البيضاء لم تهزم حتى في يوم الربوع!

البيضاء لم تهزم حتى في يوم الربوع!
علي أحمد العمراني

سفير اليمن في الأردن علي أحمد العمراني يكتب حول: البيضاء لم تهزم حتى في يوم الربوع!


صديق عزيز وقريب ، كتب لي أمس: ما تنسى ذكرى استشهاد عمي العزيز، غدا 15 رمضان.. قلت له: كنت أظنه يوافق 7 رمضان ..!

فقال: 29 يناير 1964 يوافق 15 رمضان.. فقلت قد تكون على حق.. عدت إلى google ، فإذا بصديقي العزيز على حق.فقد وافق 29 يناير 1964، 15 رمضان 1383، ويوم أربعاء أيضا، ربوع بلغتنا في اليمن ..! وكانت 1964 كبيسة، مثل سنتنا هذه 2020..!

بالمناسبة، لا علاقة للتشاؤم بالربوع بهزيمة البيضاء في أي معركة كما يشيع البعض، ويرتبط الأمر مثلما قال عبد الحميد جودة السحار في كتابه قصص الأنبياء، بريح صرر، التي ذكرها القرآن، حيث بدأت بأربعاء وانتهت بأربعاء، وقال نقلا عن ابن كثير: ما زالت العرب تتشاءم من الأربعاء إلى يومنا.. والبيضاء ليست وحدها، وليست كلها تتشاءم من الربوع، وإنما كذلك المناطق المجاورة لها من يافع وأبين وشبوة..!

ذات مرة،في بداية التسعينات، في مقيل الأستاذ عبد الحميد الحدي، الذي كان يوم أربعاء، سألوني لماذا غبت مرتين أو أكثر، فقلت للأستاذ الحدي ممازحا: غير موعد المقيل، فضحكوا..! فأوردت ما رواه السحار عن ابن كثير، فقال السودانيون الذين كانوا حاضرين: عندنا يقولون: أربعاء وآخر شهر..! وعلق سفير العراق عبد الحسين الرفيعي: استشهد الحسين يوم أربعاء..!

عندما سلم لي عمي المرحوم أحمد غرامه، أوراق استشهاد أبي، ومنها شهادة الوفاة، المرفقة أدناه، تناولتها بتلهف، فقد كنت حريصا أن أعرف أي شيء، عن أبي، الذي أنكرت وفاته لفترة طويلة، وكنت أنتظر عودته لمدة لم تكن قصيرة في طفولتي.!

ولعل تلهفي لمعرفة أي شيء عن أبي جعلني أقرأ، 21 يناير بدلا عن 29 ، وربما بسبب عدم وضوح الخط أيضا ! مع أنني لم أكن ألبس النظارة بعد..! كان ذلك في 1982، عند أول عودة لي من الغربة، وبعد 18 عاما من استشهاد أبي..

مع أنه لم يعتمد حينها أي حقوق من أي نوع أو معاشات لكثير من أسر الشهداء، في منطقتنا، الملاجم، ومنهم والدي، إلا أن مفهوم شهيد كان ما يزال له معنى كبير ، في أوساط عائلتنا ” الثورية”.

حاولت حينها، أن أقوم بمتابعة إعتماد معاش شهيد، من الهيئة التي تشكلت في عهد الرئيس صالح، وكان يعطى لعائلة الشهيد خمسمائة ريال.. مع أن أشخاص آخرين قد يُعتمد لهم مئات الشهداء، أكثرهم وهميين ..! وصدمت مرتين، بسبب كلمة أو مفهوم شهيد، إحداهن، في رئاسة الأركان العامة، عندما سخر مني ومن حكاية الإستشهاد موظف عسكري، مسؤول عن ملف الشهداء، وحصلت بيننا مشادة، وتبين أنه من المنطقة التي استشهد فيها أبي وكانت موالية للإمام أثناء الحرب..!

وأخرى عندما كنت أسجل لأداء خدمة الدفاع الوطني في أغسطس،عام 1988، وكنت أحمل خطابا من محافظ البيضاء، الأستاذ علي الحرازي، متوخيا إعفائي من خدمة التجنيد، باعتباري ابن شهيد وحيثيات أخرى منها خوضي انتخابات البرلمان في ذلك العام، وإحرازي مركز متقدم، ودراستي التي قدر المحافظ أنها أنجزت بطريقة “استثنائية”..!

دون الإلتفات لخطاب المحافظ، ناولني مدير السجلات، استمارة، وقال: عبيء البيانات.. ! وأثناء التعبئة، سألني، وهو يجلس على مسافة مني ويفصله عني مكتبه: الوالد متوفي ؟ .. فأجبت: شهيد.. ! فكرر: متوفي ..؟ وكررت: شهيد.. ! فعلق ، وهو يعض إصبعه الصغيرة وينظر لي شزرا بتجهم: استغفر الله… استغفر الله ..!

لم أكن حينها أعرف جيدا خارطة العلاقات العائلية، وتبين فيما بعد أن مدير السجلات يرتبط بصلة قريبة، لعائلة الإمام، وكذلك مدير خدمة الدفاع الوطني الذي أحالني عليه ، لكن المدير الكبير كان دمثا ووقورا.. وتبين لي لاحقا أن الثورة والجمهورية سُرقت على مراحل، ولا أظن المجال يتسع هنا لبيان تفاصيل ذلك..
ذات مرة كنت أشاهد مقابلة مع اللواء صلاح الدين المحرزي، وهو من الضباط المصريين الذين ساهموا في الدفاع عن الثورة في اليمن، وهو يجيب على سؤال عن ثورة اليمن، وقال: كانت ثورة حق، ومن أجل شعب طيب عريق ومظلوم لكنها سُرقت.. كنت حينها عضوا في البرلمان، وكنت أشاهد سرقة الثورة تتجسد أمامي في البرلمان، في معاني وممارسات عدة، وفي أهم مؤسسات الدولة الأخرى كذلك، وأقصد هنا الإستحواذ العائلي والعشائري على السلطة والثروة على نحو فج ومستهتر وجشع وبشع أيضا..

عندما أشرت إلى كون مدير السجلات يرتبط بصلة لعائلة الإمام، فليس القصد استبعاد أي شخص من أي عمل أو منصب بسبب إنتمائه العائلي، لكن الأمر يتعلق بخواء الكبار القائمين على الأمر، الذين أفرغوا المشروع الوطني من محتواه ومضمونه، وأسهموا في سرقة الثورة ذات الأهداف والمرامي النبيلة والتضحيات الكبيرة.. وهو المشروع الذي كان لابد أن يستوعب كل اليمنيين في النهاية ويحقق للجميع العدالة والإنصاف والكرامة، والنهوض الوطني الشامل..
وكتبت في بداية تدشين انتخابات الرئيس هادي أن الرئيس، سيكون لاحقا من أصل قحطان، أو نسل عدنان، لا فرق، وحتى من أحفاد الإمام، ويبقى مشروع الإمامة هو وحده المرفوض لأنه لم يجلب لليمن سوى الضرر والتراجع الحضاري والبلاء،طوال القرون..وأقدر أن غياب المشروع الوطني الحقيقي، هو الذي جلب العصبيات الضيقة من كل نوع، وتفاقمت وتعاظمت على مراحل، وانتهت بنسخة إمامية طائفية متطرفة في صنعاء وأخرى جهوية قروية في عدن..

رحم الله والدينا ووالديكم أجمعين…
وحفظ الله اليمن..

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية