حضرموت البعد الثالث: كلما استمر الزيّب جاء عاكر وطوفان

  

د. متعب بازياد

د. متعب بازياد يكتب: كلما استمر الزيّب جاء عاكر وطوفان: حضرموت البعد الثالث


بقيام الدولة اليمنية في الجنوب ارتفع سقف التوقعات لدى الحضارم -وسكان محمية عدن الشرقية بشكل عام- في تبني الدولة الجديدة خطة تنمية شاملة تستوعب موارد البلاد الواسعة من الثروات وتوجيه الامكانات المهدرة في الصراعات البينية، قبل الثورة، لتحقيق الاستقرار المنشود.

وكانت حضرموت وعدن تشكلان ثنائيا متقدما من حيث البنية المؤسسية لقاعدة الحكم الجديد، وواحتين حضريتين في محيط قاحل من حضور الدولة، فقير من الموارد، أقل استعدادا لتقبل ثقافة المدنية والحداثة التي بشر بها العهد الجديد. غير أن الصراعات التي سرعان ما تفجرت في قيادة التنظيم الحاكم (الجبهة القومية) ورئاسة الدولة، أودى بكل هذه التطلعات وقتل حلم التحرير والاستقلال والتنمية في مهده. فدخلت الدولة حديثة النشأة، في أتون دورات صراع متوالية لا تكاد تخمد حتى تثور بشكل أعنف، حد وصف المحضار (كلما استمر الزيّب جاء عاكر وطوفان). فغرق المركب أو كاد، وفرد الناجون أشرعتهم صوب صنعاء. فتتجمع السيول هناك كمخزون احتياطي لطوفان ينفجر لاحقا في ثنائية ثأرية بلا أفق.

ارتبطت حضرموت في هذه المرحلة بعدن بشكل رسمي بروتوكولي منزوع الدسم، فالحضارم الذين كانوا يعيشون في حرية سياسية نسبيا -اطلقت السلطنة القعيطية قانون الحريات مطلع الستينات- وانفتاح اقتصادي ناهيك عن حرية السفر والاستثمار اينما شاءوا، أغلقت أمامهم هذه النوافذ بعد إصدار قوانين التأميم ونزع الملكية والاصلاح الزراعي ومنع السفر. ولأنهم يميلون للأعمال الحرة والتعمير والبناء والهجرة، لم تشكل لهم الوظيفة الحكومية والتجنيد الاجباري أي حافز. فهرب آلاف الشباب بحثا عن العمل في الجوار الخليجي، بعد أن غادرت عدن عشرات البيوت التجارية المرموقة وأرباب الوكالات الاجنبية، بحثا عن الأمان لتجارتهم في دول الجوار الخليجي أو دولة الشمال اليمني التي كانت تعيش استقرارا نسبيا وسوقا متعطشة لجذب الاستثمارات والخبرات الفنية والصناعية. حتى تطوير قطاع التعليم، الذي يعد اهم مفاخر الدولة في الجنوب، أصبح نتيجة قتل النشاط الاقتصادي والتجاري، مجرد مكنة تفقيس للكوادر المؤهلة المهاجرة لسوق العمل في بلدان الاغتراب الجديدة.

ونتيجة لهذه السياسات الخاطئة هاجرت معظم الكفاءات الحضرمية خارج البلد، ولم ينتقل للعاصمة عدن إلا أفراد قلائل ممن ارتبطوا بمناصب قيادية في الحزب والدولة، وحتى هؤلاء لم يسطصحبوا معهم أياً من قراباتهم أو عائلاتهم الأوسع لترتيب وضعهم المعيشي هناك، للأسباب التي سبق شرحها، ولطبيعة الشخصية الحضرمية العصامية التي تشق طريقها بعيدا عن محسوبيات الولاءات العائلية أو العلاقات المصلحية الضيقة. وهذا ما يفسر ندرة الضحايا الحضارم في صراعات عدن. ومن مفارقات المشهد الجديد أن الحضارم كانوا أكثر حضورا وتأثيرا في (مستعمرة عدن) ونشاطها الاقتصادي اكثر منه في (عاصمة دولتهم) الجديدة.

وخلاصة القول إن تدخل الدولة واحتكارها لكل الانشطة الاقتصادية وتداعيات قوانين التأميم التي أشرنا إليها، قضت على كل فرص القطاع الخاص لمصلحة القطاع العام في ظل نظام الاقتصاد الموجه بمضامين اشتراكية لا تحترم الملكية الخاصة. صحيح أن الدولة قد شيدت طريقا معبدة بين عدن وحضرموت وسيرت اليها رحلات جوية من الريان وسيئون والغيضة وعتق، غير أن ذلك لم يخلق تنمية حقيقية تربط المناطق الشرقية بغرب اليمن من خلال مشاريع اقتصادية عملاقة، فالمواطن هدف التنمية أصبح عنصرا محايدا في العملية الانتاجية. هذه المنظومة التي لم تراعِ نوازع البشر الفطرية للتملك، قتلت روح المنافسة والابداع، من خلال بيروقراطية شديدة لإدارة جيش من الموظفين. حتى أرباب المهن الحرة صاروا موظفين في تعاونيات النجارين والفلاحين والصيادين. كل ذلك وغيره -كبت الحريات وسطوة العنف الثوري- أغلق فرص المناورة امام الحضارم، أكثر من غيرهم، وأحرمهم ميدان نشاطهم الذي يتميزون فيه. فباتت الهجرة السرية، في ظل قانون حضر السفر، المنفذ الوحيد أمامهم، وكانوا على موعد جديد مع صنعاء هذه المرة، لأسباب يطول شرحها، كمحطة عبور، بل كمواطنين تابعين للجمهورية اليمنية الشمالية- وليست الجنوبية-، لاعتبارات سياسية أعطت لجوازات صنعاء ميزات تفضيلية في دول الجوار.. يتبع.

عناوين ذات صلة:

حضرموت البعد الثالث: سيم الهوى ممدود من صيرة إلى سمعون