حين يسير العرب إلى الخلف

حين يسير العرب إلى الخلف

كنا قبل الإسلام قبائل وعشائر، لا تجمعنا جمهورية أو مملكة، ولا ينظم حياتنا قانون أو دستور، فكان الضابط لعلاقاتنا الدم والنسب، وشاء الله أن بعث فينا رسولاً يهدينا والبشرية إلى سبل العيش الكريم، فانقلبت حياتنا من التشرذم إلى الاتحاد، ومن ضيق القبيلة إلى سعة الدولة، وأقمنا حضارة أضاءت طريق العالم نحو الخير والعدل والحرية، واستمرينا كذلك حتى انسحبنا من دائرة الفعل الحضاري، واكتفينا من إسلامنا وعروبتنا بالإبقاء على أسمائنا عربية إسلامية.

ها نحن اليوم نهرول، بسرعة فائقة، نحو تكويناتنا القديمة القبلية والعشائرية، فلم تعد تصنيفات البشر عندنا مقصورة على ذكر أو أنثى. بظهور المذاهب الأربعة جاء تصنيف شافعي – مالكي – حنفي – حنبلي، وعندما تعرضنا للاستعمار الأوروبي، أضفنا تصنيفاً سياسياً قطرياً، يعتمد على حدود وهمية، أوجدها أعداؤنا، لكننا اعتبرنا الحفاظ عليها من ثوابتنا التي لا يمكن التفريط بها، وحين حولنا الإسلام إلى تركة متنازع عليها، ظهر تصنيف شيعي-سني، ودخلت السلطة والسياسة على الخط، فتكاثرت التصنيفات بتعدد الولاءات للأحزاب والحكام.

تنتاب المتابع للوضع العربي الراهن مشاعر متناقضة متداخلة، تعكس الارتباك والتعقيد الذي صار سمة بارزة للمشهد العربي القائم اليوم، فبينما العالم يعيش بأفكار القرن الواحد والعشرين وزمنه، نعيش بأفكار ماض نتكئ عليه لنأخذ أسوأ ما فيه، سلاحاً فتاكاً في معركة عجزنا عن إثبات كينونتنا، وذريعة تؤصل لإزاحة الآخر، نتصارع عليه ونغفل الحاضر، ثم نختلف في الألفاظ ونترك المضمون، نقدس الحاكم وندور حول الطائفة والمذهب ونلغي الوطن، ويقتل بعضنا بعضا، ونزعم أن ذلك لمواجهة الشيطان الأكبر: أميركا وإسرائيل، ونستهلك قدراتنا وثرواتنا في حروب وصراعات، يحارب فيها العرب العرب باسم الإسلام، إسلام يحارب إسلاماً، لا أدري بأي إسلام يحارب هؤلاء، وعن أي إسلام يدافع أولئك؟

في دول ليست عربية، تضم متباينات ومتناقضات لسانية، ودينية وإثنية، بحثت أنظمتها عن المشتركات، فأنشأت روابط جمعية، يحترمها كل قاطن فيها، وترعاها دولة ذات موقف واحد، من كل القاطنين ضمن حدودها بلا محاباة أو تمييز، فبمثل هذا الفكر تقدمت تلكم الدول، واستقرت مجتمعاتها، وأصبح التنافس على السلطة فيها أشبه بمهرجانات ترفيهية، بيد أن العرب، على الرغم مما يملكونه، من روابط مقدسة ومتينة: الدين، اللغة، الجغرافيا، التاريخ المشترك، إلا أنهم يصرّون على تمزيقها، والعودة إلى مربعاتهم البدائية، مضيفين إلى ذلك الطائفية.

ولذلك، تاهت الأمة العربية، وفقدت الإحساس بقيمتها، وصادرت وجودها، وحريتها أصبحت رخصية للاستبداد، ولن تعود إلى الحياة إلا بلفظها كل استبداد، مهما خادع أو مكر، والذي يحتاج، قبل ذلك، ثورة فكرية تعيد إلى العرب الشعور بذاتهم المفقودة.

غير مصنف