صلاح الوافي وإعلان الكريمي وغياب الفنان المثقف

  

محمد دبوان المياحي

محمد دبوان المياحي يكتب: صلاح الوافي وإعلان الكريمي وغياب الفنان المثقف


منذ ثلاث أيام وهذه الفكرة تتردد على بالي، لم أستطع تجاوز فداحة التبرير الذي جاء به الرجل، ولا أدري لماذا شعرت بخطورة هذه الفكرة وبالذات كونها جاءت من فنان له وزنه في الساحة الفنية، الفنان هو صلاح الوافي في مقابلة له على قناة السعيدة، كان يرد على ملاحظات الجمهور بخصوص مسلسل غربة البن وبالتحديد إقحام مسألة الإعلان للكريمي داخل البنية الدرامية وبذلك الشكل المبتذل، فشعرت بالخجل وأنا أستمع له.

قال صلاح : إن هناك سياسيين وصحفيين وقنوات ومواقع تروج لسياسة القتل والخراب، أما أنا فلم أرتكب خطأ حين روجت للكريمي داخل المسلسل، فالكريمي يقدم خدمات للناس، وقد وعدته بأن أفعل له ترويج داخل المسلسل وفعلت. بالنسبة لصلاح حتى لو اضطرر لخلق مشاهد تعسفية لتمرير فكرة كهذه فلا مشكلة؛ أما اعتراض الجمهور هنا فلا معنى له, وإن كان هناك من خلل فهو في تأدية المشهد وليس في مدى لياقة الفكرة من أساسها.

يمكنني تجاوز كل ارتباكات الدراما اليمنية واكراهات الواقع، على أن يظل القائمين عليها مدركين خطأها، دون محاولة لتأصيل الخطأ بطريقة تهدم معايير الفن السام .
بتوصيف أدق ينطبق عليه حديث الفيلسوف الألماني هايدغر عن”سريان روح التبضيع”في المجال الفني صارخا ضد “تسليع الفن” وإخضاعه لاشتراطات السوق والمنطق التسويقي الخادش لجوهر الدراما .

كان يمكن لصلاح أن يقنع للكريمي أن فكرة إعتماد مشاهد داخل المسلسل تتنافى مع منطق الدراما و ع العكس مما يطمح الكريمي فهي تؤدي دورا تنفيريا وتسيء للممول والعمل أكثر من كونها تخدمهما..لكنه تقبل اشتراطاته وبررها معا.

الدراما كفن هي أشبه بالشعر، لها صفة تقربها من نصوص الوحي، تلك البنية القدسية المحكمة التي يختل سياقها كليا لمجرد أن تستبدل كلمة بأخرى، فضلا عن مشهد بأخر، هذا هو المفهوم المثالي لأي فن، وكلما انحدرت عناصره لتواءم متطلبات الإنتاج ومزاج الممول يتحول لنشاط تهريجي، أقرب للمهنة السوقية منها للفن الذي يعيد صياغة المجتمعات.

إنه فنان موهوب من الطراز الجيد، ممثلا لا يمكن لأحد أن يشكك في أصالة حضوره وأداءه الرفيع؛ لكنه يفتقد للخلفية الدرامية بمعاييرها الفنية والعلمية المعتبرة، يشبه تماما شاعر يقول الشعر بسليقته الخامة، دون أن يؤثث موهبته بوعي معرفي يعمق استشعاره لماهية المجال الذي يشتغل به.

كنت أتمنى من عبدالسلام الشريحي أن يتدخل ليوضح كارثية الفكرة وهو يحاور صلاح؛ لكنه تجاوز الرد بطريقة عابرة وكأن الرجل أقنعه بهذا التبرير التسطيحي، والمتجاوز لأبسط أعراف الفن.

ملاحظة : من خلال أغلب المقابلات التي أجرتها السعيدة مع الفنانيين طوال أيام العيد، يشعر المتابع أن غالبية الممثليين الموهوبين يفتقدو لخلفية ثقافية حول مجال عملهم..هذا ما يجعلهم تائهين وغير مدركين لمكامن الخلل في إنتاجهم..مشكلة في الكتاب، في المخرجين, في الممولين. وكل هذه المشاكل لن تحل ما دام الفنانيين بهذا الوعي ومستعدين لتأدية أي عمل مهما كان مبتذلا ومصطنعا، تحت مبرر الظروف والحاجة.