دونكيشوتات في أحسن الاحوال

محمد العلائي

من رسالة إلى صديق ولتفعيل حسابي الخامل:
بالمفهوم الثوري، إذا شئنا النظر إلى الأمور من هذا المنطلق، فنحن في اليمن كنا بصدد تركيبة معقدة من الثورات، حالة من الغليان ناتجه عن عنقود من الثورات الصغيرة المتداخلة والمنفصلة والمتعارضة، التوحيدية والتفكيكية، الماضوية والتقدمية في نفس الوقت.
فالجميع ثائر ضد الجميع، والجميع تقريبا يقول أنه ينشد الحرية والعدالة، والجميع يقول أنه جمهوري وكل منهم هو جمهوري على طريقته الخاصة وفهمه الخاص، والجميع يرى في نفسه وطنيا قحّاً وبلا منازع.
وبهذا المعنى لا فرق في الاتصاف بصفة الثورية بين أنصار نظام الرئيس صالح وحزبه وبين القوى الأخرى الصاعدة من بعده باسم الثورة والمتناحرة الآن على امتداد الأراضي اليمنية.
“الثورة” لم تعد إشارة إيجابية دائماً وفي كل ظرف وكل زمان ومكان وأيا تكن المحصلة والمصائر والمضامين والقوى الدافعة. ليست حكما قطعيا بالفضيلة والتفوق الأخلاقي والوطني والامتياز الحضاري لمجرد حدوثها. وقد أربكت ثورة الخميني الباحثين والمنظرين الاجتماعيين باعتبارها مفارقة للنماذج الثورية التقليدية والمعيارية من حيث طبيعتها الأصولية وزعامتها الدينية.
الثورة مفهوم متغير وشديد التناسخ في التاريخ، فهو يتخذ لونا جديدا ويكتسب بعدا دلاليا مختلفا واشعاعا سياسيا مختلفا في كل تجربة وكل حقل تجري فيه الثورة.
لنسأل أنفسنا: ما هي مطاعن ومآخذ ثوار فبراير ضد حكم صالح؟ وما هي القيم الوطنية المرجعية التي بموجبها حكموا بعدم شرعية نظام صالح وشيطنوه على أساسها؟
يمكن سردها ببساطة ومعاينتها ووضعها كمقياس ننظر عن طريقه إلى سلوك وسياسات وأفعال من جاؤوا بعد صالح، وحتى مآلات الفبرايريين العاديين ومواقعهم في الحرب وفي الاستقطاب الاقليمي وتدفق الأموال!
خذوا مثلا قضايا مثل الفساد، العمالة، السيادة، الجمهورية، الوحدة، الطائفية، التوريث، الارتزاق، الفوضى…الخ الخ.
لا أظنني بحاجة إلى التذكير بأنني لست مع الطغيان كمبدأ ولا كنمط لممارسة الحكم، ولا يمكن لشخص مستنير ومحترم أن يكون محبا للطغيان، لكني فقط لست مع تصنيف حكم صالح بهذه السهولة في خانة الطغيان، والتعامل مع فترة رئاسته كقطعة واحدة من أولها إلى آخرها ووسمها كلها بهذا الميسم. على الأقل هذا غير مقبول إلى أن نتفق على تعريف وتصور مشترك للطغيان.
لا أستطيع أن أوافق الاتجاه الذي يضع صالح على قدم المساواة مع صدام حسين والأسد والقذافي، دون الأخذ بالاعتبار فوارق وسمات جوهرية تميز تجربة صالح عن تلك النماذج ووفقا لهذه الفوارق بالتأكيد يختلف التقييم النهائي والكلي لها.
لا يمكن لأي طاغية أن يكون إلا على ذلك النحو الذي يكتب به بعض مُحدِثي الثورية منشوراتهم. ما هو الطغيان إن لم يكن هذا؟
يا سادة، حتى فكر الثورات ومنطقها القديم تعرّض لنقد ومراجعة وتقييم مستفيض، وحتى الثورة كمفهوم أصبحت إطار متعدد واسع الاستعمال يمتد إلى كل أشكال الحياة وجوانبها المختلفة، ثورة في التواصل والنقل والملبس ومراحيض الحمامات والبناء.
أنتم جامدين وعالقين في كتيبات وأفكار عتيقة الطراز وتقاربون شؤونكم المحلية من منظورات خاصة بعوالم ومناطق زمنية وحضارية مختلفة.
لا تزال تجد، بعد كل هذا الذي أصاب بلدنا، من يتحدث عن الثورة بتنغيم لاهوتي من زمن إرهاب الثورة الفرنسية. الفارق أنه يتبنى أسلوب التفكير والنظر ذاك لكن تنقصه المقدرة لتحويل هذا الفكر إلى مقاصل ومحاكم تفتيش للضمير.
يستخدم كلمة “ثورة” بطريقة مفخمة لها رنة وإيقاع ديني ينخلع له القلب. تماما مثل الكاهن يلقي موعظته بنبرة قاطعة وهو يعاني من تهيجات في عالمه الباطن.
هل تعرف أن كلمة “ثورة” لا تتمتع بقيمة تفسيرية عالية بخصوص ما حدث وما يحدث في اليمن منذ 2011؟
فتشوا عن منظورات وأدوات تفسير ومناهج تحليل جديدة أو على الأقل ملائمة للحصول على أجوبة تقترب من كل التعقيدات والملابسات المحيطة بالمسألة اليمنية. بأي معنى تستخدم كلمة “ثورة”؟
لا بأس لو كان الاستخدام مجرد إجراء وصفي محايد للحدث حال وقوعه، نظرا لأن الانهيارات والاضطرابات الاجتماعية والحروب الداخلية تنطوي على سمات لها سابقة في فترات من تاريخ الثورات في العالم. بهذا المعنى الواسع الخميني قائد ثورة والملا محمد عمر ثائر والحوثي ثائر والبغدادي ثائر ومحمد بديع ثائر…الخ الخ.
لكنك يا عزيزي تستخدم المفهوم كحكم أخلاقي قاطع وقيمة عليا ليست واضحة ومحسومة إلا نظريا في رأسك وفي رؤوس المتأثرين بما تكتب.
أنت تستخدم كلمة “ثورة” لكي تقسم الناس بموجبها إلى أخيار وأشرار، شرفاء وخونة. وهذا مما لا يتناسب مع حالتنا اليمنية بالطبع. إذ كيف يمكن للمرء أن يميز الثائر الحق من غير الثائر؟ أنت لك معيارك الثوري وغيرك لديه معياره الثوري! ما هو البرنامج الذي تتقيد به والمبدأ الذي تسترشد به لكي تكون ثائرا جيدا؟
من تسمِّيه “الطاغية” اشترك كجندي في ثورة 1962 وتبنى خلال فترة حكمه مبادىء وقيم حديثة هي تقريبا نفسها التي نادى بها “ثوار” 2011. وهو كتجربة حكم يمكن اعتباره، على وجه الإجمال، حالة ثورية بالقياس الى من سبقه وإلى من تلاه حتى الآن. فقد حضرت أنماط حياة جديدة وممارسات وبنى سياسية واقتصادية وعمليات انتخابية وحزبية وصحف اهلية. وهذه كلها ليست أمور أزلية وبديهية في بلد مثل اليمن بل كانت تجربة جديدة كليا. فما الذي آل إليه الحال بعد مقتل الطاغية؟
البردوني في كتابه “الثقافة والثورة في اليمن” لم ينف صفة الثورية والجمهورية حتى عن القبائل التي قاتلت مع الملكيين:
“الشعب الذي قاتل مع ثورة (26 سبتمبر) وضدها كان ثوريا بطبيعته، فلم تكن القبائل الملكية ملكية كما وصفوها ولكن كانت تريد جمهورية عادلة”.
ما كل هذا الإخلاص الجامد لمنطق مستعار فارغ وأجوف وتجريدي ولم يثمر حتى الآن إلا هذا المستنقع الذي نراه.
ما شأني كيمني بالباستيل أو كومونة باريس أو لحظة وصول لينين إلى المحطة (لا أدري أي محطة)؟
ثورة وثورة مضادة.. يا إلهي! هل الأمور في اليمن على هذا القدر من البساطة؟ هناك فسطاطين: هنا ثوار خلص وهناك ثوار مضادين للثورة. وفقط؟
والطاغية.. هو طاغية بالقياس إلى مَنْ بالضبط في تاريخنا وتجاربنا الوطنية المعاصرة ومنطقتنا الزمنية؟ وبالقياس إلى ماذا؟ هو طاغية بالقياس إليك أنت طبعا باعتبارك المثال الديمقراطي الحداثي المتفوق والوطني المطابق للمعايير! أليس كذلك؟
كل واحد من “الثوار” الجدد يحكم على الأشخاص والاشياء والوقائع من منطلق نفسه، نفسه التي لا يعرفها حق المعرفة بل يحمل عنها ظنا حسناً متسقاً ورديّاً. لا يتمثل الواقع ولا الحقيقة ولا يتمثل الشخوص في واقع الحياة بل هو مقيم في كليشهات ومقولات وأحكام منتزعة من الكتب ومستنسخة ومسروقة من مصادر معرفية وتاريخية صاخبة وبراقة. هناك متعة خاصة في تخيّل نفسه في منظر الثائر الحالم الرومانسي.
أين الحس النقدي الذي هو فضيلة المثقف؟ يدرك تناقضاته هو نفسه ويتتبعها ويراجع أحكامه واستنتاجاته.
كثيرين مسكونين بغرائز ونزعات مناطقية وإحن وضغائن مشتعلة ثم يبحثون لها في الكتب الرديئة غالبا عن مخارج ومفاهيم وأطر معرفية تكتسي من خلالها الأمراض بمظهر النبل والفضيلة الوطنية.
دونكيشوتات في أحسن الاحوال.
صن مفحة الكاتب