قفزة السنجاب .. من الثورة للانقلاب

من فاشية سياسية ومجتمعية إلى الفاشية الاقتصادية، تنطلق عجلة الانقلاب العسكري لتأخذ مصر إلى عصر “الدولة اللصة”، ذلك أن الذي جرى مع سلسلة المتاجر المملوكة لشخصيات إخوانية ، أو أخرى أشيع أنها إخوانية، لا يمكن اعتباره نوعا من المصادرة أو التأميم ، بل ينتمي إلى نشاط القرصنة والسطو المسلح رأسا.

غير أن هذا الذي جرى يؤشر إلى مسألة أخرى تبدو أقرب للمفارقة المثيرة، إذ يبدو النظام الجديد في مصر وكأنه لا يستطيع العيش بدون الإخوان ، في ظل إفلاسه سياسيا واقتصاديا.

فعليا: الإخوان المسلمون خارج كل المعادلات السياسية القائمة الآن، فهم، كتنظيم، إما في السجون أو في القبور، أو في المنافي، لكن السلطة الانقلابية في مصر تصر على أنهم موجودون وفاعلون، بل ولا تجد غضاضة في ادعاء مصالحات معهم، كون هذه السلطة منذ انقلبت ولا تزال تقتات على فكرة أنها تحمي الداخل والخارج من “الإرهابيين” وكلما لاحت في الأفق بادرة اصطفاف ثوري على أرضية ثورة يناير، تنشط أدوات الانقلاب في “أخونتها” قسرا.

والمدهش أيضا أن قطاعا واسعا من الذين يتغذون على حليب “نقد أخطاء مرسي وجماعته” يشاطرون عسكر السلطة الإلحاح على أن الإخوان لا يزالون فاعلين ونشطين على الساحة، ففي ذلك الممر الآمن للهروب من أية استحقاقات يفرضها ادعاء الانتساب لثورة يناير.

وكما يوفر النفخ والتضخيم في ولاية الإخوان الفعلية على الحراك الموجود في الشارع، مجالا للسلطة للاستمرار في حقن الشعب عنصريا وطائفيا، فهو يوفر للقاعدين والمتقاعدين ممن ينسبون أنفسهم لكتلة يناير مهربا لطيفا من حتمية المواجهة مع دولة مبارك العسكرية في طورها الجديد، بحجة “كي لا تذهب حصيلة الجهد إلى الإخوان”.

وكما أن هناك “متنطعين في الدين” لن تعدم أن تجد “متنطعين ثوريين” لابدين كالسناجب في حقول الفرجة والسفسطة بزعم أنهم لا يريدون أن يتحولوا إلى جسر يعبر فوقه الإخوان مرة أخرى، وفي وضع كهذا يجدر بالإخوان الآن أن يعلنوا بلا تردد أنهم لا يقودون حراكا ثوريا قائما في الشارع، ولا يسعون إلى ذلك، وليتفضل السادة الخائفون على أناقتهم الثورية لكابينة القيادة، إن كانوا جادين حقا في التصدي لثورة مضادة تكشر عن أنيابها، وتعلن بلا مواربة أنها تنتمي بالكلية إلى دولة حسني مبارك .

لقد جاءت خطوة ” بيان القاهرة” مؤخرا كبارقة أمل لمن لا يزال يتذكر حلما توهج كالشهاب في 25 يناير 2011، ويستحق استنقاذه من مآلات الاندثار، وأحسب أن “أهل يناير” كثيرون، وقد وعوا الدرس جيدا وأيقنوا أن اللحظة الراهنة عادت بمصر مرة أخرى إلى حدود الرابع والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011. وفي الذاكرة القريبة أن عددا منهم قد حاول قبل الانقلاب بستة أشهر كبح اندفاع المصريين إلى محرقة نُصبِت بعناية لثورتهم، وكان الشعار في ذلك الوقت كما جاء في بيان للثوار الحقيقيين صدر في ديسمبر/ كانون الأول 2012 “نحن أحوج ما نكون إلى بناء جبهة ثورية منظمة، تكون على مستوى تضحيات الشارع؛ جبهة تجمع، بلا استقطاب زائف أو زعامة وهمية، كل القوى المؤمنة بالجماهير الثورية وحركتها؛ جبهة تحترم الديمقراطية ونتائجها حتى لو أتت على غير هواها؛ جبهة لا تسعى للاستقواء بالخارج أو بالمؤسسة العسكرية أو غيرها من مؤسسات النظام؛ جبهة تستطيع أن تفرض، بنضالها في الشوارع ومواقع العمل والميادين، خياراتها على طاولة المفاوضات وفي الانتخابات وغيرها”.

وبالطبع لم يستمع أحد لهذا الصوت، إذ كانت غالبية الأطراف قد تواعدت على المحرقة ، محرقة 30 يونيو.

غير مصنف