عودة مع محمد الوزير الوقشي: سنكون بالمرصاد

  

ثابت الأحمدي

ثابت الأحمدي يكتب: عودة مع محمد الوزير الوقشي: سنكون بالمرصاد


اطلعتُ اليوم على مقال الشيخ محمد الوزير على صفحته في الفيس بوك، بعنوان “ترجمة الهادي عند العلماء”، وهالني حجمُ المغالطات التي أوردها الشيخ في ثنايا المقال، وهي مغالطات حاول أن “يُمنطقها” وأن يضفي عليها بعض العقلانية، وقد تنطلي على بعض القراء، خاصة غير المتضلعين في تاريخ الإمامة، إلا أنها مكشوفة للقارئ الحصيف. وعملا بمبدأ الانتصار للحقيقة المجردة وحدها سأتوقف مع مقاله هذا في بضع نقاط:

1ــ لا أحد يُنكر “عالِمية” الهادي، فهو فقيه متضلع في علوم الدين واللغة، كعادة فقهاء عصره؛ لكن “علميته” وتضلعه واطلاعه على علوم الدين لا تمنحه صك غفران لجرائمه التي اقترفها بحق اليمنيين، وبين يدينا شواهد تاريخية كثيرة لمجرمين وسفاحين كانوا على قدر عالٍ من العلم والاطلاع، ابن حمزة الطاغية واحدٌ منهم.

2ــ قال الشيخ الوزير: “للعلم كل الحزاوي التي كتبت في سيرته من العلوي وغيره ليست موثوقة عندي”..! ولمن لم يعلم شيئا عن العلوي، فهو ابن عمه، وأحد طلابه، وقائد جيوشه، وكاتبه الخاص. وكان محل ثقة كبيرة عند الهادي، وطبعا فقد قتل العلوي ولا يزال الهادي حيا، ورثاه بقصائد شعرية فليعد إليها من يهمه أمرها.

ولا شك أن هناك “حزاوي” كما ذهب الشيخ في سيرة الهادي كقول العلوي أن الغمام ظللته من الشمس، وأن الهادي قد مرر يده على عيني كفيف فعادت سليمتين، وأن المطر قد تأخر من السماء حتى قضى الهادي سفره في خيوان.. إلى آخر هذه الخرافات التي أراد العلوي تأليه ابن عمه الهادي من خلالها، وقد أضفى عليه من المعجزات ما لم تحصل لنبي!

ومن الواضح من خلال السياق الذي في مقال الشيخ الوزير أنه أراد أن يُسقط الجرائم التي ارتكبها في حق اليمنيين؛ لأن في الكتاب “حزاوي” أخرى، وردت في سياق آخر. والشاهد ان ابن عم الهادي وقائد جيوشه يثبت تلك الجرائم بينما الشيخ الوزير يطعن في صحتها بقوله: “إن صحت”..!! ياااا للعجب!

3ــ جرائم الهادي بحق اليمنيين موثقة بقلم ابن عمه وقائد جيوشه المذكور، ولم ترد في كتب أخرى من خصوم الهادي، وإذن فمن غير المعقول أن يفتري عليه أحب الناس إليه.

4ــ أشار الشيخ محمد الوزير إلى إن ثمة ترجمات لم تشر إلى جناياته التاريخية، من قبل مؤرخين معتبرين كالزركلي في موسوعة الأعلام. وطبعا فمن يعد إلى موسوعة الأعلام للزركلي ــ وهو من المؤرخين المعاصرين ــ يجد أن الطبعة الأولى منه قد صدرت سنة 1345 هجرية، 1927م أي قبل تحقيق سيرة الهادي، بعقود، وعلى الأرجح أن الزركلي لم يطلع على المخطوطة الأصل، واعتمد في ترجمته على مصادر أخرى.

5ــ قال الشيخ الوزير، نقلا عن الشيخ يحيى بن أبي بكر العامري: “كان مجيئُه إلى اليمن وقد عم بها مذهب القرامطة والباطنية، فجاهدهم جهادًا شديدًا”. وهذا خطأ تكذبه سيرة الهادي نفسه، فما يسمى بالقرامطة لم يظهروا بتلك القوة إلا في السنتين الأخيرتين من حياة الهادي، وصراع علي بن الفضل كان مع أبناء الهادي، لا مع الهادي، ولمن أراد التأكد فليعد إلى كتاب “معتزلة اليمن.. دولة الهادي وفكره” للدكتور علي محمد زيد، فهو أفضل باحث استقصى تاريخ تلك الفترة بجميع تفاصيلها.

6ــ استشهد الشيخ الوزير بما ذكره الإمام محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية، والإمام أبو زهرة من العلماء الثقات والمعتبرين؛ لكن ما يجب الإشارة إليه هنا هو تناول الإمام أبي زهرة للهادي من منظور فقهي بحت، ونحن لم نختلف على هذه النقطة أساسا.

7ــ استشهد الشيخ الوزير بكلام الكاتب أحمد محمد المطاع عن الإمام الهادي، وكأننا لا نعرف أن المطاع علوي الهوى والهوية، وكان ينقص الشيخ الوزير فقط الاستدلال بما كتبه مجد الدين المؤيدي، في كتابه “التحف شرح الزلف”. وبالتالي فاستشهاده هنا مردود عليه.

8ــ لا ندري عن أي ورع يتحدث الشيخ، منسوبا للهادي الرسي، وسيفه مخضب بدماء الأبرياء، ولا ندري عن أي ورع ووقار وسيرة الهادي نفسه تمتلئ بلعن المخالفين له، كما هو الشأن في سيرة المتوكل على الله إسماعيل التي تلعن معاوية بن أبي سفيان. انظرها ص 527/1.

أخيرا.. ندعو الشيخ الوزير إلى عدم التغرير على بعض أتباعه وطلابه الذين يثقون به، باعتباره إصلاحيا، أكثر من كونه شيخ علم. أما من يعرفون تاريخ الإمامة فلن تنطلي عليهم هذه الشبهات، وسنكون بالمرصاد لتفنيد كل شبهة، حفاظا على وعي الأجيال، واحتراما لحقائق التاريخ.

عناوين ذات صلة: