إعادة الهيبة للدولة اليمنية أولوية قصوى

  

نبيل حسن الفقيه

نبيل حسن الفقيه يكتب حول: إعادة الهيبة للدولة اليمنية أولوية قصوى


قيل في الأثر (أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، فكما هو معلوم أن مفهوم هيبة الدولة يتجلى في عنصرين أولهما الرهبة وثانيهما الخشية، وأن ما تبثه الدولة في نفوس العامة من شعور بالتهيب والوجل هو المانع لهم من الوقوف ضد ارادة الدولة أو انتهاك قوانينها وأنظمتها.

يعتبر مصطلح “هيبة الدولة” من المصطلحات التي لم يعد يعيرها جل مسؤولي الدولة اليمنية أي اعتبار، بل ان القائمين على راس مؤسسات الدولة لا يكترثون لهذا الامر، خاصة وان تفشي ظاهرة الفوضى واختراق القوانين والتعدي على مؤسسات الدولة أصبح من الممارسات اليومية التي يستمري لها معظم المواطنين ويقبل بها موظفو الجهاز الحكومي وجل المسؤولين بمختلف مستوياتهم الإدارية.

اليمن الذي تلاحقه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتهدده الانقسامات المناطقية تتلاشى يوماً بعد يوم كل مقومات الدولة، وغدت السلطة غير قادرة على بسط نفوذها وإخضاع الجميع للدستور والقانون في ظل قيادات سياسية حملتها الصدفة والاقدار للصفوف الأولى.

نعلم جميعاً ان هيبة الدولة تتجلى في امرين: أولهما قدرة مؤسسات الدولة على فرض النظام والقانون وتأدية الواجبات الوظيفية، والثانية هو الشعور بالمسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية تجاه المواطن الذي ينظر للدولة على انها حامية حقوقه، فينصاع لها بالرضاء الذي يستمد من عدالة تطبيق القانون… خاصة إذا ما تم تطبيق القانون بشكل كامل وبلا استثناء على الجميع، دون تفريق فيما بين المواطن والمسؤول او فيما بين الغني والفقير.

ولكن عندما يختل ميزان العدل ويميل نحو الباطل تنكسر هيبة الدولة التي تترسخ بالقانون، وتتلاشى هيبة الدولة حين لا يثق المجتمع في المؤسسات القضائية، وعندما يضيع العدل في أروقة المحاكم، وتُحتقر احكام، وتُنتهك حرمات القضاء، ويٌشك في قرارات القضاة نتيجة فساد بعضهم.

اننا في اليمن بفقداننا لهيبة الدولة ضاع منا الامن والأمان والاستقرار، خاصة بعد ان تطاول المتردية والنطيحة من الساسة الانتهازيين على مقدرات الوطن، وجار القوى على الضعيف، وسلبت حقوق المواطنين القانونية والدستورية، وسطا بعض المتنطعين من رجال القبائل الخارجين عن القانون على الدولة وممتلكاتها.
لقد ضاعت هيبة الدولة عندما تغاضت الدولة عن قطاع الطرق وانصاعت لمطالبهم، وعندما خضعت الدولة لمطالب مختطفي السياح وقبلت بتنفيذ شروطهم، وعندما قبلت الدولة بوجود سجون خاصة في منازل شيوخ القبائل، وضاعت هيبة الدولة عندما تم التطاول على حرمة مؤسسات الدولة نتيجة عدم الرضا عن المسؤول “ص” الذي لم يخضع لرغبات مراكز القوى، وخضعت القيادة للضغوط لتغييره، واُهينت الدولة عندما قبل المسؤول “س” بالتحكيم القبلي في القضايا الجنائية وقبل بتسوية قضايا الدولة خارج المؤسسات الشرعية للدولة، ولقد انكسرت هيبة الدولة عندما تغاضت عن منتهكي الحريات العامة المكفولة بالدستور، وتطاول من لا وزن له على حقوق الناس.
ولقد ضيعت هيبة الدولة عندما استعمل ضابط الشرطة السلطة بنوع من التعسف والاكراه بحق وبباطل، وعندما اُطلق لقادة الجيش العنان للاستيلاء على المرتجع من مرتبات الجنود والافراد، والتغاضي عن تسجيل الأسماء الوهمية في كشوفات المرتبات.
وانكسرت هيبة عندما عجزت الدولة عن بسط هيمنتها على فضائها، انكسرت هيبة الدولة عندما علم البرلمان بان مجموعة من كبار مسؤولي الدولة بما فيهم أعضاء برلمانيين لديهم مخصصات مالية من دول اجنبية ولم يتخذ البرلمان أي اجراء لملاحقتهم وفقاً للدستور والقانون.

لا شك إن الدولة يمكن ان تبث في نفوس المواطنين الهيبة والوجل والاحترام للقانون عندما تنجح في التطبيق الصارم للقانون وفرض احترامه على الكبار قبل الصغار، اذ ان العدالة بالقانون تمنح الدولة الهيبة، كما ان ممارسة الدولة لمهامها الدستورية في الحفاظ على سيادة الوطن، وانهاء ارتهان كبار مسؤولي الدولة للخارج هو الكفيل بإعادة الاحترام والهيبة للمؤسسات الدستورية..
وان حماية الحريات والحقوق وكرامة الانسان تمنح الدولة الهيبة، وتتعاظم هيبة الدولة في نفوس المواطنين عندما يدرك المواطن انه سيجد الدولة امامه في أوقات الأزمات والشدائد، وان الدولة تعمل على تقديم الخدمات الأساسية له كواجب عليها، وتكبر في نفوس كل مواطن هيبة ومكانة الدولة عندما يدرك ان الدولة لديها القدرة على التدخل للحفاظ على امنه واستقراره والدفاع عنه وعن مصالحة وعن حرمة وطنه، وان الدولة تعمل على إعلاء مبدأ العدالة للجميع وتطبيق القانون كمدخل أساسي لإعادة هيبة الدولة.

الكل يدرك ان تطبيق النظام يبدأ باستخدام قوة القانون لفرض السلم الاجتماعي في مختلف المدن اليمنية، فالمواطن تواق لتطبيق النظام والقانون وفق ضوابط محددة تستند على النظام والقانون بعيداً عن الولاءات الحزبية او المناطقية او القبلية او المذهبية، وبما يضمن السلم والامن المجتمعي وإعادة الهيبة لمؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، وتفعيل سيادة القانون والنظام في الشارع وفي المؤسسات العامة والخاصة، اذ ان المخاطر المحدقة بالفرد والمجتمع نتيجة انهيار هيبة الدولة في اليمن أصبحت كبيرة.
ان تحقيق الاستقرار والامن والأمان، وصون الحقوق، والحفاظ على قيم الامة العليا من الانهيار وفق الضوابط الأخلاقية للمجتمع يجب ان تنطلق من قدرتنا على تطبيق النظام والقانون على الجميع دون استثناء على المواطن وعلى المسؤول، ومن قدرتنا في المجتمع اليمني على أعلى قيمة الإنسان واحترامه لذاته بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه.

اليمن لا يحتمل مزيدا من المماطلة والتسويف والادعاء بالإصلاح، فنحن نحتاج الى ثورة سياسية وفكرية وادارية لإعادة بناء ما أفسده الدهر… مع إعادة وضع قطار دولة المؤسسات والقانون على السكة الصحيحة، وان أول تلكم الخطوات تكمن في إعادة الهيبة للدولة اليمنية، والتي ضيعت من قبل مليشيات الحوثي، ومليشيات الانتقالي، ومن قبلهم مختلف القيادات الحزبية الانتهازية، والكتل السياسية الفاسدة التي تسببت في اهانة الوطن والمواطن.

على أن إعادة الهيبة للدولة اليمنية يجب ان تنطلق من قدرتنا على جعل القانون يعمل في خدمة الجميع ومن أجل الجميع، وان هيبة الدولة تتجلى في قدرة الدولة على التوزيع العادل للسلطة والثروة، والقدرة على كفاءة الدولة في حسن استغلال الموارد وادارتها، واستثمار الموارد البشرية وتحويل مفهوم الولاء للأفراد الى الولاء للوطن.