عشر ومضات من كتاب “خيوط الظلام: الإمامة الزيدية” لعبدالفتاح البتول (4-4)

  

رمز كاتب قلم

د. لمياء الكندي تكتب: عشر ومضات من كتاب “خيوط الظلام: الإمامة الزيدية” لعبدالفتاح البتول (4-4)


 

– أكدت لنا الأحداث الواردة في هذا الكتاب بما لا يدع مجالا للشك، أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م تمثل مشروعنا الوطني الجامع الذي انعتق من خلاله اليمنيون من أغلال القهر والتسلط الإمامي، وأننا بحاجة إلى استعادة الثقافة الثورية والجمهورية من جديد لمقاومة المشروع الإمامي وتصحيح كل أشكال الانحرافات التي أدت إلى ظهور الإماميين الجدد بعد محاولة اجتثاثهم عبر ثورة شعبية اقتصت لليمن بأكمله من هذه العصابات السلطوية الحاكمة.

ولم يسلم الإماميون لتيار الثورة ولم يتنبهوا أنها لم تعد مجرد حركة رفض أو تمرد يمكن قمعها كسابقتها بل إنها كانت ولا تزال مشروع وخيار حياة لن يحيد عنها اليمنيون مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والحزبية.

فمنذ الإعلان الأول عن البيان الثوري ومبادئ الثورة العامة التي قامت على أساسها الجمهورية في شمال الوطن، حملت الثورة بذور قوتها. هذه القوة التي استوجبت على نظام الإمامة الساقط التكشير على أنياب شراسته بشكل غير معهود حاشدا كل الإمكانيات والبيئات القتالية التي تضررت من هذا الإعلان في الداخل والخارج، وتسخيرها لمحاولة استعادت ملكيتهم الساقطة بين أقدام السبتمبريين الأحرار، وهو ما استوجب فتح جبة واسعة للحرب، حربهم الثأرية ضد الوطن والإنسان.

فعندما رأى البدر الموقف ينهار وقواته الإمامية تتساقط قرر الفرار تحت عباءة التخفي حتى تمكن من الوصول إلى الحدود اليمنية السعودية، مستفيدا من إشاعة مقتله، وبمعاونة بعض رجالات بعض القبائل المغرر بهم، فقد مارس نظام الإمامة سياسة إرهاب القبائل وكذلك شراءها بالمال والذهب للوقوف إلى صفه ومده بالمقاتلين، تحت تأثير السلطة الكهنوتية التي كانت تروج لائمتها أنهم ظل الله في الأرض، حيث لم تخفت الدعاية الامامية في أوساط بعض القبائل التي يتم تجهليها واستعباد قرارها ونزف دماء أبنائها خدمة للإمام والسيد.

فبين الجمهورية الناشئة بكل ما حملت من قيم ثورية وحقوقية للشعب، وبين جحافل الإمامة دارت رحى حرب طويلة استمرت سبع سنوات، كان فيها الخبراء والعسكريون الأجانب المتعاونون مع نظام الإمامة، والذين تم شراؤهم والدفع بهم للقيام بدورهم في إسقاط الجمهورية في الحرب التي اثبتت فيها القوى الجمهورية المدافعة عن صنعاء والمحاصرة في جبالها العتيدة قدرتها البطولية عن الدفاع عن عاصمتهم ودولتهم.

و خلال ذلك تكونت المقاومة الشعبية في مختلف المدن اليمنية للدفاع عن صنعاء مع القوات المسلحة ورفع الجميع شعار (الجمهورية أو الموت)، وكانت ملحمة السبعين يوماً التي بدأت في الأول من ديسمبر 1967م وانتهت في الثامن من فبراير 1968م، ومع شدة الحصار وكثافة النيران إلا أن القوات الجمهورية استطاعت دحر القوات الإمامية وهزيمتها.

ومع تأكيد القضاء على حكم الامامة عسكريا، إلا أن الامامة لم تمت كفكرة وعقيدة من نفوس وعقول الإماميين الذين كانوا ولا يزالون يبحثون عن أي صيغة توافقية تبقيهم على رأس السلطة كبديل يعوض خسارتهم في الحرب.

“وبذلك أدركت القوى الأمامية استحالة المواجهة العسكرية لإسقاط الثورة والجمهورية وبرز من ذلك الوقت الكلام حول المصالحة الوطنية، حيث أراد النظام الجمهوري وقف المعارك الدموية وأراد الإماميون الدخول في جولة من الصراع السياسي والفكري فقد دخل الإماميون المصالحة رهبة لا رغبة وضرورة لا قناعة وكان دخولهم في الجمهورية أفواجاً لنقل المواجهة من الحرب العسكرية إلى الأعمال الفكرية”.

ولقد مثل ذلك التوجه أو التكيف ألإمامي الجديد مع الأوضاع الجديدة، الأداة الفاعلة التي أوصلت المجاميع الحوثية حاليا إلى صنعاء وإعلان انقلابهم على كل القيم الجمهورية والوحدوية التي اعتنقها وآمن بها أغلبية هذا الشعب.

ويشير الكاتب والباحث عبدالفتاح البتول في كتابه هذا إلى دخول التيار الإمامي الملكي في بيات شتوي وعمل سري من الفترة من 1970 – 1990م، غير أنهم تمكنوا فيما بعد من استعادة أنفاسهم الامامية عقب الإعلان عن قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990م الموافق 1410هـ وإعلان الديمقراطية والتعددية السياسية، حيث وجد التيار الإمامي الفرصة مناسبة للانبعاث من جديد، والخروج من العمل السري إلى العلني، والمجاهرة ببعض الأفكار الامامية، ونشر الثقافة السلالية والعنصرية، عبر الكتب والدراسات والبحوث، حيث تم نشر وطبع العديد من المؤلفات والتحقيقات التي تؤكد على وجوب حصر الإمامة في البطنين، وتقدم صورة زائفة عن تاريخ الإمامة وعصر الأئمة.

وكانت بوادر هذه الاستعادة الوجودية لنظام الامامة وزرعها في الخاصرة السياسية والاجتماعية الإعلان عن قيام حزب “الحق” حيث برز هذا الحزب على اساس مذهبي سلالي ذي توجه إمامي متخذا من القيادات والزعامات الهاشمية الطامعة في إعادة أمجادها الامامية إلى واجهة الحياة الساسية والاجتماعية والفكرية بل استعادة الدولة ككل.

وكان من أهم وأبرز ما قام به حزب الحق في خطوته الأولى إصدار بيان الإمامة الشهير، هذا البيان المثير للجدل يبدو في ظاهره التخلي عن فكرة الإمامة، وعند التأمل في هذا البيان وقراءته قراءة واعية، نجد أنه تمسك بالإمامة وتأكيد لها.

كانت خسارة الجمهورية الكبيرة قد بدأت منذ وقت مبكر استطاع فيه الإماميون الجدد غرس بذور عداوتهم ضد الدولة والشعب، مجددا، فكانت البداية من استغلال مبدأ التعددية السياسية والحزبية وتأسيس مراكز ومؤسسات تعليمية وفكرية تخدم هذا المشروع و التيار الأمامي على وجه الخصوص وكانت هذه المراكز والأنشطة تحصل على دعم مادي و شرعنة رسمية لأنشطتها من الدولة التي تم اختراق أجهزتها لصالح هذا النظام والفكر، وتوسعت حركة الاستقطاب الامامية على أسس عنصرية ومذهبية وسياسية قام بها تنظيم ما يعرف بـ”حركة الشباب المؤمن” بقيادة الهالك “حسين بدرالدين الحوثي”، وخلال عدة سنوات تمكن الحوثي من تكوين تنظيم مسلح قادر على المواجهة العسكرية، واتخذ من حزب الله اللبناني مثالاً في الاستعداد العسكري، ونقل عنه شعار الموت لإسرائيل.. الموت لأمريكا.

وعندما أدرك حسين الحوثي أنه وأتباعه قوة عسكرية وكتلة تنظيمية، أظهر التمرد والخروج على السلطة المركزية في صنعاء، والسلطة المحلية بصعدة، وأصبح يتصرف وكأن المناطق التي يتواجد فيها مناطق حكم ذاتي، وبعد رفضه التعاون مع الدولة، ورفضه الإفصاح عن أعماله وأنشطته بالإضافة إلى بعض الدلائل الأخرى، والتي أكدت وجود خطورة حقيقية من هذا التنظيم، وهو ما أثبتته الأيام والسنوات اللاحقة، التي كشفت عن قبح وفظاعة هذا التنظيم الساعي إلى استعادة وجوده وقراره الحاكم، مستغلا تجربة الامامة التاريخية في قمع وحرب اليمنيين وتقسيم ونهب بلادهم، وإسقاط دولتهم وأنظمتهم التي تمثل مهمة اسقاط النظام الجمهوري الحالي أخرها.

ولأنهم أي “الحوثيون” يدركون فداحة هذا الإسقاط تجدهم اليوم ملتحفين شعار الجمهورية والحفاظ على الدولة، كي يخففوا من سطوة وطبيعة حكمهم غير المقبولة شعبيا ولا رسميا ولم يتمكنوا حتى اليوم من إيجاد أي اعتراف خارجي بها، فعلى الرغم من إحكام قبضة سلطتهم على أغلب المناطق الشمالية في ما كان يعرف سابقا بـ “اليمن الشمالي”، إلا أنهم أعجز عن مكاشفة هذا الشعب بمشروعهم الإمامي البغيض. وبالرغم من ذلك إلا أنهم لم يتمكنوا من الاستمرار في تسترهم ونقيتهم هذه، فكل أفعالهم وسياساتهم وجرائمهم، وممارساتهم، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنهم كانوا ولا زالوا يشكلون أعمدة وأركان البيت الإمامي التي أسقطها اليمانيون ذات فجر وسيسقطونها طال الزمن عليهم أو قصر.

وختاما: لقد وضعنا كتاب خيوط الظلام عبر كاتبه الأستاذ والباحث “عبدالفتاح محمد البتول”، أمام هذه الحقبة البغيضة من التاريخ ألإمامي، بهدف قراءتها ومراجعتها والوقوف عند أخطارها، وكشف أساليبها وطرق ووسائل حكمها وذلك من خلال ما أوردته صفحات هذا الكتاب عنها، فقد كانت الإمامة ولا تزال تعمل وفق المذهب الواحد والموحد في الأساليب الواحدة والمشتركة التي اجتمعت حولها كل سياسات الإمامة من الإمام الهادي وحتى عبدالملك بدر الدين الحوثي. وما الحركة الحوثية اليوم إلا وجه من وجوهها السافرة وامتداد لمشروع معادٍ وهدّام دخل معه اليمنيون في صراع دائم.

نسخة إلكترونية من كتاب خيوط الظلام:

https://nafsam.org/ar/secontna/uploads/2020/book/book-khuoot-althalam-albatool-1.pdf

. صادر عن مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام.

كتاب خيوط الظلام

عناوين ذات صلة: