تأملات ومراجعات في أوراق من ذكرياتي

  

لطفي نعمان

لطفي نعمان يكتب: تأملات ومراجعات في أوراق من ذكرياتي


صفحات تاريخ اليمن المعاصر.. والمتجدد.. تستدعي التأمل أكثر من المقارنة، ومن تلك الصفحات كتاب “أوراق من ذكرياتي” للواء الركن حسين محمد المسوري رئيس أركان الجيش اليمني الشمالي سابقاً (عضو مجلس الشورى حالياً)، وتستوقفنا بعض تلك الذكريات، المدونة للتاريخ في سياق المراجعة والتقويم، عن أزمات المرحلة الأولى من ثورة 26 سبتمبر 1962م والقيادات التي تصدرت مختلف المشاهد. وكذا آراء معالجة أهم الأزمات ومجرى تعقيد إحداها.. ثم ظروف انتهاء تعقيداتها، ودخول أطوار جديدة.

في مطلع عشرينيات حسين المسوري (مواليد 12 سبتمبر 1942م)، اندلعت ثورة 26 سبتمبر بصنعاء التي شارك تفجيرها بعد تحضيرها مع زملائه الضباط الأحرار، تجسيداً للسخط الشعبي من سوء أوضاع وتخلف اليمن تحت حكم الأئمة، وبتدفق التطورات الميدانية عسكرياً وسياسياً خرج، قائداً عسكرياً للدفاع عن الجمهورية الوليدة، يشهد نزيفاً مهولاً للدماء اليمنية والعربية، نتيجة مشاركة المصريين في المعارك مع الجمهوريين مع استنزاف مادي كبير لمقدرات الدولة اليمنية الناشئة يومئذ، بمقابل إنفاق الأموال السعودية دعماً للملكيين، مما جعل القائد العسكري الشاب يستطلع آراء بعض أهل الخبرة والدراية باليمن ومنهم القاضي محمد عبدالله الشامي أحد كبار موظفي العهد الملكي، الذي رشحه قائد الضباط الأحرار (الشهيد علي عبدالمغني) أثناء تحضير الثورة لإدارة شؤون الدولة بعد إسقاط النظام الملكي، لكن الجمهورية فور قيامها قامت باعتقاله ومحاكمته ولما لم تجد عليه ما يدين ويشين، أفرجت عنه فيعود منطقته “كوكبان” حيث شغل المسوري قيادتها عسكرياً، وزار القاضي الشامي يسأله رأيه عن كيفية وقف النزيف اليمني وصدر الجواب المباشر بأن الحل كامن في “إغلاق الخزائن والمخازن”: بأن تغلق السعودية خزينتها على الملكيين ومن إليها من المشايخ، وأن يسحب عبدالناصر جنوده ويغلق مخازن السلاح على الجمهوريين، وسيتفاهم اليمنيون وتبقى الجمهورية.

الأمر استطال حد خلاف الجمهوريين مع بعضهم بعضاً، إلى حد طلب بعض الزملاء والمنافسين، بحسب توصيف المسوري، من القيادة العربية المصرية تسفير الرئيس المشير عبدالله السلال إلى مصر، ومكث هناك فعلاً عدة شهور، تضاعفت فيه المشاكل اليمنية دون تحقيق المرجو من سلام وبناء، ثم أعيد الرئيس السلال بحماية الدبابات المصرية مفاقماً اختلاف الجمهوريين اليمنيين مع القيادة المصرية بالقاهرة “التي لها أهداف ومصالح في المنطقة تسعى لتحقيقها من خلال موقعها في اليمن (…)” وفقاً للمسوري، ثم زجت بالحكومة اليمنية في سجون مصر الحربية وكبار زعماء الجمهوريين اليمنيين سياسيين وعسكريين، ومن معهم من ضباط كان صاحب الذكريات من بينهم..

تقدم مذكرات المسوري مراجعة هادئة ومتجردة لحوادث ومواقف الماضي، ولأنها “أوراق من ذكرياتي” دوّن ملاحظاته ومراجعاته على تلك الذكريات، فيعتبر الآن اختلاف الجمهوريين -وهو من أولئك المختلفين- مما أعاق تقدم الثورة، كما أنه بـ”استيعاب متأخر” حسب تعبيره، لأبعاد مواقف كل طرف على حدة، يرى أن ثمة خطأ سياسي اقترفه اليمنيون باختلافهم مع شركاء المصير من المصريين، ويقدر عدم صوابية اتخاذ قرارات مصيرية دون تفاهم مع شركاء المصير والدم والنضال بدعوى الاستقلال. وإن كان المسوري نفسه بين دعاة استقلال القرار السياسي الوطني، لكنه يرى أن علاقات الدول بعضها مع بعض وشراكة معركتهما تفرض التفاهم الصريح والوضوح بينهما لا التجاوز.

.. تجاوزت الظروف العربية الشأن اليمني “المحتجَز” بالقاهرة، بوقوع الهزيمة أو نكسة 5 حزيران/ يونيو 67م، ويعيد الرئيس جمال عبدالناصر حساباته فيستعين بالملك فيصل بن عبدالعزيز لمواجهة آثار العدوان الإسرائيلي، ثم يقرر باتفاق الخرطوم مع ملك السعودية بوساطة رئيس وزراء السودان محمد أحمد محجوب، الانسحاب من اليمن، ويتم تشكيل لجنة ثلاثية عربية تسعى في الإفراج عن القادة اليمنيين المحتجزين بالقاهرة فيعودون إلى اليمن ليلتقوا الرئيس السلال الذي يتقبل -كما يروي المسوري- تسليم الدفة لقادة تيار التغيير، وفعلاً كلف القاضي عبدالرحمن الإرياني القيام بأعمال رئيس الجمهورية أثناء فترة غيابه، ثم غاب عملياً عن المسرح السياسي بحركة 5 نوفمبر 67م. لم يك المسوري حاضراً وقائع ذاك اللقاء والتكليف غير أنه أحيط بالأجواء العامة وأدرك واقع علاقات شخوص المشهد.

عاد أدراجه باليمن من القاهرة يشارك العمل العسكري والدفاع عن الثورة والجمهورية وأهم التحولات والوقائع والأحداث المفصلية وقتها من آخر 67م حتى منتصف 70م والتي كانت مراحل أشد خطورة من المراحل الأولى للثورة والجمهورية، طبقاً لتقديرات المسوري الموضوعية لتلك المراحل.

انطوت تلك المراحل وانطفأت المراجل بتشكيل حكومات وطنية نجحت كل منها بتحقيق ما تيسر من أهدافها وتنفيذ الممكن من برنامجها. وقد شخَّص المسوري حالة كل رئيس حكومة (الفريق حسن العمري، المهندس عبدالله الكرشمي، الأستاذ محسن العيني، الأستاذ أحمد محمد نعمان، القاضي عبدالله الحجري، والدكتور حسن مكي) والوضع العام المحيط بعمل الحكومة (والمحبط لها كذلك) من واقع تعامل الحكومات مع القوات المسلحة والأمن. وكذا معرفته الشخصية الوطيدة.

من الحكومات من ساعدت إجراء الاتصالات الرسمية العسكرية اليمنية السعودية بواسطة حسين المسوري بوصفه رئيساً لأركان الجيش (منذ تعيينه: أكتوبر 69م). وإحاطة الاتصالات بسرية منعت إحباط جهود المصالحة والتقارب 1970م، بل تحاشى كلا الجانبين، التباهي واستعراض القوة.

فمن حكومة عنيت بمحاربة الفساد، إلى حكومة تحقق المصالحة، ثم ثانية تستهدف معالجة الخلل المالي والإداري، وأخرى تتفق على الوحدة وتنفتح على العالم الخارجي، وحكومة تواجه التخريب، وحكومة تسعى في التنمية والتعاون مع كل الأشقاء والأصدقاء، ثم الانقلاب العسكري (تحت مسمى حركة التصحيح 13 يونيو 1974م) على كل ذلك ليؤول كل مجد وجهد المدنيين لصالح العسكريتاريا اليمنية..!

بسط المسوري في مذكراته (الصادرة في 3 طبعات عن دار الفكر – دمشق) جملةً من الأوراق والمراجعات بأسلوبٍ مهذب ينم عن اعتزاز بالذات المتفاني في العمل الوطني وتقدير واحترام لكل رفاقه وأساتذته الوطنيين، فاستحق الرجوع إليه والانتهال منه كمرجع مهم، يقارب حقائق يختلف الناس حولها.. أما من يقارن بين دقائق الأمور الراهنة والماضية فذاك هو القارئ.. إن أمكنه تحاشي الظلم وجور المقارنة!

عناوين قد تهمك: