المشتركات الجليّة بين الحوثية والهادوية

  

ثابت الأحمدي

ثابت الأحمدي يكتب: المشتركات الجليّة بين الحوثية والهادوية


اطلعتُ على مقال أخير للأخ محمد الوزير “الوقشي” بعنوان: “الفروق الجلية بين الحوثية والهادوية” أجاب عن أحد عشر فرقا بين الحوثية والهادوية، كما ادعى؛ منتصرا للهادوية الجارودية التي هي الجماعة الأم على الحوثية أحد فروع الشجرة الخبيثة، بحيث إذا سقط الفرع، وهو الحوثي هنا فيبقى جذع الشجرة وجذرها قائما. وهنا مكمن الخطورة التي لم نتنبه لها منذ ما يزيد عن خمسين سنة مضت. مشيرا إلى أن ثمة فروقا كثيرة، بحيث لو ألف فيها باحثٌ لكانت كتابا كبيرا؛ أما أنا فأقول عن الحوثية والهادوية: إنهما فكرة واحدة، ولو ألف فيها باحث لاستجلاء هذا التلاقي والتشابه لكان كتابا كبيرا. وسأتناول هنا تفنيد النقاط الإحدى عشرة التي ذكرها في مقاله:
1ــ قال: “الحوثية طائفة والهادوية مذهب”، ونقول: نؤمن ــ كما يؤمنُ أيُّ باحث أو مؤرخ ــ بأن الحوثيّة حفيدٌ شرعي من حفدة الهادوية، فرعٌ من أصل، ومثل بيت بدر الدين، أيضا بيت حميدالدين، وشرف الدين، ومن قبلهم الحمزات وأحمد بن سليمان والعيّاني وغيرهم. كلهم ــ بلا استثناء ــ سلسلة واحدة، وفكرة واحدة من الكهنوت الديني المتسلط؛ بل إن الأخ محمد الوزير نفسه أحد أبناء هذه المدرسة العنصرية المقيتة، والتي يدافع عنها بتمحُّلٍ وتذاكٍ مكشوف. وما حالهم جميعا إلا كما قال الشاعر:
هذي العصا من تلكم العُصيّة فهل تلد الحية إلا حية؟
وإذا كنتَ تقول إن الهادوية مذهب فأنا أنفي هذا نفيا قاطعا، لهذه الأسباب:
• الهادوية نظرية سياسية للحكم، مثلها مثل النازية والفاشية تماما، ولا فرق، وليست مذهبا فقهيا؛ والهادي من الفقهاء المتأخرين جلُّ مسائله الفقهية مبثوثة في كتب الفقه من قبله، بما في ذلك الفقه السني، وخاصة فقه أبي حنيفة.
• جميع المذاهب الفقهية خرجت من حلقات الدرس العلمي ومن المساجد، أما نظرية يحيى حسين الرسي السياسية فقد فُرضتْ فرضًا من فوق سرجِ الخيل بالقوة القاهرة، وبالسيف الغشوم. ونحن لم نسمع عن أي مذهب فقهي فُرض بالقوة، لا من قبل الرسي، ولا من بعد.
• مدار النظرية الهادوية قائم على مسألة الإمامة وعلي وبنيه، ولو نزعنا هذه المسألة من الفكر الهادوي كاملا لما وجدنا تميزًا يُذكر للهادي في أي مسألة فقهية، وكتاب الأحكام للهادي الذي يبتدئ بكتاب الطهارة “أحكام” وينتهي بكتاب النفقات “معاملات” يكاد يكون نسخة مما قبله من كتب الفقه، وربما أن أكثر مسائل الفقه في هذا الكتاب مخالفة لما عداها من الكتب هي مسألة الزكاة التي فرع فيها الهادي وفصل بصورة عجيبة، وهو خلاف منطقي ومعقول إذا ما نظرنا إليه من زاوية علمية.
2ــ قال: “الحوثيّة تقول بنظرية الاصطفاء، والهادوية لا تذكر كتبها الاصطفاء أصلا في كتب العقائد والأصول”. ونقول: أول من قال بنظرية الاصطفاء هو الإمام الهادي الرسي، وتبعه بقية كرادلة النظرية إلى اليوم، وأحيلك إلى كتاب “مجموع رسائل الهادي” 537. وأيضا ص: 483. وسأنقل هذا النص كما ورد حرفيا من رسائل الإمام الهادي، في مسألة إمامة أهل البيت. “ثم يجب عليه أن يعلم أن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسين، بتفضيل الله لهما، وجعله ذلك فيهما، وفي ذريتها”. واستشهد بعد ذلك بعدة آيات من بينها: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا). مضيفا: “فورثة الكتاب محمد وعلي والحسن والحسين، ومن أولدوه من الأخيار”. انظر: مجموع رسائل الإمام الهادي، تحقيق: عبدالله بن محمد الشاذلي، تقديم: أبي الحسنين، مجد الدين المؤيدي، ط:1، 2001م، 54. فما ذا تريد بعد هذا الرد من دليل لتقتنع؟! بل لقد أشار الهادي نفسه إلى أن مسألة الاصطفاء أو الإمامة أنها من العقائد، واقرأ معي هذا النص من المجموعة الفاخرة، يقول الإمام الهادي: “إن سَأل سائلٌ فقال: من أين زعمتم أن الحَقَّ في أيديْكم دون غيركم، وجميع من خالفكم يدعي مثل ما ادعيتُم؟ قلنا له: إن أقربَ الأشْياء عندنا الذي علمنا به أنا على الحق، ومن خَالفنا على الباطل، وأن جميع فرق الأمَّة بجملةِ قولنا مُصدقون، ونحنُ لهم فيما انفردت به كل طائفة منهم مُكذبون، وهم فيما ندين لله به من أصول التوحيد والعدل وإثبات الوعد والوعيد والقول بالمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهِي عن المنكر مصدقون”. وضع خطا عريضا تحت كلمة “أصول التوحيد”.!!!!!!
سأزيدك من الشعر بيتا: قال عبدالله بن حمزة ــ وهو أحد كبار كرادلة النظرية الهادوية ــ: “”وإنَّ لله عبادًا اصطفاهم لدينه، وفضَّلهم على جميع بريته، واسْتخلفهم في أرضِه، واسْتشهدَهم على خليقته، هم عترةُ نبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، المستحفظين بقية النبيين، وسُلالة خاتم المرسلين، هم في النَّاسِ منزلة الرأسِ من الجسَد، بل بمنزلة العينِ من الرأس، فأحلُّوهم من الجلالة حيثُ أحلهم الله سُبحانه، واقتدوا بهم تُسعدوا وتُرشدوا..” انظر كتاب “مجموع مكاتبات الإمام عبدالله بن حمزة” بتحقيق عبدالسلام الوجيه ص: 78. وسأسألك هنا: هل تدري ما ذا قال ابن حمزة عن أقوال سيده الهادي؟ قال: “إنا نهابُ نُصُوصَ يحيى ـ أي الإمَام الهَادي ـ كما نهابُ نصُوصَ القُرآن”. انظر: اليمن الخضراء مهد الحضارة، محمد بن علي الأكوع الحوالي، مكتبة الجيل الجديد، ط:2، 1982م، 104. وإلى هذا أشار نشوان بن سعيد الحميري بقوله:
إذا جادلت بالقرآن خصمي أجاب مجادلا بكلام “يحيى”
فقلت: كلام ربي كان وحيا أتحسب قول “يحيى” كان وحيًا؟!!
ونفس الرأي والفكرة “الاصطفاء” قال بها من قبله أحمد بن سليمان، وقال بها من بعده القاسم بن محمد والمتوكل على الله إسماعيل، والمهدي صاحب المواهب، وجميع الأئمة، كما قال بها حسين بدر الدين الحوثي في أكثر من “ملزمة” من ملازمه. والآن ما قولك بعد أن سردنا لك الأدلة بمصادرها ومراجعها الأصلية؟ وهل عرفت الآن من أين أتى الحوثي بفكرة الاصطفاء؟!! علما أن فكرة الاصطفاء فارسية الأصل، تم نقلها إلى الثقافة العربية بعد الإسلام، وخاصة بعد زواج الحسين بن علي بالشهربانو بنت كسرى..! والقصة هنا طويلة، وليس هذا مجال تفصيلها، وقد استقصيتها في كتابي “الهادوية بين النظرية السياسية والعقيدة الإلهية”.
3ــ قال: “الحوثية ترد كتب الحديث المشهورة بلا ضوابط الا ما قبله المصطفى والهادوية تقبل بكتب الحديث بضوابط واسعة”.
ونقول: الهادوية كالحوثية، كلاهما يأخذان بالحديث النبوي في أغلب مسائل الفقه الإسلامي التقليدي التي لا تتقاطع مع الفكرة الأصل “الإمامة” أما ما اشتبها به أنه يخدم الفكرة فإنهما أشد تمسكا به. وأنا قرأت 54 ملزمة من ملازم حسين الحوثي، في العام 2012م ووجدته يستشهد بالحديث النبوي إذا رأى أنه سيخدم فكرته. فموقفهم إذن من الحديث النبوي ليس موقفا مبدئيا صارما؛ بل موقف انتقائي، يستوي في ذلك يحيى حسين الرسي وعبدالملك الحوثي.
4ــ قال: “الحوثية تنكر عذاب القبر والهادوية تثبته”. ونقول: هذه من المسائل الثانوية والتي اختلف فيها الفقهاء قديما وحديثا، السنة والشيعة على حد سواء؛ ومن أبرز من تكلم في هذه المسألة الإمام ابن حزم الظاهري قال: “من قال إن في القرآن ما يدل على عذاب القبر إنما هو متأول”. ومن قبل ابن حزم أيضا الخوارج، لا يرون ذلك، وانقسمت الإباضية ــ وهم جزء من الخوارج ــ في هذا الرأي. وذات الرأي أيضا ذهب إليه ابن سينا، وهناك من يذكر أن ابن رشد قال أيضا بذلك “لا أستطيع الجزم بخصوص الأخير، وأحتاج إلى التأكد”. وأتوقع أن فقهاء الحوثية أيضا مختلفون في هذه المسألة، كما اختلف غيرهم. وهي مسألة لا يترتب عليها شيء على الصعيد العملي، ولا تهمنا.
5ــ قال: “الحوثية تنكر أصول الفقه والهادوية لديها كتب ومقررات في أصول الفقه”. ونقول: شخصيا لم أبحث في هذه المسألة قبل اليوم، لكن ما أعرفه أنها من المسائل الجدلية قديما، وحديثا، وهناك من يردد: أن أصول الفقه بالنسبة للفقه كالمنطق بالنسبة للفلسفة، فمن أجاد الفلسفة بدون العودة إلى المنطق فقد غني. وهو ــ بحسب ابن خلدون ــ من علوم الآلة. وسأكتفي بما قلته هنا. تاركا الأمر لأهل الاختصاص.
6ــ قال: “الحوثية تنكر الكتب الصفراء للزيدية، وأن سبب ذلهم أخذهم من كتب السنة، والهادوية لها كتب معتمدة ومقررات فقهية وتستفيد من كتب الفقهاء”. ونقول: هلا ذكرت لنا أيها الشيخ ما هي الكتب الصفراء لمن تسميهم الزيدية التي تنكرها الحوثية؟ مصطلح “الكتب الصفراء للزيدية” أسمعه لأول مرة، فتكرم بذكر بعضها، لنرد على علم وبينة. وبشكل عام أقول: الهادوية الجارودية تأخذ من كتب السنة ما يوافق هواها بلا حرج، وهناك تداخل كبير جدا بين أدبيات الفقه السني والفقه الشيعي، وهناك قضايا شائكة جدا ومعقدة في الفقه الجارودي الشيعي لها جذورها في الفقه السني، ولا ننكر هذا. مثل “محبة آل البيت” و “الخُمُس” وتفضيل القرشية على من سواهم، وإن كان التفضيل ليس من العقائد. وعموما فهي آراء فقهية عتيقة من الماضي تجاوزناها، ولم نعد ننظر لها عدا القليل من الفقهاء التقليديين. وأزيدك: إن ابن حريوة السماوي ــ وهو الفقيه الجارودي المتطرف ــ لا يزال بمثابة الإمام المقدس إلى اليوم عند جميع من تسميهم أنت الزيدية، وله معهد باسمه داخل صعدة، رأيته بأم عيني ذات يوم هناك في عام 2011م. وابن حريوة السماوي كفّر الإمام الشوكاني، وكفّر الدولة القائمة آنذاك لأنها قربت أهل السنة، وعينت الإمام الشوكاني قاضي القضاة.
7ــ قال: “الحوثية ما قال السيد المصطفى حق وما خالفه باطل، والهادوية مصوبة كل مجتهد مصيب، وهي مسألة مشهورة في أصول الفقه”. ونقول: الحوثية الفقهية امتداد لفقهية الهادي وابن حمزة وغيرهم، والجميع يقدس أسلافه بحق وبغير حق، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الكبرى، فلا خروج عليها، فرأي الحوثي الابن والحوثي الأب والمؤيدي هو نفسه رأي ابن حمزة والهادي فيما يتعلق بالإمامة، أما أن يختلفوا في مسائل فقهية أخرى في أحكام الوضوء وحلق الشعر والقصر في الصلاة فهي مسائل ثانوية، لا يترتب عليها شيء، ونحن يهمنا مسائل السياسة في الإمامة ونحوها.. إلخ. وقد أوردنا سابقا أن ابن حمزة على مكانته العلمية قال أنه يهاب نصوص الإمام الهادي كما يهابُ نصوص القرآن الكريم. هذا الكلام قيل في القرن السادي الهجري، وليس اليوم.
8ــ قال: “الحوثية نكاح المتعة محل اجتهاد والهادوية نكاح المتعة باطل لا يجوز”. ونقول: نكاح المتعة من الآراء الفقهية الشاذة قديما وحديثا، ولا أتوقع أن تقول بها الحوثية اليوم، مراعاة لخصوصية المجتمع اليمني، وكونها محل اجتهاد لا يعني تحليلها. وحتى إن قالت بها الحوثية، فلا يعني هذا أن الحوثية ليست هادوية جارودية.
9ــ قال: “الحوثية تمارس التقية بشكل ظاهر، خاصة مع الحكام قبل أن تتمكن، والهادوية لا تقول بالتقية وتعتبرها نفاقا وتوجب الخروج على الحاكم الظالم”. ونقول: مسألة التقية هي مسألة سياسية تماما، وهي أيضا موجودة في الفكر السني تحت مسمى “التورية” غير أن الشيعة شددوا فيها، لأهميتها السياسية خلال الفترة الأموية العباسية، كمبدأ سياسي لا ديني، ولظروف معينة. وإلا أين هي التقية اليوم من الحوثي وقد صار قويا يمتلك مخالب القوة الباطشة؟ التقية سلوك يمارسه الناس على مستوى الأشخاص والجماعات، سنة وشيعة على حد سواء ما داموا ضعفاء، فإذا ما تقوى هذا الشخص أو الكيان فلا تقية ولا اتقاء. وأما أن الهادي لم يقل بها آنذاك فلأنه كان حاكما باطشا، وحين مارستها الحوثية سابقا فخشية من الدولة القائمة، فلما تلاشت الدولة خلعتها عنها. وهذه هو خلاصة الفكرة من أساسها.
10ــ قال: “الحوثية مذهب إيران الاثنى عشري مذهب معتبر، والهادوية تراه مذهبا ضالا مبتدعا وروافض مشركين”. ونقول: أخطأت أو تخاطأت. الحوثية هادوية جارودية متطرفة، وفكر الإمام الهادي هو نفسه بشحمه ولحمه فكر عبدالملك الحوثي، علما أن الاثناعشرية لا تتبنى الثورات غالبا، وما قام به الخميني في إيران هو ولاية الفقيه، وهي “حل سياسي” متقدم بالنسبة لهم، خرجوا من مأزق الإمام الغائب، الاثناعشرية تؤمن بالإمام المهدي المنتظر، أما الحوثية فهي الإمام المنتظر بحد ذاته، لأنهم يقولون بفكرة الخروج؛ وفكرة الخروج تتقاطع مع فكرة المهدوية والرجعة، وهذا يطول شرحه، قد أتناوله في مسألة مفصلة لوحدها. وطبعا لا نخفي هنا التأثر السياسي من قبل الحوثي بالخمينية السياسية، هناك تأثر وتأثير بسبب الدعم اللوجستي والتنسيقات السياسية ليس في اليمن فقط؛ بل وفي لبنان وسوريا وغيره. ومن تعتبرهم أنت هادوية كالشيخ محمد المنصور وحمود عباس المؤيد والمرتضى المحطوري هؤلاء جميعا بايعوا عبدالملك الحوثي، ولم ينكر أيٌ منهم ما فعله الحوثي، بل لقد رأيناهم يدعون له ويباركون مسيرته.
11ــ قال: “الحوثية للدولة حاكم تابع لقائد الثورة تشبه ولاية الفقيه، والهادوية الحاكم هو الظاهر لا باطن له بل من شرط صحة بيعته الظهور” ونقول: هذه واحدة من الأغاليط، إذ الحاكم الفعلي للدولة هو عبدالملك الحوثي نفسه؛ أما المشّاط، وقبله الصّماد، فلم يكونوا أكثر من مديري مكتب عبدالملك الحوثي، بسبب الظروف الأمنية والسياسية، كما هو الشأن في إيران نفسه، الحاكم الفعلي هو الإمام علي خامنئي حاليا، فيما روحاني أشبه بالمدير التنفيذي لا أكثر. وهي أحد تكتيكات النظام ووسائله، وما تقتضيه ظروف اللحظة. وللدكتور أحمد محمد الدغشي مبحث مهم في كتابه الظاهر الحوثية، ناقش فيه مسألة جارودية الحوثي، وايضا علاقة الحوثي بالخمينية الإيرانية.
هذه أقوال الأخ محمد الوزير بنصها نقلناها “مقوسة”، كما وردت، وهذه ردودنا بين يدي الجميع، والحكم للقارئ. والله المستعان.

عناوين قد تهمك: