متى سيخدمنا الإصلاح كشعب؟

  

محمد دبوان المياحي

محمد دبوان المياحي يكتب: متى سيخدمنا الإصلاح كشعب؟


في اللحظات التأريخية من حياة الشعوب، يتطلب الأمر نخبة سياسية مغامرة وشجاعة، تتمكن من تحريك الأمور والدفع بها نحو مخارج ممكنة لمصير الشعب، وبدون وجود هذه النخب المستعدة للتضحية، يغدو مصير الشعب معلقًا في الجحيم أو رهينة لقوى تتنازعه لتحقيق أطماعها كيفما تشاء.

الأحزاب السياسية هي أحد قوى ومكونات الشعب الحاملة لقضاياه، والغاية النهائية لأي حزب هي خدمة الصالح العام للأمة، وحين تتعطل كل طرق العمل المدني ويجد الشعب مصيره عالق بين تجاذبات قوى ومصالح خارجية وداخلية لا يهمها أمره، يعول الناس على القوى الحية في المجتمعات والكيانات السياسية الفاعلة لصناعة مخرج من حالة التيه والانسداد.

تعيش اليمن اليوم حالة من الشتات الكبير والمصير المجهول، فالبلاد ممزقة بين أطراف داخلية متعددة، والحكومة الشرعية شبه معطلة والرئاسة مسلوبة القرار وربما مختطفة لدى الحلفاء، وأمام وضع كهذا، من الطبيعي أنويفتش الناس عن قوة وطنية لها حضورها وفاعليتها وينتظرون منها موقفًا وطنيًا شجاعًا؛ يكسر حالة الانسداد ويفتح مسارات جديدة للخلاص.

ومن هذا المنطلق، من الطبيعي أن يحتشد الناس خصومًا ومؤيدين ليسألوا متى سيخدمنا حزب الإصلاح..؟ متى سيُقدمنا على نفسه، وسيفكر بنا قبل التفكير بربحه أو خسارته..؟
يعد حزب الإصلاح أحد القوى التي يؤمل فيها المجتمع أن تصنع فارقًا في المصير..فإذ لم تتمكن قوة سياسية بحجم الإصلاح من فعل شيء في لحظة كهذه، فلا قيمة عملية لقوة الحزب، بل يغدو أقرب للقوة المعطلة لجانب أن انكفاءه على ذاته، يعني أنه فرط بمسؤوليته الوطنية وخذل الشعب الذي يدعي خدمته والدفاع عن مصالحه.

وبعيدا عن كل المخاوف والتبريرات التي يمكن أن يسوقها الإصلاح؛ للتملص عن دوره التأريخي وتبرير سياسته الخاملة_ ومهما كانت هذه المبررات تحمل قدرا من المنطق_ إلا أن واجبات اللحظة التأريخية تتجاوز كل ذلك، وتبرر أي تضحية يمكن أن يقدمها الحزب في سبيل اجتراح مخرج للبلاد.

يستطيع حزب الإصلاح أن يفعل شئيًا، لحلحلة الوضع المسدود؛ لكنه لا يرغب بفعل ذلك، فهو يدير مواقفه بحذر وخوف ولا يتجرأ على اتخاذ أي موقف، فيه قدر من المغامرة وبما يتناسب مع متطلبات اللحظة التأريخية، وحاجتنا لمواقف تتجاوز الدبلوماسية لتحمل قدرا من البطولة وروح التضحية.

فالحزب له نفوذه في الرئاسة والحكومة والجيش، ويمكنه الدفع بإتجاه مواقف أكثر وضوحًا وشجاعة؛ كي يعيد تصويب المسار المختل. لعل أهمها رفع مستوى الخطاب تجاه التحالف وبالتحديد مكاشفة السعودية بلغة تتجاوز المنطق المعتاد ومطالبتها بموقف واضح مما يجري أو تحميلها مسؤولية ذلك، لجانب رفض حالة الوصاية على القرار السيادي اليمني وتحرير القرار العسكري والبدء بترتيبات عملية بهذا الإتجاه، ثم الذهاب أبعد من ذلك للمطالبة بطرد الإمارات أو انهاء عمل التحالف كليًّا في البلاد.

قد يبدو الأمر نوع من المجازفة السياسية الغير محسوبة، لكن الحقيقة أن واقعنا صار فادحًا وما هو ممكن للإصلاح فعله اليوم، قد لا يتمكن منه غدا، وما عادت الدبلوماسية والمنطق الحذر قادر على تلافي الخسارة، ولا يمكننا أن نحقق خلاصًا ما دامت النخبة متمسكة بنفس المواقف السياسية الرتيبة والمنطق المخاتل.. وفي مقدمتهم حزب الإصلاح.

نحن أمام وضع بلغت الشرعية فيه ذروة الهوان والأرض تتحرك من تحتها كل يوم، وبقدر ما تعاني من تكبيل هي أيضًا مكبلة لنفسها، ولا تجيد استخدام خياراتها المتاحة..ومن المهم أمام وضع كهذا، ألا يربط الإصلاح موقفه كليا بموقف الشرعية، فإذا كانت الشرعية رهينة للتحالف، فما هو وضع الإصلاح كحزب يُفترض أنه كيان مستقل وليس متماهٍ مع الشرعيةحتى مع امتلاكه لنفوذ كبير فيها يجدر به أن يحتفظ بخيط فاصل ويكون متقدم على الحكومة في مواقفه من التحالف، أما وقد ربط مصيره بها كليًّا، فلن يكون مصيره بأحسن حال منها في حال السقوط الكبير..
وهذا ليس أمرا يخص الإصلاح وحده، بل كافة النخب يتوجب عليها فعل ذلك، لكننا نخاطب الإصلاح بوصفه حزبًا فاعلًا وما نزال نعول عليه للخروج من سياسة التوجس والإنحياز لنا في هذه اللحظة العصيبة.

الخلاصة: يريد الإصلاح أن يراكم أكبر قدر ممكن من المكاسبوذلك حقه بالطبعلكنه لا يريد أن يضحي بشيء من أجل الخلاص الكبير، فهو يحرص على أن يصون مكتسباتت ممكن بالتوازي مع أقل قدر من التضحيات، إلا أن هذا المنطق البراجماتي، بقدر ما هو جيد؛ لكنه في اللحظات الاستثنائية من حياة الشعوب، يغدو طعنة أخلاقية في حياة أي كيان سياسي، نوع من الأنانية العدمية، حيث الحزب يخشى خسارة أي مكسب خاص وفي سبيل حفاظه على ما تحت يديه يفرط بوطن كبير.

عناوين قد تهمك: