الخديعة الكبرى: رحلة الوثنية من اللات في الحجاز إلى آل البيت في اليمن

  

د. لمياء الكندي يكتب: الخديعة الكبرى: رحلة الوثنية من اللات في الحجاز إلى آل البيت في اليمن


ارتبط معنى الوثنية من الناحية اللغوية والدينية بتعريف واحد، كونها تمثل المعتقد الديني، الخارج عن الفطرة، ويدعوا إليها الناس كبديل يعوض التيقن الروحي في ظل غياب الأديان السماوية عنهم، سواء قبل نزولها أو بعده، فقد جرت العادة على الأقوام السابقة اتخاذها آلهة يعبدونها من دون الله وقد عرفت هذه العبادة بـ”الوثنية” تأكيدا على بطلانها وهي كلمة يستخدمها أنصار الدين الجديد، في وصف المتشبثين في العبادات السابقة، ومن يقومون بتقديسها، وكل الطقوس والممارسات المتعلقة بها.

ولقد تحرر العقل العربي والإسلامي منها مع بزوغ شمس الإسلام، وظهور دعوته، ومقارعة أصحابها بقوة الحجة، وقوة السيف، لفرض واقع جديد بعيدا عن تسلط الخرافة والسيادة التي فرضها سدنة الآلهة، على تلك الشعوب والقبائل.

فكانت مهمة تحرير العقل العربي من الخرافات وتوجيهه نحو عبادة الخالق الواحد هي المهمة الأساسية التي اضطلع بها الدين الجديد، ناسفا كل القيود الجاهلية الوثنية وما فرضته على واقع الناس من العبودية، والتسلط، والتمييز، والمكانة، والسلطة الكهنوتية، التي فرضتها طبيعة الحياة الوثنية، ليستبدلها بقيم إنسانية وأخلاقية، جديدة غيرت من علاقات الناس بعضهم ببعض، على أسس العادلة والمساواة، ونفي سلطة الكهنوت، وهدم أصنامها.

لم تكن مهمة الدين الإسلامي مع بداية ظهوره مهمة مرتبطة فقط بهدم الأصنام حول مكة، والطائف وما جاورهما، وتحريم عبادتها فقط، لقد كانت المهمة أبعد من مجرد هدم لقطع ومنحوتات وتماثيل مادية، بقدر ما كانت محاولة جريئة ومعالجة دائمة لكافة الاختلالات التي تسبب فيها هذا الوضع، من تجهيل الناس والانحراف في معتقداتهم، والتحكم في حياتهم، والتشريع لهم، وفق أهواء هذه الفئة التي تشرف على الآلهة.

لقد تغلب المجتمع المسلم في الحجاز من كسر كافة الأشكال الصنمية وتمزيقها، وتشكيل وعي بقدرة الخالق ووحدته، وحرية الإنسان وكرامته، ولكن ثمة من لم يرُق له هذا الفعل التغييري في صلب المجتمع، من الناحية العقائدية، أو المجتمعية، لذا نشأت بين هذه الأوساط المعارضة، فكرة أخرى لتقديس آخر يقر فيها أصحابها بعبادة الفرد، ومنها جاءت فكرة آل البيت بكل ما حملت من معاني أظهرت النزوع الاستعلائي والعنصري الباحث عن التميز والرافض لقيم العدالة والمساواة، باحثين عن وصف ووضع خاص يعيد إليهم أشكال الوثنية بكل ما يحيط بها من مظاهر التقديس والتبجيل، والاستعباد، مستغلين في ذلك جملة من الظروف والعوامل التي مكنتهم من أن يكون لدعوتهم هذه صوت مسموع، وأتباع مخلصون في عبادتهم.

وحول هذه الأشكال من التبني الواضح لتسخير الخلق لعبادتهم إن جاز لنا التعبير اصطلاحا، نضع بين يدي القارئ الكريم خلاصة هذه الأوراق البحثية التي تناولت هذه الجانب التي أدرجها الأستاذ “سالم بن احمد الحضرمي اليعربي” في بحثه المعنون بـ”(الخديعة الكبرى) رحلة الوثنية من اللات في الحجاز إلى ال البيت في اليمن”.

وهذا العنوان المسبوق بهذه المقدمة التي كتبتها يكون شارحا كافيا بنفسه، حيث يوضح كيف يحاول العقل الهاشمي القرشي بما مثله من ادعاءات نسبت إلى هذا الدين وجعلها أصلا من أصوله، إلى تحوير معاني الرسالة الخالدة، بحثا عن التميز والمكانة والحكم، وما تفرضه هذه الفئة على غيرها من وجوب التقديس والطاعة والتمكين لهم، والتسليم بكونهم أهلاً لتسيير وتشريع حياة الناس، وفق دعاويهم القاصرة، وفرضها كمسلمات عقائدية لا يكتمل إيمان الناس إلا بها.

متخذين من قرابتهم من النبي صلوات الله وسلامه عليه، حجة لفرض سيطرتهم على عقول الناس والدعوة لحكمهم كحق وواجب من الواجبات التي يزعمون أن الله سبحانه، خصهم فيها، فأحدثوا بتلك الدعوة من الاختلاف والشقاق ما لم يحدثه سدنة الآلهة القديمة وخدامها، فأعادو إلينا تقسيم الناس إلى أسياد وموالي، وساهموا في القضاء على مثل وتعاليم ونصوص الإسلام، واستبدلوها بنصوص وروايات وأحاديث تؤكد دعوتهم، وتحيلها إلى شكل جديد من أشكال الوثنية القديمة.

لقد أوجد دعاة هذه الوثنية من “آل البيت” لهم في اليمن شمالا وجنوبا، ما مكنهم تاريخيا من فرض هيمنتهم وسلطتهم بشقيها المادي والمعنوي، والتأثير والتحكم في حياة الناس والتلاعب في معتقداتهم، وإنزالهم منزلة التقديس والتبجيل، بل ذهبوا إلى التشريع والحكم بما يخالف تعاليم الإسلام لا لشيء ولكن بغاية الانتصار لفكرتهم الاستعلائية، ورغبتهم الجامحة في حكم الناس.

ووقفت أعمالهم على تجهيل وتزييف الحقائق، عبر جلب صورة مثالية للأشخاص، ودعاة الهاشمية السياسية، كمصلحين وأمناء على حكم الناس، وتصريف أمورهم، معتمدين في ذلك على عدة وسائل ومناهج توارثوها أجيالا تلو أخرى تضمن استمراريتهم في إتمام عبودية الناس لهم. ونذكر بعض هذه الجوانب التي خصها الباحث الأستاذ “سالم بن احمد الحضرمي” في بحثه هذا الذي حاولنا أن نعرض أهم ما قامت عليه هذه الادعاءات وإثبات زيفها ومنها:

أولا: أنه لم يقع من الصحابة رضوان الله عليهم، تعظيم أو تقديس لأحد قرب نسبه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن جميع المسلمين كانوا يتعاملون على قدر واحد من المساواة، أمام الشرع، وأنه لم يكن لأحد منهم حق التشريع أو الإنابة عن الأمة إلا بما ترتضيه وفق مبدا الشورى. وهو عكس ما يدعيه من ينسبون إلى آل البيت، من أدعياء السلالة الهاشمية، الذين زرعوا في عقول بعض أهل اليمن دعوتهم التي تجيز لهم حكم اليمنيين، وتحريمها على غيرهم والدخول في حروب عديدة ضد اليمنيين، خدمة لهذا المشروع، وفي الوقت نفسه يعطون لأنفسهم الحق في عصمة دمائهم وإثم قتالهم، حيث قضوا بتحريم دماء أهل البيت وأنها من أكبر الحرمات عند الله وأن منازعتهم في الحكم من أكبر الكبائر بل تعد خروجا على هذا الدين وفي الوقت ذاته أجازوا لأنفسهم حرب المخالفين لهم وقتلهم وهدم بيوتهم ومزارعهم وحرقها وسبي نسائهم وغير ذلك.

ثانيا: أن دعاوي الهاشمية في الحكم والمكانة، سواء في شمال اليمن أو شرقه، وجدت لها ما يمكنها من فرض نفسها وكان الاختلاف بين دعوة آل البيت شمالا وجنوبا قائمة على فارق واحد، وهو أن دعاة آل البيت من هواشم الشرق لم يدعوا إلى أنفسهم بالحكم على عكس هواشم الشمال، واكتفوا بما أوجدوه لأنفسهم من مكانة أحالتهم إلى مقام التقديس والتبجيل المخالف للدين والعقل دون الحاجة إلى الحكم، وقد أورد الباحث في هذا الجانب العديد من القصص والأمثلة التي تمكن بها دعاة الهاشمية، من السيطرة على عقول الناس، وتجهيلهم لذا وجب على الناس تعظيم الأحياء منهم، وتقديس الأموات والعكوف على قبورهم والتمسح بها والحج إليها، والدعاء إليهم من دون الله، والاستغاثة بهم لجلب النفع، وصرف الكرب، والشفاء من الأمراض، وتقديم النذور والهبات لهم، والتبرك في حضرتهم أحياء وأمواتا.

وفي ذلك يقول “يحيى بن الحسين الرسي” مخاطبا اليمنيين “اضمنـوا لي أن تصلحـوا لي سـرائركم، وإذا أمرتكـم بشـيء ائتمرتم، و إذا والله أوقفكـم علـى الحجة البيضـاء، واضمن لكم الجنة”. بل وذهب في تقدير نفسه وإبداء فضله إلى الحد الذي قال فيه “والله لأن أطعتموني لا فقدتم من رسول الله إلا شخصه إن شاء الله تعالى”.

ثالثا: بطلان دعوى اختصاص آل البيت بعلم كتمه رسول الله وكتبه لهم، أو ألهمهم الله به من دون الناس، أو أنهم تلقوه مباشرة من الله أو أنهم المصدر الوحيد للعلم والدين، وتكفير من خالفهم ولنا في نفي ذلك العديد من الدلائل التي تنافي حجتهم هذه.

رابعا: التمثيل بالقتلى، واستخدام السحر والشــعوذة، وسبي النساء والعبـث بالأعراض، والإيقاع بين اليمنيـين، والتحريض عليهم، وتجويعهم، وأخـذ أبناء زعماء القبائل رهائن.

خامسا: التعاظم والاستكبار واحتقار اليمنيين حيث شاع ذلك عند أئمتهم والمنتسبين إليهم، فذهبوا إلى إطلاق صفة الخدام على التابعين لهم، وكان هذه الأمر شائعا في بعض المناطق الجنوبية الذين عرفوا بـ “خدام السادة”، وزنابيل آل البيت شمالا. وكان أئمة آل البيت يفتتحون مراسلاتهم إلى القبائل بعبارة “خدامتنا حاشد، خدامتنا بكيل”. فيما كانوا يجبرون المشائخ ومن يقومون بالكتابة إليهم تذييل تلك الخطابات بكلمة “خادم تراب نعالكم..”. وفرض أئمة آل البيت على اليمنين تسمية “سيدي” تمييزا لهم.

سادسا: التلاعب بأنساب اليمنيين وتفكيكها وتركيبها حسب ما يحقق المصلحة والسيطرة على اليمنيين لإخضاعهم، وهدفهـم مـن تغيـر أنسـاب القبائل اليمانية خلخلة النسيج الاجتماعي اليمني وإيجاد العداوات لتتفرق القبائل، ولتكون سيفا بأيديهم على بعضهم البعض وإضعاف أي سلطة طامحة خارج سلطتهم تتطلع للحكم.

ومن خلال ما تقدم يمكن لنا التعرف على أهم ما يميز هذا الكيان السياسي والمذهبي العنصري، وقدرته على تفكيك وتجهيل المجتمع. وقد تركت للقارئ الكريم مسألة عرض الامثلة التاريخية الموثقة لخرافة آل البيت وأساليبهم في استعباد الناس، وفرض سيادتهم متمنية لكم قراءة واعية ومدركة تضعنا أمام الحقيقة المجهولة عن هذه النزعة السلالية التدميرية وآثارها على الدولة والمجتمع.

. نسخة الكترونية من كتاب “الخديعة الكبرى” الصادر عن مركز النهضة اليعربية

https://drive.google.com/file/d/1ol3WMYzaw-VdVHhcHLxqoPV6RfsfyJJt/view

كتاب الخديعة الكبرى

عناوين ذات صلة: