حكاية الجنوب..!

فتحي بن لرزق

في العاصمة المصرية القاهرة التقيت قبل أشهر بالرئيس الجنوبي السابق “علي ناصر محمد” ، جلسنا بردهة شقته المطلة على النيل ونتحدث .
لطالما شغلتني فكرة كيف تعثر الجنوب ذات يوم و كيف ساقه الرفاق إلى مهالكه وتصفياته .
قلت للرئيس “ناصر” :” اخبرني كيف حٌكم الجنوب بالشعارات ذات يوم ولا شيء غيرها.
ضحك ناصر وقال أدنو مني وسأخبرك ..
قلت له:” تفضل
قال :” أدركت وآخرين ان الجنوب لايمكن ان يبنى بالشعارات وقررنا عقب 1980 ان ننفتح على العالم وان نتحول إلى واقع أكثر ايجابية ولكننا فشلنا، كانت العقول الصدئة أقوى من أي محاولة تغيير.
قضى “ناصر” وبعض رفاقه شهور طويلة في محاولة إقناع أعضاء المكتب السياسي بضرورة وجود فندق واحد لاستقبال ضيوف البلد.
كان الأمر مذهلا بحق لكنه يعكس بجلاء وجه المأساة.
يخبرني احد المقربين من ناصر وفي جلسة مماثلة ان المشروع كان سيلغى تحت ذريعة ان الفندق سيطل على معسكرات .
وحينما قرروا إنشاء “نافورة” مياه في جولة ريجل قال الرفاق يومها ان المشروع “ترفي” وعبثي واستغرق الأمر ان يعقد المكتب السياسي 11 جلسة كاملة لإقرار مشروع أول نافورة جنوبا .
تتساقط حبات العرق من جبيني وانا افكر كيف حكمت هذه العقول بلادا لـ30 عاما؟.
للجنوب قصة مغايرة يجب ان تحكى ، ووجع يجب ان ينكى ، ودموع يجب ان تذرف ومآسي يجب ان تروى مجددا لكي لا يذهب الجميع مجددا صوب “مآسي الماضي”.
بينما كان “الانجليز” يطوون أخر علم لهم في مطار “عدن” تلفتوا فيما حولهم وفحصوا العقول القادمة لتسلّم “الحكم” وجدوها مقسومة مابين جبهة التحرير والجبهة القومية.
قال “الانجليز” لبعضهم :” أي مصير ينتظر هذا الشعب بعدنا …!!”
وكانت جبهة التحرير خليط من المتنورين والقوميين العرب لكنها كانت اضعف بينما كان الجبهة القومية خليط من الثورجيين وغير متعلمين والمجانين والمتهورين ، غادر الانجليز وتركوا الناس تواجه مصيرها لوحدها .
فر الآلاف من الناس من المتنورين والمتعلمين ورجال الأعمال يومها من “عدن” في اكبر موجة نزوح بشرية حول العالم.
لم يبق شيء من بريطانيا إلا معالمها ومؤسسات حكمها وجدران عتيقة .
أفاق المدنيون جنوبا الذين تركتهم بريطانيا يواجهون مصيرا صعبا في عدن ومحافظات أخرى وقرر الكثير منهم الفرار.
ومنذ ذلك الحين لم تقم للجنوب قائمة ، اخليت البلد من عقولها و ساد صوت الجنون والعبث والفوضى ..ظن الناس في جنوب اليمن وتحديدا “عدن” ان خلاصهم من البريطانيين يمكن له ان يمثل بوابة أمل جديدة لكن شيئاً من هذا لم يحدث لقد توزع الموت في كل جانب.
طاردوا المزارعين وحاكموا العقول النيّرة وسحلوا جثث علماء الدين على طول الشوارع ، كان الشعب مغيب ويجري بعدهم ويلهث ، لقد غاب كل شيء عن عقول الناس ووعيها.
طوال قرابة 30 عام كامل كان كل مايحدث في هذه الرقعة الجغرافية البسيطة المسماة “جنوب اليمن” هو ان يصحو الناس بين عامين على أصوات إطلاق نار كثيفة وأناس يطاردون بعضهم بأزقة الشوارع ليعلن التلفزيون بعد ساعات من ذلك خبر الانتصار على الخونة والعملاء وليتكرر المشهد لاحقا بعد عامين لا أكثر مع نفس المنتصرين.
تطور العالم وتبدلت أحواله وكانت “عدن” وحدها المدينة التي تفيق بين عام وأخر على “البيان رقم واحد” لقد كانت العقلية الثورجية المجنونة هي من تتصدر المشهد .
يقف “العدانية” وكل الشعب جنوبا أمام هذا المشهد ، ذاك القائد الذي لم يكمل من تعليمه شيئاً يقف على منصة الخطابة وسط حشد من الناس ليحدث الناس عن الثورة والحرية والخونة الذين يجب إبادتهم وتصفيتهم ويقود البلد إلى كارثة جديدة ويرحل ، ليقول لهم انه افضل من الاديب والكاتب والطبيب والمهندس .
بينما كانت “دبي” وابوظبي والرياض ومسقط وعشرات المدن هنا وهناك تحبو كانت عدن في قمة ازدهارها لكنها كانت أشبه بحافلة جميلة يقودها سائق متهور يمضي بها صوب المجهول ويرتطم بها في كل جانب ، كانت دولة الجنوب تتعثر بسبب هذه العقليات وتقع في كل مرة وتحاول النهوض ومع كل عثرة كان الألم يزاد في الجسد حتى جأت نكبة 1986 حينما تقاتل الرفاق بكل شارع وقطع الشعب بعضه في اكبر مجزرة بشرية حول العالم اجمع .
تعثر يومها “الجنوب” ولم يملك قدرة النهوض مجددا بعدها ، لقد نال منه الرفاق، كان الجرح داميا والمصيبة عظيمة فر الآلاف من “عدن” ، ظن المنتصرون يومها أنهم انتصروا لكنهم أفاقوا على هزيمة مجتمعية كبرى، لقد نالت الجراح من جسد الوطن المسكين!! .
وبعد 3 سنوات فقط استدعوا صالح ذات ليلة بعد ان أدركوا ان الوطن لايقاد منفردا ، كانت الأزمات تحاصرهم من كل جانب قالوا له:” هاك الجنوب خذه وخلصنا .
التفت “علي عبدالله صالح ” إلى علي سالم البيض يومها وقال :” هكذا دفعة واحدة!! ..
قالوا له :” دفعة واحدة وبلا ثمن .
قضى “صالح” ليلته حائرا في غرفته بفندق كريسنت بالتواهي غير مصدق انه سيتسلم “دولة كاملة ..
كان يمكن للجنوبيين ان يعايشوا واقعا أخر لو ان صوت عقل حقيقي حكم بلادهم طوال 30 عاما، لو ان ثورجياً ما ساد وقروياً أحمقاً ما، تحكم ودموياً ما انتهك الحرمات واسال الدماء ،لو ان وطناً حقيقياً تأسس بعد الاستقلال .
ذهب “الجنوبيون” عقب الاستقلال في طريق خاطئة كانت نهايتها ان سلموا بلادهم كلها لصالح .
وقف “الرفاق” في الـ 22 مايو 1990 وسلموا بلادهم ، أدركوا يومها كم كانت الأكاذيب مؤلمة ، لقد اكتشفوا ان الكثير من الأشياء عن الإقطاع والرأسمالية والخيانة والعمالة والرجعية لم تكن صادقة ، اكتشفوا كل شيء لكن بعد فوات الأوان..! .
عاد صالح مسرعا إلى صنعاء اجتمع بقيادات “الشمال” وقال لهم :” جئت لكم بدولة .. صاحوا وماتلك بيمينك ؟ قال أنها ورقة التنازل عن الجنوب .. قالوا بورقة واحدة قال أي والله بورقة..
بيع الجنوب يومها “آجلا” غير عاجل .
حكم “صالح” الجنوب أكثر من حكم كل الجنوبيين له ورغم انه ظلم الجنوبيين كثيرا إلا ان من سخريات الأقدار انه وطوال حكمه لم يشهد الجنوب أي معارك دموية بين الجنوبيين انفسهم وكانت الفترة مابين يوليو 1994 وفبراير 2011 هي الفترة الوحيدة المستقرة في تاريخ هذا البلد المضطرب.
قرر”الجنوبيون” ذات يوم الثورة ضد نظام صالح في 2007 وانطلقوا إلى الساحات وهتفوا من على المنصات وكتبوا في الصحف عن الحقبة المؤلمة التي عاشوها قبل الوحدة وكيف ان كل تلك الصراعات أدت بهم إلى كل هذا الدمار.
واجهوا آلة القمع التي واجههم بها صالح والتي أثبتت الأيام أنها أكثر رحمة من آلة القمع الجنوبية بعدن الحرب بصدور عارية .
قالوا للعالم أنهم تعلموا ورسموا خطوطا عريضة للدولة التي سيقيمونها ، دولة العدل والمساواة والقانون والحريات .
حكوا للناس عن نصوص قانون الأحوال الشخصية وعن قيم المدنية والحضارة .
انهار نظام صالح وتهاوت جماعة الحوثي وبات “الجنوب” عاريا من أي احتلال شمالي أو قوة أو نفوذ..
هذا الجنوب يشبه الجنوب ليلة الـ30 من نوفمبر 1967 .
وضع الشعب يده على قلبه وهو يقلب دفاتر الماضي المؤلمة ، سار شريط الذكريات المخضب بالدم أمام أعين الجميع .
هتف رجل عجوز ارتشف كوب شاي في ليلة حارة بمقهى الشجرة بالشيخ عثمان في الـ 17 من يوليو من العام 2015 لصديقه الذي بجانبه وقال :” أنها ليلة تشبه ليلة مغادرة الانجليز لعدن .. سترى هل سيكتبون تاريخا مغايرا هذه المرة.!؟.
هاهو “الجنوب” وحيدا ، بعيدا عن كل شيء ، يغرق الشمال في صراعاته ، لدى الجنوبيين فرصة وحيدة وأخيرة لكي يثبتوا للعالم اجمع أنهم يملكون قدرة الاستفادة من الماضي .
وقف العالم اجمع يراقب ما الذي سيصنعه “الحاكمون الجدد لعدن”، وبدأت العجلة تدور ولكن لتطحن الجميع دونما رحمة .
سارع الحاكمون لقراءة المذكرات السابقة ، ليس للإستعاضة ولكن لتكرارها مجددا ، كان الأمر صادما ومذهلا ان تعاد تجربة مجنونة إلى الواجهة مجددا ان يسير شخص مجددا مجددا إلى نفس الهاوية .
وبدأ العالم يسمع مجددا عن عدن” ، ولكن بتقارير المنظمات الحقوقية والسجون التي اتسعت ، بنى الحاكمون الجدد لعدن سجونا جديدة بلا نوافذ واستحدثوا طرقا اشد قسوة للتعذيب ، غرقت المدينة في فشل كبير كبير وسادت المناطقية والعنصرية والفوضى وتصدر المشهد “الغوغاء” والجهلة الذين لايفكون خطا ولم يسيروا يوما على درب “معرفة”.
سيق نشطاء الحراك الحقيقون الى السجون وفرت قياداته الى الخارج وظهرت للناس وجوه واسماء لم يسمعوا بها قط.
وقفت الناس مذهولة ، لقد عاد التاريخ مسرعا إلى الوراء ، ذاك القيادي الذي يقف على المنصة ليحدث الناس عن الخيانة والخونة عاد مجددا بنفس غبائه وجنونه وخرفه .
وذاك السجن الذي يدخله الناس بلاتهمة ولايعودون أبدا عاد.
جلس الرجل المسن مجددا بمقهى الشجرة بالشيخ عثمان حزينا دونما كوب شاي والتفت إلى رفيقه وقال بحسرة :” لم يتعلموا ولن ..”.
قرأ الحاكمون الجدد مذكرات أسلافهم ، عن الاباء الذين سلموا الجنوب للسوفييت ذات يوم دونما ثمن وسلموا البلاد بلا ثمن مجددا .
اقتتل “الجنوبيون” فيما بينهم في الـ 28 من يناير 2018 وصفوا مايقارب الـ 100 قتيل ، راقب الشماليون مايحدث بإستغراب ، كانت الشعارات مطاطة وكاذبة ومخادعة لكن جميعها تؤكد ان هذه البلاد لايحكمها إلا المغفلون والمجانين ولايسودها إلا الخراب وانها ستسلم مجددا إلى الشمال لكنهم قد لا يقبلون بها.
عن حكاية”الجنوب” اكتب هذا المساء وحيدا ، عن البلد التي ظلت طريقها في الـ 30 من نوفمبر 1967 ولم تتلمس الخلاص حتى اليوم ..
عن “الجنوب” الذي يجب الا يترك وحيدا لكي لايقتل بعضه بعضا..
هذه حكاية الجنوب ..
الوطن الذي قتلته الشعارات واستباح جهلته دماء خيرة ابنائه واضاعته النظريات والمزايدات..
صفحة الكاتب