“لولا اليوافع ما همّينا الشوافع”: أحرار مرّغوا أنف الإمامة (2-2)

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: “لولا اليوافع ما همّينا الشوافع”: أحرار مرّغوا أنف الإمامة (2-2)


بعد «28» عامًا من سيطرة «الدولة القاسمية» على يافع، ثار «اليوافع»، وأعلنوا استقلالهم «1093هـ / 1684م»، بعد أنَّ نصبوا صالح بن أحمد هرهرة «يافع العليا» سلطانًا عليهم، بمعاونة ورضا سلاطين الجنوب: معوضة بن عفيف «يافع السفلى»، وأحمد بن علي الرصاص، وصالح بن منصور العولقي، والأمير قاسم بن شعفل، أناطوا به جميعًا مهمة قيادتهم وإنقاذهم من حكم الأئمة، وهو ما كان.

مُنتصف العام «1097هـ / 1688م»، وبعد وفاة «المؤيد» محمد بن «المـُـتوكل» إسماعيل، ارتفعت وتيرة الخلافات «القاسمية – القاسمية»، أمراء كُثر أعلنوا أنفسهم أئمة، ليستقر الأمر في النهاية على «الناصر» محمد بن «المهدي» أحمد في منصورة الحجرية، ويوسف بن «المـُـتوكل» إسماعيل في ضوران ذمار.

تلقب يوسف بـ «المنصور»، وحظي بمساندة ودعم غالبية أمراء الأسرة القاسمية، أرسلهم أواخر ذات العام بجيش كبير لمحاربة مُنافسه، إلا أنَّ أمطار السماء، ومناعة قلعة المنصورة حالت دون تحقيقهم النصر، دارت الدائرة عليهم، فنكل «الناصر» محمد بهم جميعًا، وفي العام التالي غادر الأخير الحجرية إلى ذمار، وقام أثناء مروره بـ «المحرس – السياني» بقتل أحد الفقهاء، وعن تلك الحادثة قال «أبو طالب»: «وكان شفع قتله فقيه من المحرس، سمع عنه عند طلوعه من هجر القول ما أصم وأخرس.. فأمر بضرب عنقه في الحال، وقال هذا الفقيه من بغضاء الآل»، كما قام بقتل عدد من أبناء تلك المنطقة، مُتهمًا إياهم باللصوصية.

كانت يافع همَّ «الناصر» محمد الشاغل، عزم على السيطرة عليها، والتوجه إليها بنفسه؛ خاصة بعد أن استولى «اليوافع» على لحج، وقتلوا «100» من أفراد حاميتها، هدأ مُستشاروه من حماسه بسبب أوضاع الدولة السيئة، إلا أنَّه أصرَّ على موقفه، واستقدم مُقاتلي المناطق الموالية له، وأغدق عليهم من أموال المناطق الوسطى والغربية المنهوبة، وجعل على كل قبيلة قائدًا منهم وعريف، ثم أرسلهم أواخر ذات العام إلى رداع حيث عمه الحسين بن الحسن، إلا أنَّ الأخير استعان بهم، ونقض بيعته، وجدد دعوته، وأعلن نفسه إمامًا.

بعد إخماده لتمرد عمه «الواثق» الحسين، انتقل «الناصر» محمد إلى رداع «جمادي الآخر1100هـ / مارس 1689»، ومعه «50,000» من أتباعه؛ وذلك ليكون قريبًا من خطوط التماس، أراد هدم المدرسة «العامرية» لأنَّها باعتقاده من مآثر الكفار «الطاهريين»، إلا أنَّ القاضي علي بن أحمد السماوي نجح في إقناعه بالعدول عن ذلك.

وفي العام التالي وجه «الناصر» محمد «30,000» من مُقاتليه جنوبًا، وأغاض بني عمومته بأنْ جعل على ذلك الجيش «شيخ همدان الصغرى» جابر بن علي خليل، وهو «إسماعيلي» المذهب، وأمره باستئصال «اليوافع» دون رحمة، وهدده بالقتل إنْ تهاون في ذلك! كثَّف الثوار من استعداداتهم للمُواجهة، وتصدوا في البيضاء للقوات الإمامية، لتبرز في تلك المعركة بطولة امرأة يافعية تُدعى نور بنت علي العفيف، كانت بمثابة القائد لهم، لينسحبوا بعد مقتلها إلى جبل العُر، وهناك كانت جولة ثانية، لم تكن هي الأخرى حاسمة.

«لا العُر باقي فيافع بالوجود». مقولة يافعية تُؤكد أهمية ذلك الجبل الاستراتيجي، وتبعًا لذلك فقد تحصن «اليوافع» في شواهقه العالية، ودافعوا عنه باستماته؛ لأنَّ سقوطه يعني هزيمتهم، الأمر الذي حفز السلطان معوضة بن عفيف على عدم الاستسلام، وقيل أنَّه أذعن للسلم على شروط وافق عليها «شيخ همدان»، إلا أنَّها في المُقابل لم تُعجب الإمام؛ فشلت الحملة، وعاد «القاسميون» أدراجهم خائبين.

أما الشيخ جابر فقد ذهب إلى قبيلته مُغاضبًا – رافضًا المثول بين يدي «الناصر» محمد، ليعزم بعد أنْ زاد التضييق عليه من قبل قوات الأخير على التصدي والمقاومة، بمعاضدة من قبائل «همدان، وبني الحارث، وبني حشيش»، دارت بينه وبين «القاسميين» حروب عديدة، راح فيها عشرات الضحايا من الجانبين، وانتهت بهزيمته وإعدامه وعدد من المشايخ، فيما انضم ولده خليل لصفوف «اليوافع»، بعد أنْ نجا من النفي بأعجوبة، وشاركهم حروبهم الدفاعية، وقال الشاعر المرهبي في الشيخ جابر ساخرًا ومُحرشًا:
فالتزمت بنصره همدان
والشر من أربابه معان
وإن من دسائس الشيطان
رضى بني حارث عن همدان
أنساهم الضغائن القديمة
كي يقعوا في الورطة العظيمة
فاتفقوا على السداد في الخطى
وكادت البلاد أن تقرمطا

بعد أنْ أخذ فتوى شرعية من العُلماء، قام «الناصر» محمد بنفي أهل همدان إلى الهند رجالًا، ونساءً، وأطفالًا، واستصفى أموالهم لنفسه، وعن ذلك قال «أبو طالب»: «وساق الإمام إلى حربهم الأجناد، وملأ بالكتائب البقاع والوهاد، وباستحلال دمائهم أقام الحجة»، وأضاف: «وكان الإمام بعد الاستيلاء، والفوز بالقدح المعلّى، أجلى همدان عن بلادهم، وأركبهم البحر، فبلغوا إلى الهند والصين، وأمر أنْ يُصاح بإهدار دمائهم، وخراب كل حصن لهم حصين»، وعن تلك الجرائم وغيرها قال الشاعر الحسن بن صلاح المؤيدي مُتباهيًا ومُذكرًا بما سبقها من جرائم:
فعاجلهم محمدنا بجيشٍ
أجش كمثل سيل في عشية
وأوسع فيهم قتلًا وأسرًا
وسبيًا ثم طوقهم بليَّة
أباح بلادهم وسبى نساهم
لما أبدوه من خبث الطوية
فحسب الناصر الملك المعلا
إصابة سهمه قلب الرمية
وفتكته بهم بحدٍ
ونفيهم عن الفرق العليَّة
كما فتكت مواضيه بقوم
وكلهم من الفرق الغوية
كأهل الجبر من قومٍ تسموا
جميعًا بالورى بالشافعية

لم تثنِ حرب همدان «الناصر» محمد عن إرساله الحملات العسكرية لإخضاع يافع، أرسل إليها – والحرب في همدان على أوجها – في منتصف العام «1102هـ» حملة عسكرية بقيادة الأمير عامر بن صالح، هُزمت في منطقة «الخربة»، فعززها بحملة أخرى بقيادة ولده القاسم، صحيح أنَّ الأخير حقق انتصارًا خاطفًا، إلا أنَّه لم يستطع البقاء، وانسحب كسلفه إلى قعطبة.

عرف «الناصر» محمد حينها جيدًا أنَّ «اليوافع» مرهوبين الجانب، شديدو المراس، وتبعًا لذلك فالحملات المحدودة لن تجدي معهم نفعًا، خاصة وأنَّ تضاريس بلادهم وعرة، وحصونهم منيعة، فما كان منه إلا أنْ جيّش القبائل الموالية، وقاد «20,000» مقاتل منها جنوبًا، وكانت «جبن» مقر إقامته المؤقت. في البدء عمل على مُحاربة الأمير قاسم بن شعفل كونه بنظره الأضعف، أرسل إليه حملة عسكرية بقيادة الأمير علي بن يحيى بن الحسين، لتدور في «تيم – ردفان» مواجهة شرسة بين الجانبين، انتهت في جولتها الأولى بانتصار القوات الإمامية، لتقلب نجدة «اليوافع» بقيادة السلطان معوضة الموازين.

كانت هزيمة القوات الإمامية في ردفان ماحقة، قُتل الأمير علي بن يحيى، والقائد محمد فرحان، فيما سقط الأمير عامر بن صالح بحصانه في «صبر الركب» من على مُرتفع شاهق، لتسمى المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «حقفة الأمير عامر»، وفيه قال الشاعر الردفاني:
وخيل عامر يوم هده
بأول المركز عده

وسقط أيضًا في تلك المعركة مئات العساكر، وفي بعضهم قال «أبو طالب»: «ومن جُملة من قُتل سعيد القاضي، ومعه من أصحابه نحو أربعين نفرًا تسابقوا إلى فدائه بأنفسهم»، فيما كتب الحسين بن علي بن «المـُـتوكل» إسماعيل قصيدة طويلة حرض فيها «الناصر» محمد على الانتقام، جاء فيها:
وفي أرض تيم تم فيها لأهلها
بقتل على مقصد ومرام

أرسل «الناصر» محمد في ذات اليوم حملة أخرى إلى «ربوة – يافع»، دارت في «جربة غالب» معركة شرسة، سقط فيها مئات القتلى من الجانبين، حتى فسدت تربتها من كثرة الدماء، ليلجأ الإمام بعد هزيمة وانسحاب قواته إلى مُراسلة سلاطين الجنوب، وتوصل معهم إلى عقد هدنة، ثم عمل على نقضها، لم يَرُد «اليوافع» حينها على تحرشاته، ظن ذلك ضعفًا، واستعد لمعركة حاسمة – حشد لها «40,000» مُقاتل، جاعلًا عليهم ولده يوسف.

تداعى ثوار الجنوب من كل حدب وصوب للمُواجهة، عقدوا اجتماعًا بـ «المحجبة» عاصمة السلطان صالح هرهرة، ثم شنوا هُجومًا كاسحًا على القوات الإمامية التي تمركزت بـ «الخربة» على حدود رداع «ربيع الأول 1103هـ»، هزموها شرَّ هزيمة، وأجبروها على المغادرة.

عمل «الناصر» محمد بعد ذلك على استمالة السلطان عبدالله بن أحمد الفضلي، والسلطان أحمد بن علي الرصاص إلى صفه، فنجح مع الأول، وفشل مع الأخير، ليتوجه فور علمه بوفاة السلطان معوضة بن عفيف «13 رمضان 1104هـ» بجيشه الجرار إلى «الزهراء – البيضاء»، وكلف أخاه المحسن بمصادمة الثوار.

جدد سلاطين الجنوب حينها حلفهم للمرة الثانية، اتحدوا، وتعاهدوا على أنْ يدافعوا عن مناطقهم، ثم توجهوا بقواتهم لملاقاة الغزاة، هزموهم في معركة «الدرب» بالقرب من الزهراء، ولحقوا بالفارين إلى «نجد السلف»، وهناك كانت معركة ثانية أشد ضراوة. أجبر الثوار القوات الإمامية على الاستسلام، أخذوا ما بحوزتهم من سلاح، ثم أذنوا لهم بالرحيل، وحين علموا بوجود الإمام على مقربة منهم، طاردوه إلى «نجد الجاح»، وقيل أنَّهم حاصروه، وأجبروه هو الآخر على الاستسلام، وأنَّه – أي الإمام – افتدى نفسه منهم بمال عظيم.

في تلك الأثناء سيطرت فرقة إمامية بمساعدة السلطان عبدالله الفضلي على قلعة «الطرية – أبين»، بعد أنْ حاصرت حاميتها اليافعية، وأجبرت قائدها الشيخ صالح الكلدي على الاستسلام، ليلجأ الفضلي بعد ذلك إلى يافع، مُنظمًا إلى حلف سلاطين الجنوب، بعد أن أساء عمال الإمام مُعاملته، ظلت بلاده تحت حكم الأئمة، ولم يستعيدها – بمساعدة «اليوافع» – إلا بعد مضي «12» عامًا.

جدد «الناصر» محمد في «23 رجب 1105هـ / 19 مارس 1694م» دعوته، وغير لقبه إلى «الهادي»، وأرسل بعد ذلك بشهور إلى يافع بـ «30,000» مُقاتل، وفي أسفل جبل العُر كانت هزيمة ذلك الجيش مَاحقة، استولى «اليوافع» على أسلحة ومُؤن كثيرة، وفي منطقة «الرعاع – لحج» دارت مَعركة ثانية، وكانت الهزيمة كالعادة من نصيب القوات الإمامية، وعن تلك المعركة قال «أبو طالب» في تاريخه: «وفيها جهز الإمام جيشًا للمعسال، فكسرت وأهريقت دماء كثيرة، فيها شبع الذئب العسال، واستقصى سراياه وبعوثه إلى الشرق لا يكاد يأتي عليها الحصر، وذاك مالا يقدر عليه غيره في أي عصر، وعن الاستئصال لهم حكمة من الباري تعالى، والسبب من الإمام العجل، واختلاف أقاويل الوزراء».

بداية العام «1108هـ» أرسل «الهادي» محمد جماعة من خلص عساكره إلى البيضاء، لقوا حتفهم جميعًا، فما كان منه إلا أنْ كلف ابن أخيه القاسم بن الحسين بالانتقام، حقق الأخير انتصارًا خاطفًا على قوات السلطان الرصاص، وعاد أدراجه مُتباهيًا، وذكر «أبو طالب» أنَّ الحملات العسكرية التي وجهها «الهادي» محمد صوب يافع تجاوز عددها حتى ذلك العام الـ «40» حملة.

وفي المُقابل تتحدث الذاكرة الشفهية عن صمود أسطوري لثوار يافع المُرابطين في جبل العر، وأنَّهم تحصنوا فيه لسنوات عديدة، قَدَّرها البعض بـ «15» عامًا، ويُقال أنَّ أحد الثوار خرج – في عام نشوب الثورة – من بلدته «مشالة – بلاد المفلحي» وزوجته حامل، وأنَّه ظل مُرابطًا في ذلك الجبل الصامد حتى كبر ولده، وصار يأتيه بالطعام إلى مترسه، وأنَّه تعرف عليه حينها لأول مرة، وهذا وإنْ دل فإنَّما يدل على أنَّ «اليوافع» أذلوا الإمامة، وأهانوا كبريائها، ولهم في هذا الجانب تاريخ عريق حقَّ أنْ يفخروا به على الدوام، وثمة مقولة مُتداولة يُقال أنَّ أحد «الإماميين» صرح بها، مفادها: «لولا اليوافع ما همَّينا الشوافع».

وفي العام «1109هـ» غير الإمام لقبه إلى «المهدي» تيمنًا بأبيه الذي لم يُهزم قط، فَعُرف من يومها بـ «ذي الألقاب الثلاثة»، وفيه قال الشاعر أحمد الآنسي:
أبا الوحي أم نوديت بالطور من سينا
تكنيت بالمهدي وقد كنت هادينا
فبان لها التأثير في كل كائن
فما هذه إلا النبوة تنبينا
وأنت كخير الرسل خير خليفة
وزادك رب العرش عزًا وتمكينا

في ذات العام جهز «المهدي» محمد جيشًا كَبيرًا، وجعل عليه أكثر من قائد، ليتعرض في «المعسال – يافع» لهزيمة نكراء، قال عنها «أبو طالب»: «وانهزم أجناد الدولة بتلك الوظيفة، وتغير الهواء من نتن القتلى بالجيفة». تجددت الحرب في العام التالي، حدثت أكثر من واقعة، وكانت كما ذكر ذات المؤرخ سِجالًا لا مُنتصر فيها.

بنى «المهدي» محمد بالقرب من رداع مدينة ملكية أسماها الخضراء «1103هـ»، وحين اشتد عليه فيها المرض عاف المقام بها، وغادرها إلى مدينة ذمار «1110هـ»، وقيل أنَّه أمر بهدم «1200» من منازلها، ليبني شرق ذمار مدينة «المواهب – عنس»، على أطلال قرية كانت مأوى للصوص، ومن يومها عُرف بـ «صاحب المواهب».

امتدت ريح الثورة إلى ريمة ووصاب، ثار أهاليها على عاملهم الظالم، فأرسل إليهم «المهدي» محمد بجيش قبلي كبير جُله من «بكيل»، بقيادة الشيخ صالح بن هادي حبيش، مارس الأخير فيهم جرائم حرب شنيعة، قال عنها «أبو طالب»: «واستأصلهم بالقتل والنهب والحريق، حتى كان الواحد منهم يقطع أُذن المرأة من أجل الخرص الذي فيها، ولقد بيع ذلك بصنعاء والآذان بها أو بواقيها»، وفي صنعاء خطب القاضي محمد بن صالح العلفي مُعترضًا على تلك الجرائم، همَّ «المهدي» محمد بضرب عنقه، ثم أمر بحبسه، ووضع على أهالي ريمة ووصاب أدبًا من المال لا يطاق، وولى عليهم عامل أشد جورًا من سلفه.

وللثورة بقية..

عناوين ذات صلة: