مدرسة سقطرى!

  

أحمد ناجي يكتب: مدرسة سقطرى!


وقفت على أطراف الجزيرة، أتأمل موقعًا به ثلاثة مدافع، تقف إلى جوار بعضها وقد كساها الصدأ، سألت صديقي جمعان: لمن تعود هذه الأسلحة؟ قال لي باسمًا: المدفع الأول للبرتغاليين، والثاني للبريطانيين، أما الثالث فقد نصبه الروس. ثم أردف: لقد رحلوا جميعًا. كل من أتى للجزيرة كان يظن أنه سيرافق الأبد، لكن البحر الذي يقف إلى جوار الارض ابتعلهم دون ضجيج.

في أحد المساءات المقمرة، نسيت الوقت وانا استمع لأحاديث شبان سقطريين، كنت أحاول التقاط كلمات من لغتهم السامية الجميلة، شعرت بالحرج وأنا اعيد نطق الكلمات بطريقة مكسرة. قال لي أحدهم ممازحًا: “هذه لغة اليمن كلها، لكنكم نسيتموها ونحن لم ننس”. حاولت الهروب من خطأ النسيان الجماعي بوعد تعلمها إن عدت للجزيرة.

في شوارع العاصمة حديبو، ترتص الدكاكين، كما ترتص المدن اليمنية في خريطة البلد. مُلّاك المحلات قدموا من قرى اليمن المختلفة. وفي قلب حديبو سوق السمك يبدو كأيقونة اقتصاد سكان الجزيرة. من وسط السوق، ترتفع أصوات الباعة في بداية اليوم، وتخفت حين تنطلق أغاني أبو بكر وأيوب من الأزقة، تبدو أغاني الرجلين كخيوط عابرة للبحر، توصل الجزيرة بأمها دون اكتراث للمسافة.

يوم الجمعة، دعاني صديقي محمد لتناول الغداء في بيته الذي يقع قبالة شاطئ ديحم، قبيل الظهيرة ذهبنا إلى البحر، لاصطياد أو التقاط غدائنا، البحر نقي حد رؤية الاسماك في عمق الماء. يعرف انسان سقطرى جغرافيا البحر كما يعرف بيته، أو يعرف بيته كما يعرف البحر. في قرية محمد التقيت بأحد الأشخاص الذي عاد للتو من صنعاء، التف حوله الأهالي يسمعون منه اخبار المدينة، يسألونه بلهفة عن مشاهداته. في طريق عودتي من شاطئ ديحم، تعرفت إلى عمار الذي رأيته يكثر الأسئلة للعائد من صنعاء. قال لي: زيارة المدينة هي ذروة أمنياتي، أتمنى أن تتحقق تلك الأمنية قريبًا.

عند صعودي لكهف “حوق”، الكهف الأشهر في الجزيرة الذي يقع في قمة سلسلة جبلية تتوسط أرضها، وقفت متأملًا جمالًا غير مألوف لجغرافيا الجزيرة. ورأيت من علو بعض المباني الحديثة، سألت خميس عن تلك المباني، قال: هذه مرافق بنيت مؤخراً من قبل بعض الدول كمساعدات لأبناء الجزيرة. قبل مغادرتي الكهف، أطلق خميس كلمات كوحيٍّ من جبل “حتى وإن جاءت كل الدول زاعمة مساعدتك، ستبقى أسبوعا اسبوعين ثم تذهب، لا يدوم سوى دولتك”، مازلت اردد كلمات خميس حتى الآن.

حزمت حقيبتي لمغادرة الجزيرة، وأنا في طريقي للمطار استوقفني صوت نقي كمياه شاطئ قلنسية، اقتربت من الصوت، طفلة سقطرية تقف على ناصية احدى المدارس، كانت صيحتها “لن ترى الدنيا…”. ورفاقها من وراءها يرددن السيمفونية. حين أكملت سيدتنا الصغيرة نشيدها، غادرت الجزيرة وانا ممتلىء بسقطرى.

عناوين ذات صلة: