أحمد أمين نعمان..

لطفي نعمان

“وكنت إذا حدّثت حدّث شاعرٌ
لبيبٌ دقيق الفهم والذوق والفنّ”
حقاً هكذا كان الشيخ أحمد أمين عبدالواسع نعمان، بصوت هامس يتحدث بحس شاعر، وفهم فيلسوف، وبمنطق حكيم، وأسلوب حاذق..
ذهب بعدما “ذهب الذين يحبهم” وقد حمل كثيراً من صفاتهم وسماتهم، وفاق بعضهم حتى غدا باسمه وذاته صفةً فريدة وسمة طيبة.. وحق فيه ما حق في غيره:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقي الذين حياتهم لا تنفع
الشيخ أحمد أمين عبدالواسع نعمان:1934م – 11 نوفمبر 2011م.
صاحب الرؤى التي صَحّت؛ والنبؤات التي صدقت، والتحذيرات التي وقعت.
منذ كتب الإمام أحمد حميدالدين “إن الأنبار بحاجة لرجل أمين فليكن أحمد أمين”.. برغم أنه محتجز لديه رهينةً ضمن الرهائن الأحرار بعد مصرع الابتسامة عام 1948م، إثر عودته من عدن حيث قضى شطراً من صباه هناك يعمل بمطبعة النهضة اليمانية ويشارك طباعة مواد صحيفة صوت اليمن.
وبعد برهة من العمل تحت ظل الدولة المتوكلية، نوى منتصف الخمسينيات الهجرة والالتحاق بأي عمل خاص، فكان الاغتراب عن وطن لما يغترب عن تفكيره، وما فارق حسه.. فعاد إليه سريعاً يتحسس طريق الشعب إلى النور مجدداً مع ما التزم به من الوظيفة في العمل الخاص لدى رفاق درب وصحبة عمر. وشارك أدق تفاصيل الحركة الوطنية وخبر أسرار التحضير لثورة 26 سبتمبر 1962م.
حمى من رجال القضية الوطنية من حمى قبل انكشاف أمرهم، وصلاتهم ببعض الفدائيين الوطنيين قبل الثورة.
والتحم مع المدافعين عن سلامة القرار والسيادة والاستقلال الوطني. وعرفته المنافي منتصف الستينيات قبل عودته عاملا ًببيت الفقيه أواخر الستينيات يساند الجيش في فك الحصار عن صنعاء، ويدير الشؤون العامة في المنطقة بما يثبت حضور الدولة وهيبتها.
على مر تلك السنين ظل فاتحاً داره لكبار اليمن، كما مر به صغاره، مكرماً إياهم.
كان الأمين بعد أبيه الأمين.. والشيخ المدني الأقرب إلى بقية مشايخ اليمن، من ريف وبدو وحضر.
الناصح الصادق.. الملتصق بهموم الناس وتطلعاتهم، الخبير بمعادنهم والقارئ لمستقبلهم، المدرك لأطوار المتغيرات والتحولات والتبدلات الكبرى.
عصامي منذ نعومة أظفاره. رقيق المشاعر، صلب المواقف. بار بآبائه وأهليه. راعٍ حريص على بنيه. رفيق محب، مخلص لأصدقائه.
قارئٌ نَهِم، مَرِحٌ ساخر، ناقدٌ لاذع، موجهٌ نافذ، وسيفٌ قاطع تضيق منه بقية السيوف، تشهد بذلك سيرته في لجنة الخدمات برئاسة الوزراء منذ السبعينيات.
وَدّ الخير للجميع، وإن أرادوا شراً بأنفسهم ونكراناً له –عن غير قصد-..
بلغ من المجد ما يجعله -كأي بالغ مجد- محل إجماع واختلاف.. أ كان في البرلمان ومجلس الوزراء منتصف الثماينيات. أو محافظاً للواء ذمار مطلع التسعينيات.
نصح من لم ينتصحوا.
أفصح بالحق حيث يحق الإفصاح عن أهم الشؤون والمصائر.. بوعي وإدراك تام لخلفيات وأبعاد ما يقول.
نبه من لم ينتبهوا.. وأرشد من “لم يستبينوا الرشد إلا في ضحى الغدِ”..
وحين أدبروا عن رشده وتنبيهه ونصحه وإفصاحه.. أقبل على الاعتزال بمحرابه.. حتى افتقده أحبابه.
ومع بدء السنين العجاف، ذهب بعد الذين أَحَبَهُم، دون أن تذهب ذكراه الطيبة في ذاكرة من عرفوه إنساناً نادراً، له ما له وعليه ما عليه، قيلاً نبيلاً، خيراً حكيماً، رؤيوياً صادقاً مع من صدق فيهم “فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هدى”.. حتى عاشوا بمنأى عن الصراع وتنبأوا بنتائجه وقد استشعروا مقدماته.
رحمة الله تغشاه.

من صفحة الكاتب