صناعة أزمات وتقاسم أرباح من الغاز إلى الخمس: الإدارة الخلفية للحوثيين

  

عبدالرزاق الحطامي

عبد الرزاق الحطامي يكتب: صناعة أزمات وتقاسم أرباح من الغاز إلى الخمس: الإدارة الخلفية للحوثيين


كلُّ ساعة من خراب الحرب قد لا تكفي عشر سنوات قادمة من التنمية والاستقرار لترميم فجواتها الفادحة، التي تلقي بظلال تداعياتها السوداء على مسافة زمنية أطول وأكثر تعقيدًا، مما كانت عليه أثناء الحرب.

على مدى ست سنوات من الحرب الحوثية على اليمنيين تشابكت عدة مصالح وظروف مكَّنت الحوثيين من إنجاز أخطر عملية تدمير للاقتصاد الوطني وكل قطاعاته التنموية والاستثمارية والتجارية، مقابل إحياء اقتصاد الحرب، والسوق السوداء، وتوليد متوالية من الأزمات. وقد أثبت الحوثيون مهارة احترافية في صناعة الأزمات وإدارتها لبناء إمبراطوريتهم المالية الخاصة على أنقاض بلد دمروا اقتصاده كلّيًّا.

من بين 178 دولة في العالم احتلَّت اليمن في تقرير البرنامج الإنمائي للجمعية العامة للأمم المتحدة المركز الأول في مؤشر الدول الهشّة للعام المنصرم 2019م، ولم تكن هذه الهشاشة سوى إحدى مظاهر الخراب الشامل الذي نجم عن الجائحة الحوثية كنتيجة طبيعية لسلوكها الإرهابي والمعادي اليمنيين كبلد وشعب وتاريخ وحضارة.

وخدم عامل الوقت في الحرب الحالية الممتدة على نصف عقد من الزمن ميليشيا الحوثي في تطوير آلياتها، وتعديد وسائلها في صناعة الأزمات وإدارتها، فالخبرة هي بنت الزمن والتجربة الطويلة، أضف إليها الاستفادة المباشرة للحوثيين من تجارب سابقة لميليشيات إيرانية في المنطقة العربية، كحزب الله الإيراني في لبنان، وميليشيا الحشد الشعبي في العراق، وتجربة الحرس الثوري في الداخل الإيراني، ما حدّ من نسبة الآثار المرتدّة سلبًا على الحوثيين في كلِّ جريمة اقترفوها في حقِّ الشعب اليمني.

وسواء تصدّرت اليمن التقارير الدولية في مؤشرات الهشاشة والفشل، أو تذيلت قوائم السعادة والشفافية والصحة والدخل؛ فما مِنْ خطوات فعلية على أرض الواقع يمكن أن تمثّل بارقة أمل وبصيص تفاؤل من واقع المؤشرات الحالية لبلد يتّجه إلى هاوية المجهول الذي بات معلومًا بوضوح.

من اسطوانة الغاز إلى جائحة الخمس
من الظاهر أن ميليشيا الحوثي انتهجت عملية التدمير الكلّي للاقتصاد الوطني اليمني على تراتبيّة متدرّجة في الزمن والوسيلة بما يحقق لها غايتها الميكافيللية بالتقسيط الذكي والمريح، بحيث تفقد الأزمة الأولى تأثيراتها الصادمة، تحت وطأة أزمة أخرى أشدّ وطأة، فكلُّ نافذة يفتحها الحوثيون من الجحيم تفتح وراءها بابًا وأكثر على اليمنيين جميعًا، وليس فقط على مواطني محافظات السيطرة الحوثية.

بدأت الجائحة الحوثية من اسطوانة الغاز ودبّة البترول، في موجة جرعة الزيادة في المشتقات النفطية التي أقرّتها حكومة الوفاق الوطني في 2014م ضمن خطة الانعاش للاقتصاد الوطني المهيض.

كانت حكومة الوفاق الوطني قد بدأت فعلًا في تحقيق إنجازات ملموسة على مستوى المعيشة الفردية والاقتصاد العام، فتراجعت أسعار مواد غذائية، وثبتت أخرى على سعرها، واستقرت العملة المحلية عن تدهورها، وظلّ سعر الدولار على فارق صرف 215، وتمّ توظيف الآلاف من الخريجين الجدد في مختلف أجهزة الدولة، واعتمدت درجاتهم الوظيفية ومرتباتهم الشهرية في زمن قياسي يعدّ لحظة طافرة في تاريخ الوظيفة اليمنية العامة، وربما في تاريخ اليمن الجمهوري.
بدأ اليمنيون يلمسون حالة من الاستقرار الاقتصادي، وألغت حكومة الوفاق حينها، اتفاقات اقتصادية دولية مجحفة بحق اليمن.

وانتهز الحوثي القرار الحكومي بزيادة أسعار المشتقات النفطية لإعادة إنتاج كهنوت أجداده البائدين من بوابة الماضي الذي انفتح أمام جحافل جائحته على مصراعيه، ليعبر إلى الدولة والسلطة على طروادة الجرعة واسطوانة الغاز، وليدفع اليمنيون الثمن أضعافًا مضاعفة وجرعًا متتالية، وأزمات هي اليوم كلّ ما لدى اليمن الذي لا يملك شيئًا غير أزماته المزدهرة، حوثية الصنع.

مشروع الحوثي في تدمير الاقتصاد الوطني وإفقار اليمنيين عبر برنامج التجويع والتجريع، بدأ بجريمة تفكيك الدولة من صميم بُناها الداخلية ومؤسساتها الرسمية، ومن عمق الكينونة الجمهورية للدولة، وهويتها الاعتبارية في الوظيفة والإدارة والقرار والمال والسلطة، ومن ثم إعادة تركيب الدولة بعد التشليح وفق استراتيجية الحوثنة الهيكلية الشاملة للدولة بكلِّ ارتباطاتها ووظائفها العامة، أي إن الحوثيين بدأوا فور إسقاطهم الدولة في بناء دولة داخل الدولة، دولة ورائية ضاربة العمق وكاملة البنى الوظيفية، لكنها خاصة بشريحة الحوثيين فقط الذين تم إحلالهم في الوظائف الفنية والإدارية في مشروع حوثنة حثيث، وتم إدراجهم ضمن كشوفات الرواتب العامة، سواء بأرقام مالية ووطنية كانت لموظفين آخرين غير حوثيين تم فصلهم بحجج شتى أم بأرقام مالية ووطنية مستجدة منذ 2014م، وهو عام الجائحة الحوثية.

لم يكن ذلك سوى ما لاح من رأس جبل الجليد، ففي الواقع ما كان إدراج أسماء الحوثيين في كشوفات الوظائف والرواتب بالإحلال أو الإبدال أو الاستجداد الوظيفي سوى طلاء تغطية لما يحدث في الكواليس المغلقة على الدولة الحوثية الخاصة، إلى جانب أن هذه الإضافة لآلاف الحوثيين في كشوفات الدولة اليمنية الرسمية كانت أيضًا بغرض زيادة خير فيما لو تمَّ التوصّل ضمن جهود السلام برعاية الأمم المتحدة إلى صرف الرواتب لكلِّ موظفي الدولة الذين قطع الحوثيون رواتبهم منذ أغسطس 2016م، وهذا الغرض تضعه ميليشيا الحوثي على دكّة الاحتياط، فهدفها الرئيسي من إدراج عشرات الآلاف من الأسماء الحوثية في كشوف موظفي الدولة في وزارتي المالية والخدمة المدنية هو إيجاد نقطة خلاف حاسمة مع السلطة الشرعية التي سترفض بالطبع الموافقة على أية آلية صرف للرواتب إلا بكشوفات ما قبل أيلول سبتمبر 2014م.

أما ما خفي من جبل الجليد فهو أن الموظفين الحوثيين الذين استجدوا ضمن برنامج الحوثنة العامة للإدارة والوظيفة في مختلف أجهزة الدولة اليمنية الخارجية يتقاضون رواتب شهرية مضاعفة مع بدلات ومكافئات سخيّة ضمن كشوف الدولة الحوثية الداخلية، وهم يتقاضون رواتبهم الداخلية بانتظام وقبل اكتمال الشهر من كشوفات دولتهم الخفية، إضافة إلى استفادتهم القصوى من فوائد وجود أسمائهم في كشوفات الدولة المتداولة خارج أسوار الدولة الحوثية الخلفية.
وقد أسهمت استراتيجية الدولة الحوثية العميقة والمنفصلة عن كلِّ مجريات الواقع خارجها في تعزيز مشاعر الانتماء والولاء العنصري السلالي للحوثيين، وتماسك كيانها كلّ هذه السنوات، وتعامل المنظمات الدولية والأمم المتحدة مع الحوثيين كدولة داخلية مستقلّة وناجحة، ليطول في المقابل أمد الأزمة اليمنية، وتتفاقم معاناة ملايين اليمنيين تحت أطلال دولة لا تعني المجتمع الدولي، وفي عالم آخر لا يراه الحوثيون ولا ينتمون إليه.

ولم تأت جائحة الخمس الحوثي التي فجّرت جدلًا وسخطًا شعبيًا واسعًا من خارج هذا السياق.

– نقلاً عن مجلة المنبر اليمني

عناوين ذات صلة: