لا مستحيل ولا “مستحي” في اليمن

لطفي نعمان

أكثر من “ألف ليلة وليلة” حرب في وعلى اليمن ، انقضت حكاياتها عن قتلةٍ وقَتلى.. جرحى معارك وخَطل، وصرعى أوبئة وعِلل. بينت أن الكيانات السياسية اليمنية، كغيرها من الكيانات السياسية العربية، تود البقاء كياناً “لا شريك له” والكل يتبعه!
وإن لاح “شبحُ” شريكٍ له ابتلع وجوده غصباً، إلا عند تحميل هذا الـ”شريك” -سيان أن يقف في صفه شكلاً أو ضده فعلاً- كامل المسئولية عما يصيب الأبرياء من كل ذنبٍ وجرمٍ وضرر وأوبئة ومجاعة.. بينما هي كوارثٌ يتشاطر مسئوليتها كلُ المتصارعين الذين أقحموا الأبرياء في “يمنهم” تبعات تأجير ساحات “يمن كل اليمنيين” وتخلفه “من أجل الآخرين”، دون أن يجدي التأجير شيئاً للأبرياء غير.. الفناء!
إذاً.. تنقضي “ألف ليلة وليلة.. ثقيلة” من الحرب العبثية في اليمن، دون أن يتحقق بيد هذا الطرف أو ذاك أي غرض عام. كون الغرض العام ليس هماً مهماً لأي طرف.
تؤكد “ليالي الحرب الثقيلة” حقاً أن بسطاء الناس لا يطالون من وراء الحرب طائلاً يؤمِّن مستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة ويحول دون المس بمتطلبات حياتهم اليومية.
ليس يعني الأبرياء البسطاء أو يغنيهم شيء من تفاصيل السياسة بملتوياتها ودهاليزها، ألاعيبها ولاعبيها ومتلاعبيها.. وإن تحددت المسئولية على عاتق لاعب أو متلاعب، داخلي أو خارجي.
إن ما ظل يعني اليمنيين البسطاء هو أمان سربهم، ودوام عافيتهم وتوفير أقوْاتهم وتوفر “قاتهم” ليملكوا الدنيا وما فيها.
لكنهم بهبوب عواصف الحرب و.. مسبباتها.. خسروا الدنيا وكل ما فيها من مظاهر سلام.
فقدوا الأمانَ النفسي. الرواتب. أعمالهم اليومية. والصحة العامة، نتيجة طغيان محدثي الفائدة -في جانبي الحرب- على فاقدي الفائدة من سوء التحكم في مصيرهم.
عند هذه المسائل محسوسة الفقدان، تستوي السلطتان:
سلطة الأمر الضائع، وسلطة الأمر الواقع!
وفي مناخ مضطرب ومنشطر السلطات هكذا، ليس مستحيلاً أن تجد من لا يستحي من مواطنيه. يسومهم العذاب والعناء، باسم الشرعية تارةً، والدستور أثناء تارةٍ تالية.
باسم الكرامة مرةً، والوطنية في مرةٍ ثانية.
باسم الأمن القومي كَرةً، والسيادة الوطنية في كرةٍ أخرى.
ثم “بسم الله الرحمن الرحيم” يزج بالمواطنين الفقراء إلى المذبحة، مثلما يُزج بدول الأغنياء لإضرامِ نار وقودها الناس والحجارة.. المتساقطة من دورهم!
ليس مستحيلاً، إذاً، أن يتكبد الناس أوجاعهم، ويتشردوا عن منازلهم، وتتضاعف مرارتهم، وتزيد معاناتهم من غياب الحس بالمسئولية الوطنية لدى من يتبادلون إلقاء التهم ومنح صكوك الوطنية.
غير مستحيلٍ البتة، أن ينتهجوا نهجاً مؤداه الانتحار السياسي والعسكري، طالما ساد الجنون الموقف، وامتنعوا عن تحكيم العقل وترجيح أحكامه، وفضّلوا استلاب الغنائم قبل سكون المعارك.. واختاروا “فيدرالية أزقة وحارات” تطويراً لـ”فيدرالية الميليشيات” و”فيدرالية التخلي عن المسئوليات”!
غير مستحيلٍ، طالما لا يستحي كل مبددٍ لآمال الناس بحياةٍ حرة كريمة. كل من يريد تنفيذ اتفاق هو من نقضه، ويعيق سريان قرار هو من وضعه. وسيان هنا من يتطلع إلى استعادة سلطةٍ بغير قوة ذاتية، ومن يسنّ قوةً بدون سيادة قانون.
وليس مستحيلاً أن يروي –كل غير مستحٍ- الحرب سلاماً. ويرى الجياع شباعاً، ويعد الجرحى والصرعى أشياعاً!
ليس مستحيلاً أبداً أن يدعو من انكشفت عورات عقلهم لترسيخ قاعدة: “لا حياء في (السلطة)”.. مثلما لا استحالة لدى استمرار تغييرها، بل وانقلابها و.. تآمرها على نفسها.
لا مستحيل في اليمن طالما ليس ثمة مستحي!

النهار