أعلام الجيولوجيا تنير سماء الوطن المظلمة

  

عبده الصمدي يكتب: أعلام الجيولوجيا تنير سماء الوطن المظلمة


من أفضل الأخبار الجميلة التي وصلتني خلال الفترة الأخيرة وانا في مشوار الدكتوراه، في زمن الحرب والكورونا وهذه الفوضى العالمية العارمة، الخبر الأخير الذي اسعد جميع منتسبي وطن الجيولوجيا والبيئة في حصول أ.د. جمال الرامسي على الأستاذية في العلوم التطبيقية تخصص جيولوجيا البترول والمياه.

لقد شدني هذا الخبر إلى الماضي البعيد القريب بشكل عجيب لأتذكر الشخصية الإدارية الفذة والحازمة والى جواره الشخصية الشبابية بأطروحاته السلسة، صاحب الإبتسامة الحانية بثنائيته المتراكبة الجميلة، الرياضي الذي كان يرمي بكل ما بيديه ويقفز إلى الملعب ليباري حينها ميسي كلية العلوم الزميل الجميل Taha Nasr.

اتذكر في العام الجامعي ٩٦-٩٧م وانا طالب في السنة الثانية في قسم الجيولوجيا كلية العلوم، كان ذلك بعد اقل من عام على إعلان تأسيس جامعة تعز كجامعة مستقلة وفصلها عن جامعة صنعاء، وكانت الجامعة في ذلك العام ومع بداية العام الجامعي الجديد تشهد أول تغيير لأول رئيس لجامعة تعز؛ والذي كان حينها البروف محمود داؤد الاغبري رحمه الله الذي توفى قبل شهرين تقريبا بسبب جائحة كورونا.

جاءت قرارات التغيير لرئيس الجامعة الأغبري حينها بسبب تبني اتحاد طلاب اليمن في الجامعة حفل استقبال رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح، الاتحاد الذي كنت أحد اعضاءه ممثلا عن طلاب قسم الجيولوجيا حينذاك.
اتذكر حينها كيف أرعد وأزبد أعضاء الحزب الحاكم في محافظة تعز أثناء اللقاء مع زعيمهم ليلا بعد انقضاء حفل الاستقبال في الجامعة والذي حاولوا تعويضه لاظهار أنفسهم في حفل تعويضي وليس تكميلي عصرا في المركز الثقافي، ولكنه لم يكن بالمستوى المطلوب فكانت النتيجة بعد يوم من زيارة فخامته أن قام بإصدار قرارات جديدة لرئاسة جامعة تعز ليحل الدكتور عبدالله حسن الشيبة بديلا عن البروفيسور محمود داؤد أغبري كما تم تغيير النواب والعمداء يومها رغم أن جلهم كانوا من منتسبي الحزب الحاكم، والغريب يومها انه تم استخدم نفس العذر الذي يقال اليوم على حكومة الشرعية في الرياض، لقد كان يقال يومها أن رئاسة جامعة تعز مختطفة من الإصلاح ويلزم تغييرها. اي والله!

لن أخرج عن الموضوع الرئيس، وأعود إلى قسم الجيولوجيا في جامعة تعز، ذلك القسم الذي كان مدفونا في قاعتين ومرفق اسمها القبو، كنا نسميها يومها القبر، وكانت بدايات السنة الثانية بالنسبة لي بعد أن انقضت السنة الأولى والتي عانينا فيها كطلاب في هذا القسم كثيرا بسبب شحة الإمكانيات في كل شيء، نعم كل شيء.

حينها سمعنا ثمة بصيص أمل من رئيس اتحاد كلية العلوم الطالب الجيولوجي رمزي سعيد المخلافي حين قال:
ابشروا ياشباب، عينوا لنا معيدين اثنين ممتازين جدا، خريجي جامعة الموصل العراقية، أحدهما جاء الأول على طلاب قسم الجيولوجيا وكلية العلوم، والآخر حاصل على المركز الثاني في نفس القسم كذلك، وقد نزلوا الجدول واسماءهم واردة فيه ومن بكرة بايكونوا موجودين ويدرسونا العملي، إضافة إلى معيد ثالث خريج مصر.

تاملت الجدول وكانت الاسماء الجديدة التي ستدرسنا المواد الخاصة بنا وهي:
د. محمد متاش مادة البراكين والصخور النارية،
أ. جمال الرامسي عملي البراكين والصخور النارية،
أ. خالد الوصابي عملي المعادن والصخور.
وفي اليوم الثاني ونحن نستشرف حضورهم تفاجأنا بمرور اثنين يمشون إلى جوار د. كامل عودة العجيلي والدكتور شوقي نصر احدهم هيئته عراقية وعيون زرقاء وشعر أملس، والآخر بهيئة شامية فلسطينية وفي يمينه ساعة ولحية حمساوية، ولم نركز عليهم لأننا اعتبرناهم ممن تعاقدت معهم الجامعة من الأساتذة الأجانب في أقسام أخرى، وكنا لا نزال في انتظارهما لأتفاجأ بزميلنا صادق غالب قماز ينادينا أن ندخل المعمل كون المعيد قد وصل!

وعند الدخول تفاجأت أن المعيد الذي سيدرسنا أول معمل في مادة البراكين هو أ. جمال الرامسي الذي اعتبرته الحمساوي أثناء مروره، وهو ذاته البروفيسور الذي حصل على ترقيته العلمية مؤخرا بعد أن تأخرت كثيرا، لكنها وصلت لتعطينا الأمل في الجد والمثابرة حتى في هذا الزمن الصعب.

وفي المحاضرة العملية التالية كان معيدنا الجديد في مادة المعادن والصخور حينها وقبل ٢٤ عاما هو الأستاذ خالد أحمد سعد الوصابي، الذي هو حاليا البروفيسور خالد الوصابي نائب وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

علمان من أعلام الجيولوجيا، جميعنا ممن تعلم على يديهما عرف عنهما الحزم الإداري وجودة الأداء التعليمي والأكاديمي، ولست وحدي من يقول هذا الكلام فكل من تعلم الجيولوجيا في جامعة تعز على يد هذين العلمين سيقول نفس الكلام وربما أكثر سواء في أواخر الألفية الثانية حين كانا معيدين، أو بعد عودتهما أستاذين مساعدين في العام الرابع أو الخامس من الألفية الثالثة.

وحتى اكون منصفا فيما قلته عن هذين العلمين أعود إلى العام ١٩٩٧م حين كانا معيدين وكنت طالبا في المستوى الثاني، بعد مرور الفصل الدراسي الأول، حينها لاحظنا جميعنا مدى الإهمال واللامبالاة حيال احد الأقسام العلمية لكلية العلوم وهو قسم الجيولوجيا، قسم الحجار كما كان يقال لنا فنشعر بالإحباط.
حبنها فكرنا معا نحن كإتحاد طلابي وهم كأساتذة ومعيدين في القسم للقيام بعمل ما يلفت انتباه قيادة الجامعة ثم المجتمع إلى قسم مهمل يحتاج نوع من الإظهار والاهتمام على الأقل مثله مثل أقسام الأحياء والكيمياء والفيزياء ليعلم من لم يعلم أن قسم الجيولوجيا قسم الثروات الطبيعية وليس قسم الحجار والمجانين كما كان يتردد حينها، فكانت الفكرة المشتركة، وهي القيام بعمل فعالية علمية خاصة بقسم الجيولوجيا تهدف إلى اشهار هذا القسم وتوضيح الهدف من انشاؤه وما هي المجالات الأكاديمية والبحثية التي يسهم فيها لخدمة المجتمع، وفي أي المجالات يمكن لمخرجات هذا القسم أن تعمل!

فكانت فكرة القيام بفعالية المعرض الجيولوجي الأول في كلية العلوم بجامعة تعز، لتبدأ في اليوم الثاني من الفكرة ورشة العمل التعريفية بالمعرض وكيفية الإعداد له، وبعد مخاطبة الجامعة قدمت لنا مبلغا زهيدا من رسوم الأنشطة الطلابية فشعرنا بالغبن، والذي ما لبث حينها بان يولد لدينا الحماس الشديد ويتحول القسم في اليوم التالي لرد رئاسة الجامعة إلى خلية نحل كل يوم عقب انتهاء ساعات الدوام إلى ورشة فنية لإعداد كل ما يتطلبه تجهبز المعرض، وكان كل من د. خالد ود. جمال هما العمود الفقري والرئيسي لهذا المعرض مع مشاركة لا بأس بها من البقية، لينتج المعرض ما يقارب ال ٢٠٠ لوحة لكل الأشكال والظواهر الجيولوجية، ومجسما ضخما لديناصور كان يطل برأسه من باب القبو وارجله في البدروم ليرحب بكل زائر يدخل قبونا الجميل، كما نفذت العديد والعديد من المجسمات والمعروضات، وجميعها يدوية طلابية الصنع ١٠٠%بمشاركة فاعلة من جميع طلبة القسم الموهوبين في الخط والرسم والنحت وعمل المجسمات، ليعلن قسم الجيولوجيا في جامعة تعز بالتعاون مع اتحاد طلاب كلية العلوم بعد ٢٠ يوم فقط من الورشة التعريفية بافتتاح المعرض الجيولوجي الأول في جامعة تعز صاحبه إصدارات علمية وثقافية كثيرة كان منها نشرة الأرض العلمية.

استمر المعرض اسبوعا كاملا زاره الكثير من المهتمين وغيرهم وقامت حينها بتغطيته كل وسائل الإعلام بما فيها قناة التلفزيون الرسمية وإذاعة تعز وكل الصحف الرسمية والحزبية، ليلقى القسم بعدها رواجا وزخما جميلا ازدحم عليه الطلبة في التسجيل في العام الذي تلاه ليشهد أول التحاق للطالبات للتسجيل فيه والذي كن يعتبرنه كأنه قسم ذكوري خالص كالمعسكر لا يصلح لحواء.

كان الفضل في كل ذلك بعد الله للمحركين الرئيسيين للقسم حينها، البروفيسورين خالد الوصابي وجمال الرامسي، الثنائي الجميل الذي لم ينسَهما كل من تعلم على ايديهما.

كل التحية والتقدير لأستاذينا العزيزين، واجدد التهنئة للبروفيسور جمال الرامسي على الأستاذية واقولها وكلي فخر، بكما اقتدينا، وعلى دربكما نسير، وتظلون تيجان على رؤوسنا وبإذن الله كما استطعنا معكما سابقا إيصال الفكرة الجميلة عن قسم الجيولوجيا ابان المعرض الجيولوجي الأول حين كان لا يلتفت إليه احد، سنجعل جميعنا من الجيولوجيا العلم التطبيقي الذي يشكل رافدا اقتصاديا وتنمويا يساهم في تقدم وطننا الجريح الذي حتما سيتعافى، وحتما ستكون بوابة الجيولوجيا اهم إحدى بوابات عزة وطننا ورقيه وتقدمه ونسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى ذلك.

عناوين قد تهمك: