تحية لعبدالعزيز عبدالغني في الذكرى التاسعة لاستشهاده

تحية لعبدالعزيز عبدالغني في الذكرى التاسعة لاستشهاده
فيصل جلول

الكاتب اللبناني فيصل جلول يكتب: تحية لعبدالعزيز عبدالغني في الذكرى التاسعة لاستشهاده


قال لي الحمدي شوف: أنا وقعت رئيس جمهورية وماشي الحال وأنت لا تخشى شيئاً ستقع رئيس وزراء وسيمشي الحال.
يستهويني بيتهوفن وفردي وبيكاسو وسارتر وبعض الشعر الحديث تقرأه وكأنك تصعد إلى جبل نقم مشياً على الأقدام.
عرفت الدكتور عبد العزيز عبد الغني رئيس الوزراء اليمني الراحل في بدايات اهتمامي باليمن، وتعمقت علاقتنا أكثر عندما استعاد اليمنيون وحدتهم. ما كنت أزور صنعاء من دون أن أراه خلال الزيارة مرة على الأقل أو مرات عديدة وأحياناً مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح. وكان عبد الغني يحرص في كل زياراته إلى باريس على احاطتي بقدومه، فنمشي في الشوارع أو في الحدائق ونتناول الطعام في مطاعم يحبها. كنا نتحدث في كل شيء وكان لا يتحفظ في حديثه أبداً ولكنه كان يتمنى عليّ أن أمتنع عن النشر إلا ما له علاقة بتصريحات رسمية تقتضيها ظروف منصبه الرسمي. في إحدى المناسبات كنا نتحدث عن الاطباق الفرنسية واليمنية الموسمية وأخبرته أني أفضل طبق الهليون في مطالع الربيع وأكد لي أنه يوافقني الرأي ووعدته أن آتي له بهليون يزرعه في حديقته وهكذا كان لكن الزراعة لم تنجح بسبب ضعف خبرة “الجنيناتي” الذي يهتم بحديقته.
وكنت قد صممت أثناء أعداد كتابي عن التاريخ السياسي لليمن، في النصف الثاني من التسعينات، أن أقدم أبرز وجوه النخبة السياسية من السلطة والمعارضة على حد سواء حتى لا تختصر السلطة بشخص الرئيس ولا شيء غيره في اليمن وقد رحب الدكتور عبدالغني ترحيباً كبيراً بالفكرة ووافق على أن نجري جلسات خاصة في هذا الصدد على هامش لقاءاتنا.
عقدنا على ما أذكر ثلاث جلسات لكن المشروع الذي بدأته تخلف بسبب ضغوط العمل وتباطؤ العدد الأكبر من الذين اتصلت بهم في الرد على اسئلتي واغتنم المناسبة لاعتذر من الذين استجابوا وضاع وقتهم بسبب فشل المشروع وهم عشرة أشخاص فقط وقد فضلوا حينذاك إرسال ردود مكتوبة ورسمية ما عدا الدكتور عبد العزيز عبد الغني والجنرال يحي المتوكل والأستاذ جارالله عمر وساقدم هنا شهادتي حول الدكتور عبدالغني على أن اغتنم مناسبة أخرى لتقديم شهادتي المتوكل وجارلله عمر وهما أيضاً صديقين عزيزين شاءت الصدف أن يغيبا بحادثين مؤسفين. تبقى الإشارة إلى أن عبد الغني قضى في تفجير “جامع النهدين” الذي استهدف الرئيس الراحل علي عبدالله صالح ومساعديه المقربين.
اليوغا
سألت الدكتور عبدالغني أن كان يتناول أدوية مهدئة للأعصاب، إذ لم أره مرة منفعلاً أو غاضباً على الرغم من وجود ألف سبب وسبب للغضب و التوتر في اليمن، فضحك طويلاً ثم قال “… أنا أمارس اليوغا. لست مؤمنا بعقيدتها. امارسها كرياضة. لقد أفادتني بمفهومها الأساسي وهو أن العقل والجسد شيء واحد. اليوغا مفيدة جداً. عندما تتوتر خذ نفس. هذا أحد أبرز تعاليمها. كل الرياضات المعروفة مبنية عموماً على كيفية تنظيم التنفس. وأنا استفيد منها. فبدلاً من أن تنتقم وتصيح، يمكنك أن تضغط قدمك أو تشد على يدك عوضاً عن أن تضغط على الدماغ وتنفجر. ساعدتني اليوغا كثيراً. امارسها كرياضة وليس كمباديء كما ذكرت لك. ذلك أن التعمق فيها يفترض نمط حياة معينة فعليك ان تتبع نظام أكل معين وأن تكون نباتياً. بعض الصوفيين عندنا كان يأكل الزجاج. كنا نراهم زمان يمارسون هذه العادة أو يضربون أنفسهم بالجنبية “وابتسم قائلاً “.. إذا تعمقت في اليوغا ربما عليك أن تمشي على المسامير “
تعلق عبد العزيز عبد الغني باليوغا يفسر كيف تمكن من أن يبدأ حياته في الصفوف الأولى في عهد القاضي عبدالرحمن الإرياني والعهود التالية. بداية يصف القاضي بالقائد المحنك خصوصاً أن سنوات حكمه الأولى كانت عصيبة جداً، ويروي تعرضه لمحاولة اغتيال في بداية حكمه إذ استهدف منزله خلال حصار السبعين بـ12 قذيفة فاضطر للإقامة في منزل الشيخ محمد علي عثمان. لكنه اجتاز تلك المرحلة بنجاح وأقام السلام بين اليمن والسعودية عام 1971 وقال عبدالغني أن منصبه الأول في وزارة الاقتصاد جاء عبر علاقاته الحميمة بالفريق حسن العمري بعد أحداث أغسطس عام 1968 و”كنت أشعر برهبة في منصبي الأول وزيراً للاقتصاد “
كان الفريق العمري يعطي صلاحيات واسعة للوزراء ويحترم الكفاءات والاختصاصات. كان شجاعا ولولاه لما نجح اليمنيون في كسر الحصار حول صنعاء وكان منسجما مع القاضي الإرياني ويكملان بعضهما البعض لكن القاضي عبدالسلام صبرا كان حمامة السلام بينهما فان اعتكف العمري يعيده عبدالسلام صبرا إلى موقعه الرسمي”
بيد أن موقع عبدالغني قد اختلف تماما في الولايات التالية فهو سيكون بين رجال الصف الأول في عهود إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي وعلي عبدالله صالح معا وعن تلك الفترة يقول “..اختياري في هذه العهود ما كان يستند إلى كوني زعيما لحزب أو لحركة سياسية. كنت تكنوقراطيا تحتاجه الدولة بغض النظر عن رئيسها. تسلمت منصبي الأول كوزير للاقتصاد لأنني درست الاقتصاد في الولايات المتحدة الأمريكية. وعملت محافظا للبنك المركزي وهذا أيضاً من اختصاصي. كان خريجو الولايات المتحدة قلة يعدون على الاصابع”
وأضاف “.. دعاني إبراهيم الحمدي ذات يوم وقال لي نريد ان نعينك رئيسا للوزراء. قلت وهل اصلح لهذا المنصب. فقال لي أنا زيك شوف كيف وقعت رئيس دولة والحمدالله مشت الأمور بالتعاون مع الإخوان المحيطين بي”
وأوضح “..كان من بين الوزراء الذين اخترتهم. بالتشاور مع الحمدي كل من الدكتور عبد الكريم الإرياني ومحمد الجنيد وهم ما زالوا في الحكم حتى اليوم ومنهم أيضاً يحيى حسين العرشي وعبدالله الاصنج وعبد الله الكرشمي. كنت عضواً في مجلس القيادة في عهد الحمدي وكان معنا يحي المتوكل. أنا أرى أن فكرة التكنوقراط مفيدة لأن الناس لا تنظر إلى الشخص على إنه فئوي أو مرابط بجهة معينة وينتهي معها إذا انتهت. لم أكن مصنفاً في خانة معينة. أو في دولاب معين. كنت مصنفا بانني مع كل الناس”
وهل يمكن لتكنوقراط ان يجتاز العهود بسهولة الن يكون مدعاة للحذر من عهد انقلب على عهد ونحن نعرف ان لكل عهد رجاله في اليمن وغير اليمن ” … عندما تولى الغشمي السلطة لم يغير سياسة الدولة اعتبر نفسه امتداداً للحمدي ومثله فعل علي عبدالله صالح هم ينتمون إلى مجموعة 13 يونيو نفسها. في العهود الثلاثة كان هناك أحترام للتخصص والمتخصصين. كنا نناقش المسائل المطروحة ثم نعمل على التنفيذ. لقد تأسست في عهدي وزارات النفط والصناعة.”
بالعودة إلى اليوغا وعلم النفس اللذين ينتميان إلى عالم واحد وبالتالي كان ينبغي لرئيس الوزراء اليمني أن يكون غارقا في هذا العالم إلا أنه فاجأني بالقول ” … في الحقيقة قراءاتي ليست كثيرة في علم النفس وفي غيره. بالكاد أجد الوقت الكافي للتوقيع. ولو كنت رئيسا للوزراء في أوروبا لربما كانت قراءاتي واسعة أكثر. طبعا قرأت علم النفس في الجامعة وفرويد بصورة خاصة رغم أنه صعب وتتسع قراءاتي المتنوعة فقد استمتعت بقراءة براترند راسل والدكتور زكي نجيب محمود واقراً مقدمة ابن خلدون باستمرار. قرات مكيافيللي ولست معجبا بنظرياته. في فترة مبكرة من حياتي قرات راس المال والبيان الشيوعي لكارل ماركس. ما كان ممكنا للشاب الذي كنته أن يتخلف عن قراءة هذه الكتب في تلك الفترة. أذكر جملة سمعتها من أحد الأساتذة: لو لم يكن ماركس موجوداً لوجد ماركس. التجربة السوفييتية غنية جداً لكن المشكلة تكمن في تحجر الماركسية”
في إحدى الجلسات حدثت الدكتور عبدالغني عن استهجاني لتنظيم احتفال في إحدى الدول الخليجية عزفت خلاله فرقة كلاسيكية اثر كارل اورف الخالد ” كارمينا بورانا ” وهي تمجد الدنس إذ كيف يمكن لدولة متدينة أو على الأقل تعتبر أن الاسلام دين الدولة أن تحتفل باثر كلاسيكي يمتدح الدنس فقال لي إنه هو أيضاً لم يكن يعرف هذه الخلفية لكنه اعرب عن تفضيله ل بيتهوفن.. عندي كل سيموفنياته وشوبان أيضاً. واوبرا عايدة ل فيردي. والفصول الأربعة لفيفالدي لدي فيديو خاص عنها. وأنا متعلق بموسيقى الجاز وبخاصة مايلز ديفيس كنت مواظبا على سماعه في الولايات المتحدة. لقد جربت كثيراً أن أحب ارمسترونغ لكنني لم أفلح لأن صوته اشبه بصوت الثور “
رئيس الوزراء الحداثي يجب أن يكون متعلقاً أيضاً بالفنون الأخرى كالسينما والرسم والشعر والادب ”..كنت أحب الرسم خلال دراستي وما زلت. واختلف مع كثيرين في تقديرهم لبيكاسو كلما تمعنت وتعمقت في أعماله ستجد أنه عبقري حقا زرت الهرميتاج مراراً وكنت أستمتع بلوحاته. كل خط من خطوطه يحمل معنى. غيرنيكا لوحة عظيمة. أعجبت أيضاً ب غويا. ورامبرانت وسلفادور دالي “
واستدرك قائلا”.. لكني معجب بالرسم الكاريكاتوري وبخاصة بهجت وبهجوري وعبد السميع وأولهم ناجي العلي الذي اعتبره عبقريا واعتبر مقتله خسارة كبيرة “
وماذا عن السينما حيث لا سينما في صنعاء علما أن رواية متداولة تقول إن تاجراً جاء إلى الإمام احمد بمشروع افتتاح سينما في صنعاء فقال له نعم يمكنك فتح سينما في صنعاء بشروط ثلاثة: أولاً تمتنع عن عرض أفلام اباحية ثانياً إلا تفتح السينما وقت الصلاة وثالثاً أن يكون الدخول مجاناً. ابتسم الدكتور عبد العزيز عبد الغني وقال إن هذه الرواية متداولة ولكنه لا يستطيع تأكيد صحتها من خطئها واعرب عن ميله ل الافلام الفكاهية ”..أحب اسماعيل ياسين والأفلام الجادة أيضاً لكن وضعي في العمل لا يتيح لي الاطلاع على ما أحب. أتابع بعض المسلسلات. وبعض الافلام شاهدتها مرارا مثل ذهب مع الريح. بعض الأفلام الاستعراضية مازالت تعرض حتى الان”
وفي لقاء آخر تحدثنا عن علاقة المثقف بالسلطة وعن مفهوم تجسير الهوة بين المفكر والسلطة الذي طرحه ذات يوم احد المثقفين المصريين الكبار فبدا لي مسحورا بتجربة جان بول سارتر مع الجنرال ديغول قال ”..اعجبتني مقولة سارتر الشهيرة انا لا اؤمن بالله لكني احترمه لأنه اكثر تواضعا من الجنرال ديغول. علما ان استقرار فرنسا ما كان ممكنا بدون ديغول ودستور الجمهورية الخامسة. بالمقابل كان ديغول يعرف مكانة سارتر وقد قيل له ذات يوم انه يوزع جريدة ممنوعة وانه يتوجب اعتقاله فقال عبارته الشهيرة : هل تريدون مني ان اعتقل فولتير “
واوضح لكن بعض الزعماء كانوا مثقفين ويجمعون السياسة إلى الثقافة ومن بينهم ماو تسي تونغ.كان شخصية عظيمة ومفكرا عبقريا كنت معجبا بكتابه المسيرة الكبرى وكتابه الاخر حول الفن والادب لكني غيرت راي منذ اندلاع الثورة الثقافية و بقيت معجبا ب شو ان لاي. كنت انظر اليه بوصفه تكنوقراطيا استطاع ان يقارع الاستعمار الفرنسي والأمريكي ويخلق اسطورة المقاومة الفييتنامية وقد خلف وراءه بلدا يمكنه ان يدخل بسرعة إلى العصر.وعلى الرغم من كونه مثقفا وسياسيا في الان معا فأنني لم اعجب كثيرا ب تشي غيفارا لأنه يتكلم عن الحقد المقدس. كان حالما اكثر من اللازم “
كان الراحل عبد العزيز عبد الغني محبا للشعر وقد ارشدني لأجمل القصائد اليمنية واكد لي أنه يقرا بعض الشعراء اليمنيين ويعيد قراءتهم مرارا ومن بينهم ” الاستاذ الزبيري وعلي احمد باكثير ومحمد سعيد جرادة وعبدالله عبدالوهاب والبردوني والمقالح ونزار قباني “
وتوقف عند الشاعر ادونيس مليا ثم قال ”.. ادونيس صاحبي لكنه صعب القراءة. بعض شعره المقفى ممتاز. جاء إلى صنعاء وكتب قصيدة بعنوان بلقيس اخذت اقلب فيها دون جدوى. فهل يتعمد التعقيد ؟ انه مثقف وعلامة. كتابه الثابت والمتحول عظيم جدا. تقرأ لشعراء غيره وتستمتع لكن البعض الاخر عندما تقرأ لهم تشعر وكأنك طالع إلى جبل نقم مشيا على الاقدام. الشعر مثل الموسيقى. تسمعها لترتاح فما نفعه ان كان متعبا “
حاولت مرارا ان اعرف الشخصيات السياسية التي تأثر بها فكان مقلا في الحديث اشار إلى ديغول وفي العالم الغربي وتحدث عن تأثره بجمال عبدالناصر وفي اليمن قال انه تأثر في صغره بالأستاذ احمد محمد النعمان ومحمد محمود الزبيري ورفض ان يفاضل بين الائمة الذين حكموا اليمن ” انا انتمي لمنطقة عانت طويلا من سياستهم السيئة وتجاربهم لا تسمح لي بالمفاضلة بين واحد واخر منهم “
في حياته الشخصية لم يكن مستفيضا في الكلام ومع ذلك فهمت منه انه يختار ملابسه بنفسه عندما يسافر واحيانا تتولى زوجته هذه المهمة وانه كان يحب صيد السمك عندما كان صغيرا لكنه لا يجد الوقت الكافي للصيد وانه يحب السباحة والسونا ” ومن فضل الاخ حيدر ابو بكر العطاس انه خلف لنا مسبحا في المنزل وسونا ايضا. ” للاشارة هنا إلى ان العطاس بنى منزلا رسميا لرؤساء الوزارة سكن فيه عبد العزيز عبد الغني واخرون وما زال يعتبر المنزل الرسمي لرؤساء الحكومات في اليمن.
لفتني تعلق عبد الغني بحماية البيئة فهو يهتم بالنبات والاشجار المثمرة واشجار الزينة وقد حرص على ان يكون بيته مظللا بها ويأخذ على اليمنيين انهم يهتمون ببيوتهم وبنظافتها لكنهم لا يعبأون بالمساحات العامة كثيرا وكأنها لا تعنيهم. وقال انه يراهن على تغير هذه العادات مع الجيل الجديد الذي يضم اعدادا كبيرة وكادرات مهمة اكثر بما لا يقاس من جيلنا.
الرحمة والمغفرة للصديق الشهيد عبد العزيز عبدالغني

كاتب لبناني

الراحل عبدالعزيز عبدالغني

عناوين قد تهمك:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية