات الثنائية ‏بالمرجعية التي يطالب بها الشمال، خشية من أن تؤدي في الأخير إلى نتائج لا تلبي الحد ‏الأدنى من مطالبه، وذلك لإدراكه ضعف موقفه القانوني في مواجهة دعاة الوحدة اليمنية ‏والمتمسكين بها، فالحراك يستند في مطالبه بالانفصال إلى القرارين الدوليين ‏‏(924و931)الذان صدرا خلال حرب صيف 94م (التي تعامل معها المجتمع الدولي حينها ‏على أنها حرب أهلية وليست حرب بين دولتين )والسبب في استناد الحراك إلى القرارين راجع ‏ إلى دعوتهما للحوار مع العلم أن القرارين لا ينصا صراحة بأن تكون المفاوضات ندية بين ‏شمال وجنوب وانما يدعوان جميع الأطراف إلى الجلوس على طاولة الحوار.‏

‏-وفي المقابل سيستند الشمال في موقفه الرافض للانفصال إلى اتفاقية الوحدة و إلى قراري ‏مجلس الامن رقمي (2014و2051)إضافة إلى عدد من البيانات الصادرة عن مجلس الامن ‏ذات الصلة، وكذا إلى المبادرة الخليجية وجميع الوثائق التي تؤكد على الوحدة اليمنية ودعم ‏المجتمع الدولي لها .‏

‏-هناك الكثير من المبررات التي يقدمها الحراك في خطابه للمطالبة بالانفصال ونجدها في ‏تصريحات قياداته العديدة لوسائل الاعلام وفي البيانات الصادرة عنه ومن المرجح أن يلجأ إلى ‏ترديدها خلال المفاوضات الثنائية وكأنها أدلة ومصوغات قانونية، الا انه لايمكن اعتمادها ‏كأدلة ووثائق قانونية في المفاوضات ومن تلك المبررات التالي :‏
‏1- القول أن الشعب في الجنوب لم يؤخذ رأيه ويستفتى على الوحدة، وكان قرار انفرادي ‏اتخذه البيض عند توقيعه على اتفاقية الوحدة، وهذا أمر مردود عليه، لان الجميع يدرك أن ذلك ‏كان تحصيل حاصل في ذلك الوقت على الاقل، لان الشعب وبالذات في الجنوب كان متحمساً ‏ومتلهفا للوحدة وهذا باعتراف قيادات الحراك نفسها كما جاء مثلا في حوار لعلي ناصر محمد ‏العام الماضي مع صحيفة 26سبتمبر، عندما ذكر أن 95%من أبناء الجنوب كانوا يؤيدون ‏الوحدة، إضافة إلى أن الاستفتاء على الدستور والانتخابات التي جرت في البلاد بعد ذلك عبرت ‏بوضوح عن المزاج الشعبي المؤيد للوحدة .‏

‏-تحت المبرر السابق ينطلق قادة الحراك في مطالبهم الحالية بالعودة إلى أبناء الجنوب ‏لمعرفة ما يريدونه عبر منحهم حق تقرير المصير، لكن في الواقع يعتبر هذا المطلب غير ‏قانوني، لان القانون الدولي لايقر منح حق تقرير المصير الا في حالات محددة وواضحة ‏‏(نشوب نزاع على خلفية تباين عرقي أو اثني أو لغوي) وجميع هذه الحالات غير موجودة في ‏بلادنا.‏

‏2-المبرر الثاني يأتي على لسان البيض وتياره بتأكيدهم المتواصل ان مايطالبون به ليس ‏انفصال وإنما فك ارتباط عن الشمال، لكن الحقيقة تقول ان البيض أصلا وقع على وحدة ‏اندماجية وليس اتحادية، ومن ثم لايمكن أن نطلق على مايطالب به فك ارتباط وإنما انفصال ‏هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ليس هناك في دستور الوحدة المستفتى عليه مايمنحه الحق في ‏المطالبة بذلك .‏

‏3- القول أن الجنوب كان دولة عضو في الامم المتحدة، ومعترف بها من قبل معظم دول ‏العالم، وهذا أمر صحيح ولا يمكن انكاره، لكنه عديم الجدوى، ولن يكون ذا تأثير يذكر خلال ‏المفاوضات الثنائية، لان دولة الوحدة عضو في الامم المتحدة ومعترف بها من جميع دول ‏العالم باستثناء الكيان الصهيوني، واذا كان الجنوب عضو سابق في الامم المتحدة فأن ‏الجمهورية اليمنية عضو حالي في المنظمة الدولية وشتان بين الوضعين، كما أن عمر دولة ‏الوحدة يساوي عمر دولة الجنوب تقريباً، وسيتفوق عليها عما قريب .‏
‏4-يتمثل رابع مبررات الحراك في وصفه حرب صيف 94م بأنها حرب الشمال عندما غزى ‏الجنوب، وهذا أمر فيه العديد من المغالطات، فحرب 94م لم تكن بين شمال وجنوب وانما ‏كانت بين نظام اصطف خلفه غالبية اليمنيين من أبناء الشمال والجنوب وبين مجموعة ‏انفصالية من قيادات الحزب الاشتراكي وبضعة آلاف من أنصارهم، وهذا أمر معروف للجميع ‏حتى مع محاولات الحراك تسليط الضوء على جزء من الصورة وتجاهل بقية الأجزاء رغم ‏أهميتها، فالقيادات الرئيسية في تلك الحرب كانت من أبناء الجنوب كالرئيس هادي واحمد ‏الحسني والشهيد سالم قطن وعليوة وغيرهم كثيرون، وكان إلى جانبهم الآلاف من أبناء ‏الجنوب ممن قاتل في صف الوحدة، إضافة إلى أنه في الجانب الآخر رفضت كثير من الألوية ‏العسكرية في الجنوب المشاركة في الحرب في تأييد ضمني للوحدة .‏

‏- رغم محاولات الكثيرين في الحراك القفز فوق تلك الحقائق المتعلقة بحرب 94م، الا أن ‏أكثر النقاط إنكارا من قبلهم تتمثل في أن حرب 94م كانت في أحد أبعادها امتدادا غير مباشر ‏لأحداث 86م وجولة من جولات الصراع بين ما عرف بتياري الطغمًة والزمرة، وأعتقد جازماً ‏أن إنكار ذلك غير مجدٍ لان الاعتراف بهذه الحقيقة هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع المستمر ‏بين الطرفين، وتفادي وقوع جولات جديدة من الصراع بينهما.‏

‏- فالصراع بين الزمرة والطغمة أخذ صور وإشكال متعددة خلال السنوات الماضية لكن ‏السبب والمنطلق كان واحد، طبعاً سيكون هناك إنكار شديد لهذا الطرح من قبل الكثيرين، لكن ‏من يستطيع تفسير سبب الاتهام الشائع والمتكرر في لحج والضالع وحضرموت للرئيس هادي ‏بالانحياز لأبناء أبين وشبوة وتعيينهم في المناصب الحيوية خاصة في الجيش والأمن أذا لم ‏يكن امتداد لذلك الصراع، كما أنها السبب الحقيقي الكامن وراء اعتراض الحزب الاشتراكي ‏في بيان صادر عنه في ابريل الماضي على قرارات الرئيس هادي.‏

‏ – لمن ينكر هذه الحقيقة عليهم أن يفسروا أيضا السبب وراء كون الضالع اقل محافظات ‏الجمهورية ومحافظات الجنوب على وجه الدقة تصويتاً للرئيس هادي عند انتخابه في فبراير ‏‏2012م، و هل يستطيع أحد أن يفسر سبب تراجع احمد الحسني المفاجئ عن مواصلة المهمة ‏التي كلفه بها البيض لمواجهة تحركات محمد علي احمد؟والغموض المحيط بقرار مغادرته اليمن ‏مرة أخرى بعد الضجيج الذي أحدثته عودته إلى البلاد وتحركاته الميدانية .‏

‏-أنا هنا لا أسعى لإثارة الفتنة ونبش الماضي لان استمرار الصراع بين الطرفين لاينحصر ‏تداعياته السلبية على ابين وشبوة ولحج والضالع وانما يلقي بضلاله على اليمن ‏بأكمله، طبعاًهناك أزمات أخرى مشابهة يتم إنكارها كالصراع الصامت بين صنعاء وتعز على ‏القيادة، وحلم الائمة في استعادة الحكم ومساعي الاخوان في السيطرة وحلم الحضارمة في كيان ‏مستقل بهم و..، وأجزم أن اليمن لن تتعافى من أزماتها المعقدة ويتمكن اليمنيون من مغادرة ‏واقعهم البائس، الا أذا كانت هناك وقفة جادة لمواجهة تلك الحقائق والتعامل معها بشفافية عند ‏طرحها، والبحث في مسبباتها وجذورها وكيفية معالجتها، والأكيد أن معالجة واستيعاب ‏إفرازات وتداعيات تلك الأزمات لن يكون الا في إطار دولة يمنية مدنية حديثة يتساوى فيها ‏جميع مواطنيها أمام القانون، ويتمتعون بكافة الحقوق والحريات .‏

‏5-خامس مبررات الحراك يتمثل في القول أن حرب 94م أنهت وحدة 22مايو، كمبرر يقدمه ‏الحراك بهدف إقناع المجتمع الدولي بالانفصال، أعتقد أن فرص النجاح في ذلك ضئيلة جداً ‏خاصة مع استحالة إقناع الأمريكيين بهذا الطرح على اعتبار أن وحدة الولايات المتحدة لم ‏تثبت دعائمها الا بحرب استمرت خمس سنوات قادها الرئيس ابرهام لنكولن ضد الولايات ‏الجنوبية المطالبة بالانفصال، ولهذا السبب يعتبر لنكولن من أهم الزعماء في تاريخ أمريكا ‏ويحظى بمكانة خاصة لدى غالبية الأمريكيين .‏

‏6-مبرر آخر يسوقه الحراك للمطالبة بالانفصال وذلك بنفيه يمنية أبناء الجنوب، واعتبارهم ‏جنوب عربي، وهذه في اعتقادي من أكثر المبررات غباءً لتبرير الانفصال، ولا اعرف كيف ‏دار بخلد هؤلاء الاعتقاد بقدرتهم على إقناع المواطنين في الجنوب بأنهم ليسو يمنيين، وان ‏التاريخ والجغرافيا وعلاقات القربى والنسب والعادات والتقاليد المشتركة كلها مجرد أكاذيب ‏ووهم ليس أكثر، مع العلم ان هذا المبرر لم يقنع غالبية أنصار الحراك المنقسمين بين مؤيد ‏للجنوب العربي وبين رافض له ويطالب بالعودة إلى الدولة الشطرية.‏

‏-وهنا يتجاهل الحراكيون حقيقة ان العوامل المشتركة ومستوى التقارب والاندماج بين ‏المواطنيين في محافظات شمالية مع إخوانهم في محافظات جنوبية يفوق بمراحل ماهو موجود ‏بين محافظات شمالية شمالية أو جنوبية جنوبية، بمعنى ان العوامل المشتركة ومستوى ‏التقارب والاندماج بين المواطنين في عدن وتعز مثلا يفوق بمراحل المستوى الموجود بين ‏المواطنين في عدن وشبوة، وبالمثل نجد ذلك ايضا بين المواطنين في ابين والبيضاء، وبين اب ‏والضالع، ومارب وشبوة وهكذا .‏

‏-كما أن الجميع يدرك أن الاستعمار هدف من تسمية الجنوب العربي تحقيق الاستقرار في ‏مستعمرة عدن وإيقاف النزعات الاستقلالية لدى بعض السلطنات والمشيخات وضمان السيطرة ‏على الوضع فيها، إضافة إلى محاولة إيجاد هوية بديلة للهوية اليمنية في المناطق الجنوبية، والحيلولة دون توحد اليمن عند رحيل المستعمر عن الجنوب، ومقاومة المد القومي في ذلك ‏الوقت خاصة مع انضمام الشمال إلى الجمهورية العربية المتحدة .‏

‏-في تصريحات ومواقف سابقة لقيادات في الحراك يؤكدون من خلالها دون قصد زيف ‏المبررات التي يقدمونها للمطالبة بالانفصال، كما نجده مثلاً في حديث البيض لقناة سكاي نيوز ‏عربية في الـ20 من اكتوبر المنصرم عن إمكانية التوحد مع صنعاء في الأجيال القادمة وليس ‏في الوقت الراهن، وهذا الطرح ليس بجديد وسبق طرحه من قبل البيض في أوقات سابقة لعل ‏أقدمها كان في بيان إعلان الانفصال في 21/5/1994م .‏

‏- بهذا الطرح يؤكد البيض على يمنية أبناء الجنوب ويدحض هوية الجنوب العربي دون أن ‏يدرك ذلك، والا ما الداعي لحديثه عن إمكانية توحد اليمن مستقبلاً، كما أن هذا الطرح يؤكد ‏أيضا على حقيقة أن المشكلة ليست في الوحدة بحد ذاتها وإنما في القائمين عليها، وأن التخلص ‏من الواقع المزري الذي نعيشه اليوم لا يكون باستهداف الوحدة والرجوع عنها، وإنما بالتخلص ‏من مكامن الخلل الحقيقية، لان المعالجة الخاطئة قد تؤدي إلى نتائج كارثية ووضع أكثر ‏مأساوية من وضعنا الحالي .‏

‏7-زعم قيادات الحراك ضمن محاولتهم التأثير على الموقف الإقليمي والدولي الداعم للوحدة ‏ان قيام الدولة الشطرية في الجنوب، يضمن امن واستقرار المنطقة وسلامة الملاحة الدولية، وهذا أمر مردود عليه، وسنتناوله بالتفصيل في حلقة أخرى، كما سأترك الحديث عن الاشكالية ‏الثالثة المتعلقة بتشكيل وفدي الشمال والجنوب في المفاوضات ومعايير الاختيار ونسب تمثيل ‏القوى والمكونات المختلفة في الوفدين وابرز القضايا الخلافية إلى الحلقة الثالثة . يتبع

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية