دراسة الحديث النبوي: “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”

  

رمز كاتب قلم

قراءة د. لمياء الكندي في دراسة الحديث النبوي: “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”


مجددا يضعنا الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالعزيز اليمني، أمام أحد أبحاثه التي عنيت بدراسة الممالك والقبائل اليمنية، من منظور ديني وتاريخي يستمد أصوله من مرويات الأحاديث النبوية الشريفة، التي قيلت في السياق والتي خضعت لتحقيق حصيف من قبل الباحث، بداية من البحث في صحة الأحاديث عبر تتبع سلسلة الرواة في كتب الحديث والسند، مرورا بالشواهد البشرية والمادية التي تؤكد صحت هذه الرواية أو تلك.

وفي دراسة الحديث النبوي “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”، أولى الباحث اليمني الحديث، قدراً استثنائياً من البحث والتحقيق، حيث كان خاتمة لحديث طويل عن النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، تحدث فيه عن فضل بعض القبائل والرجال، هذا الفضل الذي لم يرتكز على أسس المفاضلة البشرية، أو التمييز العنصري أو أي شكل من أشكاله، ولكنه فضل التقوى وشرف الانتماء للدين الجديد” الإسلام” ومناصرته.

ويأتي هذا الحديث ضمن عرف خاص عرف به الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: بإيتاء كل ذي حق حقه، وكل ذي فضل فضله. إذ في ذات الحديث جاء قوله “بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان إلى لخم وجذام وعاملة، ومأكول حمير خير من أكلها، وحضرموت خير من بني الحارث، وقبيلة خير من قبيلة”.

وتعد لخم قبيلة من القبائل اليمنية القحطانية وهم بنو لخم بن عدي بن الحارث بن مره يمتد نسبهم إلى يعرب بن قحطان، وقد سكنت هذه القبائل العراق والشام قبل الإسلام، ومصر وإفريقيا والأندلس بعد الإسلام.

وجذام قبيلة يمانية قحطانية كثيرة العدد نزلت الشام قبل الإسلام، ثم انتشرت في مصر وإفريقيا والأندلس، وهم بنو جذام بن عدي بن الحارث بن مره يصل نسبهم إلى زيد بن كهلان أخي لخم بن عدي سابق الذكر.

وعاملة من القبائل اليمانية القحطانية التي خرجت من اليمن عند سيل العرم ونزلت الشام فهم بنو عاملة واسمه الحارث بن عدي، ليلتقي نسب كل من لخم وجذام وعاملة مع أبناء زيد بن كهلان بن سبأ فقد كانوا أخوة ومنهم تشكلت هذه الفروع للقبائل القحطانية.

وفي ظل العناية التي أظهرها الرواة من حيث السند والذكر له، فقد أورد الباحث اليمني مجموعة من القرائن التي تزيد من فرضية صحة الحديث، منعا لأي جدل حول صحته، من خلال العديد من الاستدلالات والشواهد التي ترجح صحة حديث “أكثر القبائل في الجنة مذحج”.

وفي السياق، استند الباحث على أحاديث وشواهد عن النبي عليه الصلاة والسلام، تطرقت إلى بعض الصفات والأحكام التي أوردها الحديث وقرانها بمرويات أخرى مشابهة، كـ أحاديث اللعن والمدح والذم التي قيلت في هذه القبيلة أو تلك، كما روي عنه عليه الصلاة والسلام أحاديث أخرى عن فضل أهل اليمن، وجميعها شواهد تثبت صحة هذا الحديث، و أحاديث أخرى تحدثت عن بعض صفات أهل الجنة. وقد دلت هذه الشواهد على صحة الحديث الذي أخرجه البخاري “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”.

أما عن دلالة هذا الحديث من ناحية الأحكام والفوائد، فقد أورد الباحث العديد منها:

أولا: فضل اليمن ورجالها وتقدمهم في ذلك وفيه قوله عليه الصلاة والسلام “بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان” ومنه أيضا حديث “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

ثانيا: التفضيل لليمن في الجملة، حيث أن هذا التفضيل لا يشمل جميع الأفراد والأزمان، وقد كان ذلك التفضيل بسبب ما أبداه أهل اليمن وما أظهرته قبائلها من مواقف تؤكد سبب الفضل المتعلق بموقفهم من الدين الإسلامي.

ثالثا: مزية قبائل لخم وجذام وعاملة. وجميعها قبائل يمانية قحطانية شامية، وهم إخوان مذحج.

رابعا: الفضل في الحديث لم يرتبط بأرض اليمن ومن فيها فقط، بل كان خاصا بكل من ينسب لليمن من القبائل، ولو بعُدت.

خامسا: بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل قبيلة على قبيلة ومن فضله عليه الصلاة والسلام قطعا فهو الأفضل.

سادسا: فنّد الدكتور الباحث محمد اليمني صحة بعض الروايات التي تفضّل “مضر وربيعة” على غيرها، ومنها كانت دعوى وشرف الانتماء القرشي، وحقها في الخلافة وحكم المسلمين، حيث يرجع الدكتور اليمني ذلك التفضيل الذي أورده ابن حزم قائما على كون النبي عليه السلام منهم، وأسقط حجية شرف قريش على غيرها بحكم هذا الحديث الصريح لأنه فاقد للاستدلال.

وعليه فقد فقدت دعاوى القرشية كحق في الحكم والخلافة دعاويها كونها تتعلق بمنصب ديني لا دنيوي محض، وهذا ما يفسر انخراط اليمانين في جيوش الفتح الإسلامي شرقا وغربا تحت راية الخلافة الإسلامية. ولو كان منصب الخلافة منصبا دنيويا مضريا كما زعم ابن حزم، لما فعلوا ذلك بداهة وإلا كانت العصبيات القبلية هي المسيّرة لحركة التاريخ الإسلامي وهو ما تفادت دولة الخلافة إثباته.

سابعا: الفضل في الحديث إنما كان للمؤمنين المتقين، فقط من اليمانية ولا يدخل فيه ممن كفر وعارض دعوة الإسلام.

أما دلالة جملة “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”، فقد خصص لها الباحث مبحثا خاصا لأنها المعنية بهذه الدراسة ويرى الدكتور اليمني أن خاصية المدح في هذا الحديث يرجع لكون مذحج تميزت بميزات وخصائص إيمانية ليست لغيرها، أو أنها جمعت بين الأمرين “الكثرة وزيادة الإيمان”.

وللوصول لدلالة اللفظ كان لابد أن يعرج الباحث إلى معرفة قبيلة مذحج ونسبها وفروعها وبلادها وانتشارها، فـ”مذحج” تنسب إلى مذحج بن ادد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقد تفرعت مذحج وأصبحت من أكبر القبائل العربية في الجاهلية، وتعتبر قبائل “الحدأ” اليوم التي تسكن اليمن فرعا من فروع هذه القبائل، وهي فرع من فرعها.

والى مذحج بن ادد تنتسب قبائل المعافر، وخولان، وكندة، وهي قبائل يمانية جنوبية، في حين أن قبائل طي بن ادد من قبائل اليمن الشمالية وقيل إنهم من أبناء طيء بن مذحج.

ومن نبت بن “أشعر” بن ادد، ظهر الأشعريون من قبائل اليمن الجنوبية وقد تنسب هذه القبائل إلى مذحج من قبل نسبة الرجل إلى عمه، وهذا ما كتبه النسابون في فروعها وأقرب القبائل لها. وبهذا يظهر أن مذحج قبيلة كبيرة تحولت إلى شعب كبير كانت في الجاهلية ساكنة في اليمن وأجزاء من عمان وجنوب نجد، ثم خرجت مع الفتوح الإسلامية إلى خارج الجزيرة العربية فأصبحت القبائل المذحجية من أكبر القبائل في الهلال الخصيب (الشام، والعراق)، وانتقلت بعض قبائلها إلى شمال وشرق أفريقيا، ومنهم من استوطن جنوب وجنوب شرق آسيا بل ووصل الأحواز وبلاد فارس، وخراسان.

ويرجع اليمني اختفاء اسم هذه القبيلة “مذحج” في العصر الحديث إلى كثرة تفرع هذه القبيلة وانتشارها فقد أصبحت كبيرة بالقدر الذي لم تعد تنتسب لها. ومن أسباب اختفاء الاسم أيضا، أن قبائل مذحج تحركت خارج بلادها الأولى قبل الفتح الاسلامي، وبعده دخلت في تحالفات عديدة وكونت قبائل بأسماء أخرى وانتماءات كثيرة.

وتأكيدا لعراقة هذه القبيلة “مذحج” فقد استعرضت الدراسة بعض النقوش الأثرية التي جاء فيها ذكر هذه القبيلة، وحجمها، وأثرها على الواقع السياسي في الجزيرة العربية والتي أشير إليها في كتابات النقوش بـ”كدت ومذحجم” أي كندة ومذحج. وقد ذكرت تلك المصادر الأثرية كونها قبائل قوية فقد كانوا عرباً أشداء دخل قسم كبير منهم في جيوش ملوك “حمير”. وذكر اسم مذحج في نقوش العصور القديمة السابقة لعصر ما قبل الميلاد وارتبط اسم الفرع المذحجي البدوي بـ كندة التي كانت تمثل السلالة الملكية الصحراوية، بينما مذحج تمثل المقاتلين.

ولعل من أهم الصفات التي عرفت بها هذه القبيلة كثرة العدد والانتشار، كما انه لم يكن فيهم رغبة للملك ولا الرئاسة، فقد غلب عليهم الوضع القبلي فشكلوا بذلك اغلب الجيوش الحميرية في إخضاع قبائل مضر وربيعة، وكان لهذه القبيلة تاريخ حافلا بعدم الاستقرار مع مملكة سبأ بخلاف علاقتها مع حمير، إضافة إلى كثرة قتلاها وتضحياتها دفاعا عن معتقداتها الدينية. فواقعة أصحاب الأخدود شاهد على ذلك إضافة إلى دورها أثناء الفتوح الإسلامية شرقا وغربا.

في الختام فإن ما سبق، يمثل عرضا مختصرا لدراسة الحديث النبوي “وأكثر القبائل في الجنة مذحج”، ولا يغني أبدا عن مطالعة البحث كاملا لأن فيه المزيد من الحقائق المهمة التي لم يسعها هذا العرض والتي تثبت دور هذه القبيلة سياسيا واجتماعيا ودينيا على مختلف العصور.

غلاف دراسة حديث أكثر القبائل في الجنة مذحج

غلاف دراسة حديث أكثر القبائل في الجنة مذحج (نشون نيوز)

نسخة الكترونية من الكتاب الرابط التالي:

دراسة الحديث النبوي عن مذحج

 

عناوين ذات صلة: