اليمن .. الرابح والخاسرون

يقول مثل يمني شهير “من لم يعلمه الزمن يعلمه اليمن”. ولكن، يبدو أنه يسري على غير اليمنيين، لأن اليمنيين من أكثر العرب إعادة لإنتاج تاريخهم الحديث، وحتى الحديث النبوي الشريف ” الإيمان يمان والحكمة يمانية” لم يصب من حكمته يمنيو هذا الزمان، إلا النزر اليسير، فصارت الحكمة ضالةً وضائعة، وأخلت مكانها لتواطؤاتٍ داخلية، أضاعت على البلد فرصة تاريخية، تمثلت في وحدة مايو/أيار عام 1990. يومها، قال شريك الوحدة الجنوبي، علي سالم البيض، إن مشروع الوحدة هو مقدمة لبناء “النظام اليمني الجديد”.

لم يعرف هذا المشروع طريقه الى التطبيق، لتحالف أربعة أشخاص من الطرف الشمالي، هم بالترتيب، الرئيس السابق، علي عبدالله صالح والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر واللواء علي محسن الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني. تحالفوا بينهم ضد مشروع الوحدة بمفهومه الوطني، وعملوا على تحويل اتجاهه من خلال فلسفة عودة الجزء الى الكل، ومارسوا سياسة إلحاق الجنوب بالشمال، ما قاد الى اجتياح الجنوب عسكريّاً في عام 1994.

وبذلك، انتهت الشراكة الوحدوية بين طرفين، وساد الطرف الشمالي، وتم توزيع الجنوب غنائم حرب بين الأربعة، حتى أن أهل الجنوب يتصرفون، منذ ذلك الحين، على أن الوضع القائم نوع من الاحتلال الداخلي.

حين قامت ثورة الشباب اليمني في فبراير/شباط عام 2011، اختلف علي عبدالله صالح مع علي محسن والزنداني وورثة الشيخ الأحمر، لأن هؤلاء أدركوا، منذ البداية، أن “الشعب يريد إسقاط الرئيس”، ففضلوا الابتعاد عنه وتأييد الثورة.

وبالفعل، نجحوا في ذلك، وكان لخطوتهم هذه دور كبير في إضعاف الرئيس وإسقاطه في نهاية المطاف، بموجب المبادرة الخليجية التي أعطته حق البقاء في اليمن، وكان خصومه يطمحون إلى إبعاده لأنهم يعرفون مقدار النفوذ الذي يتمتع به، خصوصاً وأنه يمتلك ثروة مالية هائلة، جمعها خلال فترة حكمه الذي بدأ عام 1978، وهو رجل استمر في الحكم، بسبب مهارته في اللعب على الحبال كافة، ولذا، يتحمل، اليوم، مسؤولية مضاعفة عن إيصال الحوثيين إلى داخل صنعاء.

هناك رابح واحد في اليمن، هو إيران التي تتحرك على الخريطة العربية، مثل لاعب شطرنج ماهر، ينقل أحجاره بطريقة تشل الخصم. وفي وسع الإيرانيين، اليوم، أن يتأكدوا أن الاستثمار في الحركة الحوثية الذي استمر عقداً حقق الهدف المرجو، فصارت طهران اللاعب الرئيسي في اليمن، واحتلت موقعاً استراتيجياً على حدود السعودية والبحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب.

الجميع خاسر في اليمن، بمن في ذلك جماعة ” أنصار الله” الحوثية التي تأسست عام 1992، حركة دعوية من طرف حسين بدر الدين الحوثي، بإشراف والده العلامة الكبير في الفقه، وترشح حسين الحوثي لمجلس النواب، وفاز عن صعدة، وحين حاول أن يتقدم بمقترحات لخدمة المنطقة، جابهته القوى التقليدية التي تعتبر اليمن مزرعة خاصة، وحين رفع نبرة صوته قتلوه، وفتحوا الطريق لعسكرة الحركة الدعوية. ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2010، خاض علي محسن الأحمر ست حروب ضد صعدة، وكانت خسارته فادحة في الحرب الأخيرة.

تعود قوة الحوثيين إلى عاملين، المظلومية، والدعم الإيراني. ولا يختلف أحد في اليمن على أن صعدة عانت معاناة رهيبة في ظل حكم علي عبدالله صالح الذي استخدم علي محسن في حروبه ضدها، وقد خاضها الأخير عن قناعة أيديولوجية، لكنه فشل، بل أعطت حروبه نتائج عكسية، وأدت إلى تقوية الحوثيين عسكريّاً، وزيادة التعاطف معهم، وهذا ما خسروه دفعة واحدة، حين دخلوا صنعاء كفاتحين.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية