الاتفاق النووي الإيراني.. ثقافياً

للاتفاق النووي بين الغرب وإيران بُعد ثقافي ظاهر، يتعلق بالتأثيرات الاجتماعية والثقافية المحتملة والمتوقعة (والمرتقبة) على المشهد الإيراني العام، ليس فقط في ما يتصل بالنخب وأهل الفنون والآداب والفكر، بل أيضا بالمجتمع نفسه، ولا سيما إذا ما مضى الانفتاح الأميركي والغربي على إيران إلى مناحٍ تتجاوز التجاري والسياسي والاقتصادي إلى ما هو ثقافي، بمعنى الاحتكاك العريض بالبضائع والمنتوجات الأميركية والغربية، السينمائية والإعلامية والفنية، عدا النمط الثقافي الوافد مع هذا كله، ملبساً ومأكلا ومسلكاً.

ومن المبكر الخوض في هذا الأمر، غير أن الترحيب الواسع من نخب ثقافية وفكرية وفنية إيرانية بالاتفاق، التاريخي حقاً، يشير إلى أشواق عريضة هناك نحو التحرر من المناوأة المقيمة في البلاد لأميركا، باعتبارها شيطاناً أكبر، والعبور إلى انفتاح على العالم، على غير صعيد وفي غير شأن، من دون التنازل عن الثوابت الوطنية العامة.

وإذ عبّرت شرائح واسعة في المجتمع الإيراني، ولا سيما الشباب، عن بهجتها بمنجز يوم الرابع عشر من يوليو/تموز الجاري، فذلك لأن الإمكانات الاقتصادية التي يتيحها الاتفاق كبيرة، وفي وسعها انتشال البلاد من مشكلات معيشية وتنموية ماثلةٍ غير هينة، فضلا عن أن إلغاء عقوبات قاسية لن يستقبله الشعب الإيراني بغير الأفراح، وبتتويج وزير الخارجية المفاوض البارز، محمد جواد ظريف، بطلا شعبياً، وهو الذي دعته المترجمة الإيرانية، ليلى كليستان، إلى النوم كثيراً، للراحة، متمنية له ليالي طيبة.

ومن أفق إنساني وأخلاقي وحضاري، نتمنى لشعب إيران الصديق أن ينعم بكل حقوقه في الحرية ومزاولتها من دون ضغط سياسي من أي سلطة سياسية أو دينية. ولا نفتئت على الجمهورية الإسلامية في الإشارة إلى حال ليس طيباً على هذا الصعيد يغالبه هذا الشعب. ويؤمل أن يأخذ الاتفاق النووي إيران إلى انعطافة مهمة نحو حقوق الإيرانيين السياسية والثقافية، مع التسليم بأن ذلك ليس باليسر المشتهى، فالتنازع الحادث بين إصلاحيين وتقليديين، وبين قوى وحساسيات اجتماعية وثقافية متنوعة في البلاد، ليس مؤكدا أنه سيحسم بالاتجاه الذي يتيح لشعب إيران كل حقوقه وحرياته. وقد بدأت أسماء وازنة في الحقل الثقافي هناك تشير إلى هذه الطموحات، ومن ذلك أن الموسيقي، كيفان ساكت، يأمل نتائج إيجابية للاتفاق على مجالات الحياة العامة في بلاده، بما فيها الفنون والثقافة.

واتصالاً بالموضوع، كانت السينما الفضاء الثقافي الأكثر حضوراً، بين إبداعات صناع الفن وأهل الأدب الإيرانيين، في العالم، حيث شوهدت أفلام متميزة وجيدة في مهرجانات دولية وعربية غير قليلة، وإذا كان قد لوحظ شيء من التسييس في الانتباه إلى هذه الأفلام، وفي تكريم بعض مخرجيها ونجومها، فذلك لا ينفي أن مستوىً بالغ الحذاقة حضر في كثير منها، تيسّرت لكاتب هذه السطور مناسبات لمشاهدة بعضها. والمأمول أن يتحقق لأهل هذه الصناعة في بلدهم الحيز اللازم من الحريات والإمكانات ليكون في وسعهم تقديم الجديد الجيد من صنيعهم.

وفي البال أن رجلا اسمه محمد خاتمي كان وزيراً للثقافة في إيران، قبل أن يصبح رئيساً، أَوْلى السينما في بلاده اهتماماً خاصاً، وكانت النتائج مهمة. وللمخرجة السينمائية الإيرانية، منيجة حكمت، كل الحق في قولها، قبل أيام، إن شعبها يريد أن يرى صورته الحقيقية في الإعلام العالمي.

يعنينا، نحن العرب، أن نعرف إيران، ثقافةً ومجتمعا وفنوناً، بعيون عربية، وبانفتاح إيجابي، ويجوز أن ننتظر انعطافة مهمة في هذا الأمر، بعد أن تستجدّ التأثيرات الثقافية، المؤكدة ربما، للاتفاق النووي على الداخل الإيراني. يعنينا أن نعرف إيران، المتخففة من النزوع الامبراطوري المقيت الذي لم يعد يستحي من استهداف أوطاننا ومجتمعاتنا. تُرى، هل يتيسر ذلك قريباً؟

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية