إسلامية الخلافة أم قرشيتها؟ قراءة فقهية تاريخية (3-3)

  

د. كمال القطوي يكتب: إسلامية الخلافة أم قرشيتها؟ قراءة فقهية تاريخية (3-3)


مشكلة كثير من المسائل الفقهية تكمن في التقليد وجفلة الفقهاء عن الخروج من مقررات المذهب، فيردد العشرات منهم تقريرات السابقين دونما نظر واجتهاد واستقلال، وهذا التكرار يفزع القارئ ويلقي في نفسه الروع فيحجم عن مفارقة الجمع الغفير من الفقهاء ولو كان الدليل في غير صفهم.

9- غير أن أساطين الفقه السياسي قد أعادوا النظر في ذلك الاختيار السني، ومالوا إلى رأي جمهرة التابعين وهو كذلك رأي الخوارج والمعتزلة في إسلامية الخلافة(أي أن يتولاها أي مسلم كفء لها)، فقد قاد الاستقراء الفقهي لإمام الحرمين الجويني إلى تأسيس قاعدة كلية في التعامل مع الفقه السياسي أودع فيها نتائج استقرائه قائلاً : ( مُعْظَمُ مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ عَرِيَّةٌ عَنْ مَسْلَكِ الْقَطْعِ، خَلِيَّةٌ عَنْ مَدَارِكِ الْيَقِينِ)الغياثي(ص: 75). ومن هنا جاء اجتهاده في مسألة القرشية منسجماً مع رؤيته الكلية لطبيعة الحقل السياسي، وهو حقل خاضع للمبادئ الكلية، عري عن التفصيلات المتروكة للبشر، فلم ير العمل بحديث «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، وعلق عليه قائلاً: ( وَهَذَا مَسْلَكٌ لَا أُوثِرُهُ، فَإِنَّ نَقَلَةَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْدُودُونَ، لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّا لَا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا ثَلَجَ الصُّدُورِ ; وَالْيَقِينَ الْمَبْتُوتَ بِصَدَرِ هَذَا مِنْ فَلْقٍ فِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا لَا نَجِدُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَإِذًا لَا يَقْتَضِي هَذَا الْحَدِيثُ الْعِلْمَ بِاشْتِرَاطِ النَّسَبِ فِي الْإِمَامَةِ) الغياثي(ص: 80).

وقد تطابق اجتهاد الإمام الجويني مع اجتهاد إمام أهل السنة والجماعة قبله الإمام الباقلاني الذي قال عنه الدارقطني : (هذا إمام المسلمين والذّاب عن الدّين). فقد ذهب الباقلاني إلى أن (ظَاهر الْخَبَر لَا يَقْتَضِي ذَلِك وَلَا الْعقل يُوجِبهُ وَظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) يُوجب كَونهَا شائعة فِي سَائِرهمْ) التمهيد:(ص475).
10- ثم أضاف الفقيه المالكي وأبو علم الاجتماع العلامة ابن خلدون بعداً آخر في فهم مسألة القرشية، وهو بعد يتسق مع التحليل الاجتماعي الذي مهدنا به هذا المقال، فهو يؤكد أن مقصد الشارع تحقيق الاستقرار وذلك عائد للعصبية التي تشتد حول الملك ولما كانت قريش ذروة عصبية مضر في عهدها فقد كانت الوصية لها، فلما ذاب ملك العرب وظهرت عصبيات أولى بحماية الدين منهم وأقوى، انتقلت الخلافة إليهم، تحقيقا لمراد الشارع في تحقيق الاستقرار فيقول ابن خلدون: (فإذا ثبت أنّ اشتراط القرشيّة إنّما هو لدفع التّنازع بما كان لهم من العصبيّة والغلب وعلمنا أنّ الشّارع لا يخصّ الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمّة علمنا أنّ ذلك إنّما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلّة المشتملة على المقصود من القرشيّة وهي وجود العصبيّة فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبيّة قويّة غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية) المقدمة (1/ 245).
11- أما الأحرار من فقهاء اليمن، فقد انحازوا إلى إسلامية الخلافة، وكان في مقدمتهم أشجع مجتهدي اليمن وأجسرهم على مصاولة الأفكار ومنازلة الأقران، الإمام صالح المقبلي، فقد قال : ( وأما ما يدعونه من إجماع الصحابة على المنصب فغير صحيح.. والذي وقع من الصحابة تولية قرشي ولم يذكر أحد منهم أن ذلك شرط.. والحاصل أن الصحابة فعلوا فعلاً وجدوه أقرب شيء في تلك الحادثة إلى تحصيل المقصود، فأخذ الناس الواقعات شروطاً، ولا يلزم من الوقوع الوجوب. ثم عمود ذلك بعد، إجماع الصحابة، ودون الإجماع الذي يكون حجة خرط القتاد) المنار(2/464). وهو رأي العلامة نشوان الحميري إذ قال: (من كان أتقى الناس وأكرمهم عند الله وأعلمهم بالله وأعلمهم بطاعته كان أولاهم بالإمامة، والقيام في خلقه، كائناً من كان منهم عربيا أو عجميا ) (قرشية الخلافة،ص: 123). وممن قال بإسلاميتها العلامة المجتهد أحمد بن حسن الجلال، وهو ورأي الإمام أحمد بن يحيى المرتضى “صاحب متن الأزهار، إذ قال: (جواز نصب كل من صلح للقيام بالمقصود منها، ويحصل العلم بذلك، قرشياً كان أو غيره، هاشمياً كان أو غير هاشمي) الإصباح (1 / 149). ومن فقهاء الزيدية الذين آبوا إلى إسلامية الخلافة، الإمام عز الدين بن الحسن الذي خاض تجربة سياسية قصيرة مطالبا بالإمامة لنفسه، ثم ما لبث أن خذلته القبائل فعاد أدراجه إلى الدرس العلمي، ثم خرج من تجربته المريرة بخطورة النظرية القرشية والعلوية منها على وجه الخصوص، فنادى بإسلامية الخلافة في كل من يصلح لها. (قرشية الخلافة ص:142).
12- وقد ذهب جمهرة فقهاء النظرية السياسية الإسلامية اليوم إلى إسلامية الخلافة، وطرحوا فكرة القرشية جانباً، ومنهم الفقيه محمد أبو زهرة، والمحدث السوري محمد المبارك، والمجتهد السوداني حسن الترابي، والعلامة عبد القادر عودة، والأصولي عبد الوهاب خلاف، وأحمد شاكر، وعبدالحميد متولي، ولؤي صافي.. ومن فقهاء الشيعة المعاصرين العلامة محمد حسين فضل الله، الذي تنكر لولاية الفقيه ونادى بولاية الأمة، وجمع ممن لا تتسع المقالة لحشد أقوالهم.
13- وقد كفى الله المؤمنين القتال، فقد جرت سنة التداول على العرب وقريش بوجه الخصوص، فقد تلاشت القبضة العباسية عقب مقتل المتوكل العباسي سنة 247هـ، إذ هيمن على أمور الخلافة الترك والفرس، وكان الخليفة رمزاً لا يملك من أمر السلطة شيئاً، ثم ما لبث هذا الرمز أن جرفته جحافل التتار في عام 656هـ، ثم نصب المماليك رمزاً آخر لاستكمال مسرحية القرشية، ولكنها انتهت على يد السلطان سليم القاطع عام 923هـ، حين أخذ الخلافة من آخر رمز عباسي، فصارت الخلافة رمزاً وحقيقة لدى العثمانيين الأتراك حتى سقطت دولتهم. وأما في المغرب العربي فقد سقطت دولة بني أمية، ثم نهض بعد ذلك الموحدون البربر، وكانوا يعتبرون أنفسهم خلافة إسلامية، وأميرهم أمير للمؤمنين، ولم يتلفتوا للنظرية القرشية، وهم مالكية المذهب سنية المعتقد. وقد فعل حكم التاريخ وسنتة في التداول على النظرية القرشية، مالم تفعله أقلام الأحرار من الفقهاء.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صورة من مفاعيل سنة التداول فقال : (كان هذا الأمرُ في حِمْيَرَ فنزعَه اللهُ منهم وصيَّرَه في قريشٍ وسيعودُ إليهم) السلسلة الصحيحة ٥/٣٤. وفي الحديث دليل إلى ما ذهبنا إليه من زمنية الخلافة القرشية، وغيرها، فمقتضى عدالة الله أن يداول الأمر بين الأمم، وأن يعطي لكل أمة فرصتهم في الاختبار.
وتلك وأيم الله من مزايا حضارة الإسلام العظيمة، فقد حكمت كل الأمم التي دخلت الإسلام باسمه، ولم تكن القيادة حكراً على جنس دون جنس، فقد ساد العرب والفرس والترك والبربر والكرد باسم الإسلام، فكانت واحدة من تجليات عالمية هذا الدين العظيم.

14- ومما يحسب للنظرية القرشية أنها لا توجب الخروج بالسيف لأجل تحقيقها كما تفعل نظرية البطنين المتوحشة، بل يرى أرباب النظرية القرشية قبول تغلب المفضول وغير القرشي، وجريان أحكامه، وهذا ما يسر تكييف ظهور العديد من الدول التي حكمت باسم الإسلام.
15- ومرادي من هذه المقالة المطولة تلخيص أسفار النزاع القديم الحديث بين أنصار القرشية وأنصار الإسلامية، خاصة في أيام يتعرض ديننا لغمز من أهل الأهواء الذين يزرون على الفقهاء اجتهادهم، أو أنصار نظرية البطنين(الهادوية ترى الحكم في ذرية الحسن والحسين) الذين يجعلون من النظرية القرشية متكأ لهم، وكلا الطرفين جاف وغال.
والأيام تؤكد لنا الدرس القديم الجديد: ما لم يفيء الناس إلى شورى تحكمهم، وشرعة غير شرعة الاستبداد القبلي والسلالي والفئوي، فلا أمل بخروج الأمة من أزمتها المزمنة.. والله الهادي إلى سواء السبيل.

عناوين ذات صلة: