الجمهور والعاطفة

أسامة المحوري   

الشاعر أسامة المحوري

أسامة المحوري يكتب: الجمهور والعاطفة


لو سألت اليمنيين عن البردوني لقالوا لك: (هو الشاعر اليمني الأعمى الذي ذهب للعراق وسخر منه الحاضرون وكان مصاباً بالجدري…) معظم اليمنيين يعرف البردوني معرفة عاطفية إنسانية بسيطة ، ولا يعرف البردوني شاعراً عظيماً، وفيلسوفاً كبيراً، ومفكراً عميقاً، وسياسياً فذاَ، بل لا يكاد أحدهم يحفظ قصيدته التي ألقاها في مهرجان أبي تمام بالعراق، فضلاً عن غيرها من قصائده العظيمة الأخرى، بقدر معرفتهم لحال البردوني المؤلم ومأساة حضوره الحزين وسخرية الحاضرين منه في ذلك المهرجان.

يحب اليمنيون أن يكون المبدع مسكينا،ً وأن يرتبط إبداعه بقصة مؤلمة، فالإبداع وحده لا يكفي، فبينما تنتشر مئات الأصوات الطفولية الجميلة في أرجاء اليمن فضّل الجمهور اليمني (بائع الماء) ذلك الطفل الجميل الموهوب الفقير الذي اضطر لبيع الماء في الطرقات فصارت معاناته سبباً لذيوع موهبته، حتى أن القنوات الفضائية اليمنية حين تقدمه تكتب الفنان (بائع الماء) بل أكاد أجزم أن معظم المتابعين اليمنيين لم يهتموا بصوته، ولم يفكروا بموهبته بقدر تفكيرهم بقصة ظهوره الحزينة تلك، الجمهور ذاته يتجاهل الفنان العدني الشاب الأنيق عمر ياسين والذي فاز بالمركز الأولى في برنامج (الزمن الجميل) وهو من أهم برامج الفن في وطننا العربي الحبيب، فعمر مبدع وله صوت رائع، وإطلالة أنيقة، وحصد المركز الأول، وكل هذه الأشياء لا تهم المتابع اليمني ولا تعنيه، ولو خرج عمر ياسين من المسابقة (مثلاً) لوقف الجمهور اليمني معه ولذاع صيته فالجمهور يحب عمر المبدع المظلوم الذي ظلمته لجنة التحكيم وظلمه البرنامج ولا يحب عمر ياسين المبدع الناجح، ولعل هذا الأمر جعل كثيراً من الممثلين اليمنيين يفضلون تمثيل دور ( الشخص المسكين الأهبل المظلوم) فهذه الشخصيات تبقى خالدة في ذاكرة الجمهور اليمني بينما لا يلتفت أحدهم للشخصية الناجحة والمرتبة والطموحة، فسنجد الجمهور يحب (جعفر بن زنبقة) ويتعاطف معه ويحترمه بينما الجمهور ذاته لا يحب علي الحجوري الأستاذ المحترم الذي يظهر بشكل مرتب ليقول كلاماً جيداً نتفق معه أو نختلف.

قال لي صديقي ذات يوم: يا أسامة (خالد الرويشان) لا علاقة له بالثقافة والإبداع قلت له: كيف عرفت ذلك؟ قال: رأيت ديوان مقيله وفخامته فشعرت بنرجسية الرويشان والإبداع معاناة وتواضع!!

صديقي هذا حين سُجن الرويشان أقام الدنيا ولم يقعدها وتغيرت نظرته للرويشان فالرويشان اليوم أصبح مبدعاً مظلوماً ويستحق التقدير والاحترام والتعاطف!!

في فعالية ما كنت أقدم فيها الضيوف للجمهور همس أحدهم في أذني مازحاً: أريدك أن تقدمني تقديماً لا يُنسى، فضحكت وقلت له (سأخبرهم أن عمك رفض أن يعيد لك زوجتك) فكاد أن يموت ضحكاً.

عناوين ذات صلة: