غرور القوة الإيراني إذ يبلغ ذروته

غرور القوة الإيراني إذ يبلغ ذروته

من الصعب إحصاء التصريحات المتوالية التي سمعناها خلال الأسابيع الأخيرة من القادة الإيرانيين من تلك التي تعكس مستوىً متقدما من غرور القوة المشوب بالغطرسة، فهي تكاد تتكرر بشكل يومي على نحو لا يمكن للمراقب أن يتجاوزه بسهولة.

ولعل تصريحات الجنرال رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري، والمستشار العسكري للمرشد خامنئي، هي الأبرز بين تلك التي نتحدث عنها، حيث أثارت ردود فعل لبنانية صاخبة، وذلك حين قال، إن نفوذ إيران قد تجاوز العراق وسوريا ليبلغ جنوب لبنان والبحر المتوسط.

لكن الضجة التي أثارتها لم تغير في النبرة التي تعكسها تصريحات المسؤولين الإيرانيين، مع العلم أن كل ما أثير من ضجة في لبنان، واهتمام صحفي بها (أعني تصريحات صفوي) لم تدفع أي مسؤول إيراني آخر إلى إبداء أي اعتذار؛ ما يعكس حالة من الغطرسة غير المسبوقة على الإطلاق.

منذ ظهور ملامح الانتخابات نتائج الانتخابات العراقية بتفوق المالكي، توالت أيضا التصريحات التي تتعامل مع العراق بوصفه أقرب إلى محمية إيرانية، ولا تسأل قبل ذلك عن تلك التصريحات التي تعكس روح الانتصار في سوريا، لاسيما بعد دخول حمص، وإن تراجعت بعض الشيء في ظل حالة المراوحة التي تعيشها الساحة السورية بعد تقدم للثوار في أكثر من مكان، وصمودهم في المناطق التي دخلوها في ريف اللاذقية، ثم عادت إلى الغطرسة من جديد بعد انتخابات بشار الأسد المثيرة للسخرية.

علي أكبر صالحي، المفاوض النووي السابق، كان له رأي أكثر حدة قبل أيام أيضا، حين قال “نفوذ إيران على المستوى الدولي وصل حد اعتراف الأعداء بأن إيران هي الدولة الوحيدة التي تمتلك مفتاح الحل لقضايا الشرق الاوسط”، فيما كان مساعد وزير الخارجية الإيراني يقول في اليمن بالفم الملآن إن “أمن اليمن من أمن إيران”، في الوقت الذي يتمدد فيه الحوثيون بطريقة غير مسبوقة في مناطق عديدة وصولا إلى محاصرة العاصمة صنعاء، بل واستغلال انشغال الجيش بحرب القاعدة لإحراز مزيد من التقدم، حتى لو تم ذلك من خلال الاشتباك مع الجيش نفسه، فضلا عن القوى القبلية والإسلامية الأخرى.

ولم يكن ذلك كله بعيدا عن المرشد خامنئي الذي تحدث مرارا وتكرارا عن السياسة السكانية، والحاجة إلى مضاعفة عدد سكان إيران، بل والحديث عن إنشاء “تجمعات سكانية جديدة في الخليج الفارسي وساحل عُمان”، يقصد المناطق التي تقع تحت سيطرة إيران ولا توجد فيها تجمعات سكانية.

لا تسأل هنا عن البعد الآخر في مسار القوة غرور القوة والغطرسة، إذ لا يكاد يوم واحد يمر إلا ويخرج مسؤول عسكري إيراني متحدثا عن جديد التطور في القدرات العسكرية الإيرانية من طائرات وقوة بحرية وصاروخية، وكل ذلك بطبيعة الحال ليس تهديدا لأمريكا، بقدر ما يبدو رسائل للجيران العرب والإقليميين، لأن أسلحة إيران مهما بلغت قوتها لن تهدد أمريكا بحال، وهي لن تصل حدود القوة الأمريكية، في ذات الوقت الذي يعلم الجميع أن نوايا عمل عسكري ضد إيران ليست متوفرة في أمريكا، ولا حتى في الكيان الصهيوني في الوقت الراهن، إذ ينتظر الجميع نتائج اتفاق النووي، الذي مهما بلغ تعثر محادثاته، فإن احتمالات تحققه تبدو أكبر بكثير من فشله.

لا خلاف بطبيعة الحال على أن جزءا من رسائل غرور القوة والغطرسة لا زالت تتعلق بشكل أساس بالداخل الإيراني في الحرب الدائرة بين الإصلاحيين والمحافظين، وحيث يسعى الطرف الأخير إلى إفشال مساعي روحاني لتثبيت نفسه وتياره في المعادلة الداخلية، فيما تُستخدم في المعركة حكاية الحشد العسكري وما يسمى “الاقتصاد المقاوم”، فضلا عن قصص التمدد والاستخفاف بالآخرين في المنطقة في سياق من إثبات أن سياسات المحافظين هي التي تمنح إيران كل هذه القوة التي يمكن أن تترجم لاحقا مكاسب اقتصادية للشعب الإيراني، أي أنها مسار أفضل من مسار مغازلة الغرب الذي يتبناه الإصلاحيون.

من الصعب القول، إن ما يقوله المسؤولون الإيرانيون يتناقض تماما مع ميزان القوى في المنطقة، إذ إن بعضه كذلك بالفعل، فقد أدى انشغال عدد من الدول العربية بحرب الثورات والربيع العربي والإسلاميين إلى تراجع دورها في مواجهة النفوذ الإيراني، إلى جانب إخراج مصر من المعادلة في ظل الانقلاب، لكن ما ينبغي أن يكون واضحا -أيضا- هو أن كثرة تلك التصريحات إنما تعكس أزمة النظام الإيراني بسبب حجم النزيف الذي يعانيه في سوريا، وكذلك في العراق بسبب ارتباط الملفين، وحجم العداء ضدها وضد حلفائها في المنطقة لا يمكن إلا أن يشكل استنزافا طويلا سيدفع ثمنه المواطن الإيراني في القريب، وربما المتوسط والبعيد، فيما لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى فشل مشروع التمدد من جهة، وبالتالي مزيد من صعود الإصلاحيين الأكثر واقعية في الداخل.

لا شيء يقتل القوى الكبرى مثل غرور القوة الذي يؤدي بها إلى مغامرات أكبر من حجمها وقدراتها، مع إنفاق عسكري هائل، ومثله أيضا على تثبيت النفوذ في المناطق المعنية (أبرزه هنا كلفة الحرب الهائلة في سوريا)، ويبدو أن إيران قد دخلت في هذا المسار، لكن بينها وبين إدراك ذلك، والعودة إلى لغة الرشد والتعايش مع الجيران زمن من الصعب الجزم بمداه.

غير مصنف