الإمامة الهادوية.. الخمينية الأولى!

  

يحيى الثلايا

يحيى الثلايا يكتب: الإمامة الهادوية.. الخمينية الأولى!


في عام 1979م نصّب رجل الدين الشيعي الخميني نفسه إمامًا وقائدًا لما أسماه الجمهورية الإسلامية، عقب ثورة أسقطت نظام الشاه. الخميني انطلق متخذًا من إيران موطناً لدولته وإمامته العابرة للحدود والأقطار، ومنذ ذلك التاريخ برزت فكرة (تصدير الثورة) في أدبيات وقرارات القيادة الإيرانية وسياساتها تجاه بلدان المنطقة والعالم. وتحت مسمّى تصدير الثورة أشعلت الثورة الخمينية الحرائق والفتن في أغلب بلدان المنطقة ولا تزال.
تمارس إخفاء الإمام وتصدير الخراب
الخميني رجل الدين والمرجع الكبير لدى أتباع المذهب الجعفري، يقوم مذهبه على فكرة جوهرية تزعم بالنص وجود الأئمة الاثني عشر، وتعتقد باختفاء الثاني عشر منذ قرون تحت ما يسمى الغيبة الكبرى، وأنه لابد من انتظار خروجه من السرداب ليستمر حكم من يسمونهم آل البيت، فلا إمامة، ولا جمعة، ولا جماعة، يصح انعقادها دون عودة الإمام.
لكن الخميني خرج عن ثوابت مذهبه المتفق عليها منذ قرون، مبتكرًا حيلة وذريعة جديدة اسمها نائب الإمام، وهو الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام القابع وهْمًا في السرداب، وقد كان الخميني هو أوّل نواب الإمام المزعوم.
الخميني في تبريره وتنظيره للفكرة التي تخالف إجماع وثوابت مذهبه، وتشذ عنها بعد أكثر من ألف عام من التقديس، قدّم تبريرات عدة وتفسيرات مختلفة، من ضمنها تصريحاته المتكررة عن إعجابه بنظرية الإمامة في المذهب الهادوي الزيدي، حيث لم تحتكرها في المنصوص عليهم، بل أتاحت الفرصة لكلِّ من قدر على حمل السلاح والتمرد مادام ينتمي نسبه إلى “البطنين”، كمعيار ثابت وما سواه تفاصيل.
والهادوية نسبة إلى يحيى الرسي الذي أطلق على نفسه اسم الهادي، وهو متمرد علوي، انشق عن الدولة العباسية، وتنقل باحثًا عن السلطة في أماكن عدة بينها طبرستان جنوب بحر قزوين، ثم انتهى به المطاف متمردًا يقتطع مناطق من شمال صعدة وجنوب نجران.
الرّسي..سيرة من الخراب
في سيرة الرسي التي كتبها ابن عمه علي بن محمد العلوي، ومراسلاته التي تم توثيقها وتناقلها بين أتباعه، مفاهيم وأحكام سار عليها تكشف عن طاغية استحلَّ دماء خصومه ومخالفيه ورقابهم، وأموالهم، وأباح حرق الأشجار، وخراب البيوت، وردم الآبار التي يملكها مخالفوه، كل ذلك في سبيل تحقيق نزعته وشهوته في السلطة والحكم الذي يرى أنه محتكر في سلالة البطنين، أي ذرية الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
باستعراض سيرة الرسي ومن جاؤوا بعده حاملين مذهبه وفكره، يجد الباحث نفسه أمام عصابات وعمائم أباحت لنفسها كلَّ المحظورات والمحاذير، وجنّدت كل الإمكانات والأدوات المباحة والمحرّمة لتحقيق أطماعها ونزواتها في أن تكون حاكمًا مطلقًا فوق الشعب والحكم والدين، زاعمةً أنها اختيار السماء، وأن الشعب قطيع ملزم بعبادتها، والعمل لسعادتها.
مهام عصابة
طيلة وجودهم -في اليمن منذ نهاية القرن الثالث الهجري- كانت الإمامة الهادوية -كنظرية وأفراد- مجرد جماعات نهب، وكهنوت إجرامية، تتنقل متمرّدة بين الجبال، ورغم تتالي العقود فإنها عجزت عن تحقيق أبرز نقطتين يفترض أن ينجزها أي حامل مشروع سياسي.
النقطة الأولى: لم تصبح الزيدية الهادوية دولة طيلة وجودها في البلاد، بل خرّبت كل مؤسسات البلاد وآثارها، وأحرقت إرثها المعرفي، ودمرت معالم نهوضها الحضاري؛ حقدًا وعبثًا. كان المتمرد منهم يطلق على نفسه صفة إمام، ثم يطالب القرية أو القبيلة التي أخضعها بطاعته، ويجبر مقاتليها على الاشتراك في غاراته وحروبه، وباستثناء عقود بسيطة امتلك فيها القاسميون – في القرن الحادي عشر الهجري – وبيت حميد الدين في القرن الثالث عشر – صفة الدولة، واعتراف من حولهم، فقد ظلوا مجرد عصابات مهمتها الهدم والغنيمة والفيد، وتسليط بعض اليمنيين على بعضهم.
النقطة الثانية: طيلة فترة تواجدهم عجز الأئمة وذراريهم وأحفادهم عن الاندماج في المجتمع اليمني، أو التحوّل إلى يمنيين، وسبب هذا العجز رفضهم هم لفكرة أن يصبحوا مواطنين كغيرهم، وراقت لهم فكرة السيادة والامتياز بموجب النسب، وأقنعوا القبائل والفلاحين أن أنسابهم تمنحهم حقوقًا مادية واجتماعية دون بذل جهد عليها أو استحقاق، فكرّسوا الفكرة، وحاولوا تجذيرها وفلسفتها بمبررات ونصوص وفتاوى دينية، وشبكات مصالح، وتجذير طبقي، رغم تداعياتها الخطيرة وتبعاتها على التعايش الاجتماعي.

الغلام الجديد ونثر الكوارث
يظهر اليوم عبدالملك الحوثي مستحضرًا الصورة النمطية عن أسلافه الذين يصنفهم اليمنيون غزاة وأجانب، فهو الإمام الملهم والغامض، والسيد العلم، وقائم أهل البيت؛ وهذه المصطلحات ذاتها التي كررها أسلافه، وفوق ذلك حضر التأثير الطاغي للثورة الخمينية في التجربة الحوثية، والانبهار بنموذج الخميني وخامنئي وحسن نصرالله، إضافة إلى إعجاب الحوثي الكبير بصفة “سيد الجزيرة” على غرار “سيد المقاومة”، وتقليده المتكرر لحسن نصر الله في خطاباته، وأصبح رسميًا يطلق على نفسه لقب: قائد الثورة، كما هو حال الخميني وخلَفِه، وتحت هذا المُسمّى يوجه الحوثي خطابه لمؤسسات الدولة التي يزعمها، رغم أن لا صفة يحملها، ولا دستور يمنحه هذا الحق، فقط باعتباره خميني جزيرة العرب. وبالتأكيد ففكرة تصدير الثورة وعاها الغلام الحوثي جيدًا عن أشياخه في قُم وطهران، وتحت ستارها ينثر صواريخه وكوارثه!!.
الذي لم يتنبه له غلمان الإمامة الجدد، أن اليمن أكبر منهم، يدركون جيدًا ويعترفون أنهم أجبن من أسلافهم، لا يجرؤ -رغم سنوات- أن يطلق على نفسه رسميًا صفة إمام، وهو أيضًا لم يخرج مطلقًا في مناسبة عامة؛ لأنه يشعر أنه منبوذ، وفي المقابل لم يدركوا أن اليمن التي استعصت على أسلافهم هي اليوم أوسع وأوعى وأقدر على نبذهم.
الشعوب أطول عمرًا من اللصوص
كان الرسي مجنونًا يطمع أن يكون بديلًا للدولة العباسية، ثم توهّم نفسه قادرًا على اجتزاء اليمن، لكنه مات معزولًا بين مدينة صعدة ونجران، تواجهه انتفاضات من انخدعوا به، ومات أغلب الأئمة الطامعين من بعده بسيوف ورصاصات اليمن، وهاهم اليوم يجربون مجددًا خوض معركتهم التي يواجهون فيها اليمن والعروبة جمعاء.
ما ألحقوه بالبلاد وبجيرانها منذ فتنة مَرّان لم يكن سهلًا ولا بسيطًا، لكنهم فعلوه دون أي وازع من ضمير، فالسيد العَلَم وقائم أهل البيت، يحق له ما لا يحق لغيره من دماء وحقوق، لكن الشعوب أطول عمرًا من الأشخاص والطغاة واللصوص.

* رئيس الهيئة العامة للكتاب

* مجلة المنبر اليمني