الحجرية: بوصلة اليمن وشوكة ميزانه

  

موسى عبدالله قاسم

موسى عبدالله قاسم يكتب عن الحجرية: بوصلة اليمن وشوكة ميزانه


إذا كنت تبحث عن قلمٍ رشيقٍ مُفعمٍ بالحيوية الوطنية، فلن تجد سوى قلم القيل عادل الأحمدي، القيل الذي يحيل اليراع تارة إلى ريشة رسّام ماهرٍ راسماً قسمات الإنسان اليمني وكأنه يعيده إلى سيرته الأولى، وتارة أخرى يُحيلهُ إلى مبضع خبيرٍ متمرّسٍ فيغوص في كُنه هذا الإنسان ومكنونه، مشرّحاً تكويناته، سابراً تضاريسه، وكأنه يفتّش في أعماقه عن النقوش المخبوءة فيه منذ سبأ الأول، فيتجلّى في استخراج المآثر واستنطاق النوادر.

نعم، الحجرية هي فاتحة الكتاب وخاتمته، هي مبدأ العبارة الوطنية وخبرها، فعلها وفاعلها، هي أول محبرة وآخر طبشور في تاريخ اليمن المعاصر.

الحجرية هي تاريخ الانسان الممتد من وُحاظة حُبيش ذي الكلاع مروراً بمطارح شرعب السكاسك والسكون وصولاً إلى شماريخ المقاطرة وأوديتها الخصيبة، هي تأريخ الأقيال في إقليم المعافر بن يعفر وذي الكُلاع بن الهميسع، هي جغرافية الانسان التي انشتل منها عالم الأمة ومحراب الأئمة مالك بن أنس الأصبحي الحميري، ومُشِجَ منها بطل الحروب والنصر الذي أرْكع الهامات في الأندلس، محمد بن أبي عامر المعافري.

الحجرية هي ذلك الإنسان اليمني الذائب في ثرى موطنه، المتماهي مع ذراته، الإنسان الذي ملأ الأرض عنفواناً ودهشة، الانسان المُنتج، المعتمد على ذاته، المستلهم تاريخ أجداده أقيال اليمن، الإنسان الذي حوّل “السوا” إلى عاصمة تجارية مرموقة فكانت فناراً تجاريا باذخاً وملتقىً جامعا للتجارة على ضفاف البحرين.

الحجرية ليست قرىً متناثرة على تخوم الجبال وبطون الأودية، إنها ذلك الإنسان الذي إذا حلّ في أيةِ أرض استوى عوده واستغلظ، وتدلّى ثمره وأيْنع، فكان مضرب المثل ومثار الإعجاب، الحجرية ليست منطقة جغرافية كما يسعى البعض لاختزالها، لاسيما أولئك الذين تكلّست في أحشاء جماجمهم عُقد الماضي وصراعاته، ويسعون بقضهم وقضيضهم للاستجرار والاستمرار.

هي بوصلة الوطن وشوكة ميزانه، مُذ عرفت نفسها، هُويةً وانتماءً وولاءً وتضحية، لا تعرف مُتّجهاً آخراً غير معبد الشمس، ولا متن كتاب سوى النقوش المسندية؛ هي السخاء الوطني لعلي عبدالله الحكيمي وعبدالغني مطهر، هي بسالة النعمان أحمد ومحمد، ورفض الفضول وعنفوانه الوطني، هي لحن زرياب الوطن أيوب وترانيم عبدالباسط الشجية، هي ثبات “الوحش” عند تفرّق الجموع وصيحة الجمهورية أو الموت الخالدة، التي لا تزال تتردد حتى يومنا هذا في سهل اليمن ووعْره، هي ذلك الإنسان الذي فتح قلبه على مصراعيه ليرتوي الوطن الذاوي بعد طول مسير ومسيرة.

وكما أن تعز قلب اليمن كما يحلو لمحبيها وصفها، فإن الحجرية الإنسان هي أوردة هذا القلب النابض بالحياة، الدافق دون توقف، الباذل دون منّ، الواثب دون انكفاء أو تراجع.

عناوين ذات صلة: