“لولا اليوافع ما همّينا الشوافع”: أحرار مرّغوا أنف الإمامة

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: “لولا اليوافع ما همّينا الشوافع”: أحرار مرّغوا أنف الإمامة


أيام حُكم القاسميين، أثقلت الجبايات القاصمة كاهل الرعية، وأصابت العُنصرية المقيتة الجميع بالغبن، ولم يكن أمام الرافضين من خيار سوى التمرد والثورة. ومن الحجرية انطلقت شرارتها لتشمل بعد ذلك يافع، وأبين، والعوالق، وحالمين. وقد تولى زمام قيادتها في الجهات الأخيرة السلطان صالح بن أحمد هرهرة.

اندلعت الثورة من أعالي جبال يافع «1093هـ / 1684م»، طرد الثوار عامل «الدولة القاسمية» للمرة الثانية، فما كان من «المؤيد» محمد إلا أنْ دعا القبائل الموالية، للجهاد. فيما قال الشاعر أحمد بن أحمد الآنسي – الشهير بـ «الزنمة» – مُحرضًا:

لئن عصفت ريح النكال بيافع
فما هي إلا عادها وثمودها
بني القاسم المنصور عزما على العدى
فقد بان للدين الحنيف جحودها
أفي جانب الإنصاف أنذَ معوضة
تهان به من ذي الأنام زيودها
وللمذهب الزيدي كل غضنفر
يفل به عند الحروب عديدها

قاد القوات الإمامية الأمير الحسين بن «المهدي» أحمد الشهير بـ «فارق السيل»، وعاونه الأميران علي والحسين – من أبناء «المـُـتوكل» إسماعيل، توجهت قوات عبر قعطبة، وأخرى عبر «الزهراء – البيضاء»، وفي الأخيرة لقي «400» مُقاتل (إمامي) حتفهم، وجرح مثلهم – كان الحسين بن «المـُـتوكل» إسماعيل أحدهم، فقد انفجر بهم مخزن البارود، بعد أن أرسل إليهم أحد المـُترصدين قطة في ذيلها نار.

لم تمض أيام قلائل حتى هجم الأمير قاسم بن شعفل الحالمي على مدينة قعطبة، وعاث فيها نهبًا وخرابًا، فيما شنت قبيلتا «الصبيحة، والحواشب» هجومًا على لحج، فنهبوا أطرافها، وأخافوا طرقها – حد توصيف صاحب «بهجة الزمن» – واظهر الأمير محمد بن أحمد «حاكم الحجرية» فشله في التصدي لهم جميعًا، وقيل أنَّه أوعز لـ «اليوافع» أنْ يهجموا على عمه الحسين بن الحسن، وتحالف مع «ابن شعفل» لصد زحوفات قوات «المؤيد» محمد ضده، ثم ما لبث أن اختلف مع ذات الأمير، وجرت بينهما حروب وخطوب.

كثَّف «اليوافع» من استعداداتهم للمُواجهة، وعملوا على تحصين جبل العر، وحفروا فيه الخنادق، والمتارس، والأخاديد، وشحنوا الأخيرة بالبارود، ليتم تفجيرها حال دخول القوات الإمامية، وراسلوا – كما أفاد صاحب «بهجة الزمن» – السُلطات العثمانية للاستعانة بها في التغلب على جميع اليمن.

بحلول العام التالي دارت معارك كثيرة بين «الإماميين» و«اليوافع»، كان النصر فيها حليف اليوافع وحلفائهم، وفيها قال «أبو طالب» مُتحسرًا: «فأثخن الجراح الفيالق، وتكسرت السيوف بأيدي الفريقين، وذهبت من النفوس جملة في الطريقين، فهؤلاء إلى الجنة مع الأبرار، وأولئك في الدرك الأسفل من النار، وانجلى الأمر عن هزيمة أولي الحق».

بعد هزيمتهم، فرّ «الإماميون» إلى إمامهم مرعوبين مَنهوبين، مُعزين إياه بقريبه الأمير أحمد بن محمد بن الحسين – المـُلقب بـ «حجر» – الذي قتل و«70» من أصحابه في إحدى المعارك، ودُفن بسفح جبل العُر، وهنا أضاف «أبو طالب»: «وكان شهد الحق جمع كثير، كادت الأفاق تلبس من الحزن له الحداد.. ولما خلصت المعركة على هذا القارح، والملم العظيم الفادح، انتهب البغاة الثقل، وصارت الجموع إلى الإمام».

أفقدت تلك الهزيمة الفاضحة هيبة الدولة، أو بالأصح – كما قال المـُـؤرخ الشهاري – ما بقي لها من هيبة، ففتحت المجال أمام المناطق الأخرى لإعلان العصيان، والفتك بالعمال، وتتابع العصيان في قيفة، والعدين، وشمير، وشرعب، وبصورة أشمل قال المـُـؤرخ يحيى بن الحسين: «ومخالف جميع اليمن الأسفل».

. المقولة في العنوان “لولا اليوافع ما همينا الشوافع”، يتوارثها أبناء يافع باعتزاز، كدليل على الويلات التي ذاقتها الإمامة العنصرية، على يد أجدادهم.

عناوين ذات صلة: