غوص في أعمال محمد عبدالولي: صنعاء مدينة مفتوحة (2-3)

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: غوص في أعمال محمد عبدالولي: صنعاء مدينة مفتوحة (2-3)


بلغة شعرية شفافة، وبتطواف شاعري شاق، عكس الأديب محمد عبدالولي واقعنا الكئيب، وخلق نصوص مُتكاملة العناصر، جميلة البناء، قوية الحبك، وثق من خلالها لأهم المراحل التاريخية التي عاشتها بلادنا، والتي كان أحد أبطالها الفاعلين. ومن يدري ربما يكون مُعظم شخوص أعماله أو بعضهم أُناس حقيقيون، عاش معهم، أو سمع عنهم، وما حضور المادة التاريخية في كتاباته إلا دليل على ذلك، وما التاريخ – أصلًا – إلا نتاج طبيعي لتراكم الفعل الإنساني، ومجال خصب للاستقراء، والتحليل، والاستنتاج.

«هل نحن في القرن العشرين؟ لا أصدِّق!! كل ما حولي يُوحي بأننا جزء من كتاب تاريخي قديم، فتحت صفحاته خطأ.. رجعت أعيش في هذه الصفحات»، هكذا تساءل ذات قصة، ثم مضى مُتعمقًا في أحوال بلاده التي لم تخرج هي الأخرى من دوامة التاريخ الذي يعيد نفسه، ناقلًا بدقة مُذهلة طبائع الصراع الاجتماعي والسياسي الذي عاش اليمنيون في كنفه، وتلظوا من تداعياته، وجسد توقهم الكبير إلى الحرية، إلى الانعتاق، إلى بناء عالم مثالي خالي من مَرارة الذل، وقساوة الحرمان، ومُلوثات العُبودية. وتفنن في تصوير غشـم السلطات الإمامية، وعدائها السافر لهم، ولحضارتهم، واستحضر ذلك الإجرام كسبب بارز لشتاتهم، لتمزقهم، بالإضافة إلى أسباب أخرى مُتعددة، ومُتجذرة، وقد أشار إلى بعضها إشارة عابرة.

لم يُرد محمد عبدالولي من القُراء أنْ يتعاطفوا مع أبطاله الذين تتقاطع أنفاسهم وأرواحهم مع واقعهم البائس، سواء في الداخل أو في الخارج؛ بل وتدخل غالبًا في تناقضات رهيبة للخلاص منه، للهروب من مآلاته، إنَّما أراد من القُراء المُشاركة في الحدث، في البحث عن البدائل المُمكنة، وأنْ يتحولوا إلى أحرار عمليين، وأنْ يقاتلوا عن كرامتهم بشراسة، بما يشبه الدعوة إلى الثورة، إلى الانتقام، وهو ما كان، وسوف يكون.

«آه.. ماذا تصنع النقود؟»، قالتها زوجة مدهش – بطلة قصة «لا جديد» بحسرة مُتناهية، وهي تقف أمام كومة من أموال بالية أرسلها زوجها، فلا الزوج عاد، ولا المال يكفي، وأضافت: «مائة ريـال ثروة كبيرة.. لكنها مصروف أشهر عديدة.. وربما للقحط إن أتى مثلما أتى قبل عام، والتهم النقود، والحبوب، والنفوس. وبيت مال مولانا الإمام له نصيب من هذه المائة، وربما كان نصيب بيت المال أكثر من نصيبي..».

وفي رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» تتكرر ذات المعاناة، وبصورة أكثر شمولًا، وهذا نعمان بطلها المُتمرد، من فقد أحبته، وتعثرت أحلامه، وعاش حياته في مُكابدات نفسية، وروحية، وضياع مادي، ومعنوي، ونواح داخلي. نجده يتألم لحال قريته النائية التي عانت في الأمس القريب من الجفاف، وعانت اليوم من الأمطار الغزيرة التي أهلكت الحرث والنسل، وقال مُخاطبًا صديقه البعيد: «لو ترى الخراب الذي عمَّ هذه الأرض.. لامتلأت عيناك بالدموع، ولرثيت لحالة هذا الشعب.. الذي أنهكه كل شيء، حتى حكومته».

وأضاف: «تصور.. وصل بالأمس إلى قريتنا أكثر من عشرة “عساكر” من “العُكفة” مع “جابي الضرائب”، وطلب من قريتنا ضرائب هذا العام.. بل أنَّه طلب ضرائب الأرض.. وإنتاجها.. أتتصور ذلك؟ الناس لا يجدون نقودًا لشراء حبوب تقيهم عامهم القادم كله من المجاعة، والحكومة تطالب بضرائب زرع لم يجنوه.. وضرائب على رؤوس ماشية جرفها السيل ذات يوم».

وإذا كان نُعمان بطل تلك الرواية شاب يائس، مُتذمر من كل شيء حوله، حتى من نفسه، فقد حضر في المُقابل صوت العقل الراجح، والضمير الحي، وتمثل في شخصية الصنعاني، ومحمد مُقبل، والأخير هو الأكبر سنًا، والأكثر نضجًا – خبر الحياة، وتعلم من ملماتها، وأصبح فيلسوف حسب توصيف نعمان نفسه، قاتل في فجر شبابه مع الإيطاليين، وقاتل أيضًا ضدهم، وكان مُستعد لأنْ يبيع نفسه لكل من يريد أداة لإطلاق الرصاص، وبحسرة أضاف: «كل ذلك يا نعمان لأني أردت أنْ أنسى أنني يمني.. ولكن الحقيقة هو أنني كنت أعمل كل ذلك لأنني يمني.. لأنني أريد أنْ أنتقم من الذين شردوني، ومزقوني، وسرقوا أرضي..».

من قريته النائية القابعة في أعالي الجبال، خرج محمد مُقبل لتوديع صديقه نعمان العائد لتوه إلى مدينة عدن، ليستذكر أمام جُمرك المفاليس الذي نعته بـ «زريبة الحيوانات» مُعاناته مع عسكري مُبتز التقاه اليوم وذات يوم، وكيف رد عليه الأخير باحتقار: «إنكم دائمًا تدعون الفقر.. مع أنَّكم تملكون مال قارون»، وكيف ذهب به إلى المأمور شاكيًا، وكيف خذله الأخير، وهنا أضاف مُتحسرًا: «وخرجت من بيت المأمور وأنا ألعن الإبريق.. العالم.. والحكومة، وكل شيء. لكني حين وصلت الجمرك.. رأيت عددًا من العساكر يضربون أحد الفلاحين. كان قد رفض أنْ يُعطيهم أجرتهم، وحمدت الله على أنْ قضيتي لم تصل إلى الضرب».

بعد تلك الذكرى المُؤلمة، طفقا يتحدثان عن بلادهم الكئيبة مثلهم، والتي ما زالت تبحث عن بلاد، وحظر نقد محمد مُقبل اللاذع للوضع، وتحديدًا حال رؤيته لمجموعة من العساكر بملابسهم المُتباينة، وفوطهم المُمزقة، وعمائمهم المُهترئة، وبنادقهم الصدئة، وأقدامهم العارية. هزَّ رأسه حينها ساخرًا، وقال مُتهكمًا: «جيش.. جيش بلادنا الذي يدافع عن حدودنا»!!.

وبنظرة فلسفية عميقة دعا محمد مُقبل إلى الثورة على ذلك الوضع، وظلت كلماته القوية تتردد في رأس نعمان وهو يمضي بإحزانه جنوبًا: «إننا لا نستطيع عمل شيء لأنفسنا.. ولا أرضنا.. ولا حتى لهؤلاء العساكر.. إذا لم نخلق من جديد.. نخلق كل شيء.. الناس.. والأرض، والوادي. حتى أنفسنا، إننا لا نستطيع أنْ نعيش مع الحمير في حظيرة واحدة، لا أنْ نعامل مُعاملة الحمير، يجب أنْ نجد لأنفسنا مفهومًا.. وأنْ نعرف حقيقتنا»، وبنظرة أعمق: «إننا كلما مارسنا الحياة اليمنية أدركنا عمق المأساة، ولكن كلما تهربنا زدنا من المأساة، وعمقنا جذورها، ووهبنا لها حياة أخرى. لكي نقضي على الماساة.. يجب أنْ نعرف أنفسنا».

وتتوالى الأحداث، ويتحول الصنعاني الشخص الغامض في حياة نعمان، ورفيقه في الغرفة، وفي العمل، إلى بطل حقيقي، وصاحب قضية، خسر زوجته وابنته أثناء اجتياح القوات القبلية لصنعاء إثر فشل ثورة «فبراير 1948م»، ومن مُعاناته الصادقة برز اسم الرواية. لم يقف يومها مع أحد، وكان جلَّ همه ينصب حول عائلته، ودكانه، وحين رأى المعركة على أبواب مدينته المنكوبة، طمئن زوجته، وربَّت فوق يدها بلطف، وهمس لها في حب: «إنَّهم لن يمسونا؛ لأننا لم نعمل لهم أي شيء».

وهو رغم حياديته لم يخفِ إعجابه بمحيطه المُقاوم، ومما قاله: «رأيت أهالي “صنعاء” يدافعون عن أنفسهم.. وشعرت أنَّ في صنعاء روحًا جديدة خُلقت من خلال المقاومة..»، ليتغير موقفه تدريجيًا إلى صفِ هذا التيار؛ خاصة حال رؤيته للدمار الفظيع الذي خلفه المُتفيدون، و«هناك كانت البقايا تتحدث عن الوحشية، ورأيت الجيش الغازي.. مُجرد أناس لا يعرفون سوى النهب. كان شعار قائدهم “صنعاء مدينة مفتوحة”»، وأضاف: «واندفعت لأنقذ ما أستطيع من بقايا أحلامي، ونسيت كل شيء حولي.. الرصاص، والهمج، والنار، وكنت أجري هنا وهناك، ألعن كل ما قابلته، وكل من قابلته راعني بالنهب. كانت صنعاء حقًا مدينة مفتوحة للغجر.. للهمج».

وحين لم يستطع الصنعاني إنقاذ بقايا أحلامه – أي دكانه المُحترق – توجه صوب منزله، وهناك كانت صدمته أكبر، «كان المنزل مُهدمًا. مُحطمًا. كان هناك عدوانًا.. قد حدث»، وأضاف: «أصبت بصدمة عنيفة وأنا أرى زوجتي وطفلتي.. وقد مزق جسميهما الرصاص، والدماء تتدفق حارة.. ثائرة»، ويكمل صورته المأساوية: «لم أكن أنظر إلى صنعاء وهي تتألم؛ لأنني كنت أتألم أكثر منها».

أمام لحظات التذكر القاسية تلك، وجدها الصنعاني فرصة لأن يُعلم نُعمان درسًا في الوطنية، مُبتدأً بِمُعاتبة نفسه: «حسبت أنني أستطيع أنْ أنتقم حين أصل هنا»، ومن ثم جاء التحفيز على العودة إلى الداخل، على العمل من أجل تأسيس كيان مُنظم يحوي كل الراغبين في الثورة، في الانتقام، فـ «كل إنسان لا يستطيع أنْ ينتقم لوحده.. ولكننا كلنا مُجتمعين مع مآسينا.. نستطيع أنْ ننتقم»، وأضاف: «إننا يا بني نريد عملًا حقيقيًا.. جماعيًا.. لأنَّ تلك الطريقة الوحيدة التي نستطيع أنْ نأخذ بها حقنا».

ومن جريمة نهب صنعاء أنتقل محمد عبدالولي إلى قضية نهب الأوقاف، وبما أنَّ مدينة زبيد هي الأكثر تضرراً في هذه الجزئية، فقد حضرت مُعاناتها من خلال على الزغير، النزيل الطارئ الذي حلَّ في غرفة نعمان فجأة، والبحار المُتنقل الذي قادته الأقدار ذات يوم إلى تلك المدينة التاريخية، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ومما قاله عنها: «كانت “زبيد” منارة للعلم، منذ عرف اليمنيون العلم».

«إنني أتيت لأتعلم»، كان هذا جواب علي الزغير على أحد مشايخ زبيد المُستغرب من وجوده هناك أصلًا، وكان رد الأخير صادمًا: «لقد ذهب العلم والعلماء.. يا بني، ولم يبق هنا شيئًا»، وأضاف مُتحدثًا عن مدينته المنهوبة: «كانت قديمًا يا بني عامرة بأشياء كثيرة.. كانت المساجد لا كما تراها اليوم “قذرة” لا يعتني بها أحد.. كانت قديمًا تتلألأ بالنور، وكان طلاب العلم يفدون إليها من كل أنحاء اليمن، ويجدون هنا الخير. كانت الأوقاف التي للمساجد ترد أموالًا طائلة.. تكفي لكي يعيش الطالب هنا، ويتعلم ما يريد. أما اليوم.. فأين الأرض يا بني.. أين الأوقاف.. لقد أخذتها الحكومة.. بدعوى أنَّها ستتكفل بكل شيء.. فذهبت الأرض.. وذهب العلم».

وبسلاسة انتقل محمد عبدالولي إلى مُعاناة طلاب العلم، وكيف قادتهم هذه الميزة ليكونوا عُرضة لبطش الإمام الطاغية، وقال على لسان ذلك البحار: «وفي صحن المسجد الكبير.. حيث سمعت قصص آلاف ممن كانوا ينامون ويتعلمون.. في هذا الصحن حكايات بسيطة كبلادنا.. عنيفة كبلادنا أيضًا.. ناس بسطاء تكبدوا كل شيء من أجل العلم.. ثم قادهم علمهم ذلك إلى غياهب السجون. هناك في حجة، وفي صعدة، وفي غيرها من السراديب السوداء المُظلمة تحت أرض بلادنا».

وعلى عكس محمد مُقبل والصنعاني عمل علي الزغير على الانتقام، وبطريقة غير أخلاقية. حباه الله صوتًا جميلًا؛ وبسببه تم استدعاؤه إلى بيتي العامل، ثم الحاكم – ليحيى إحدى المراسم، وهناك راودنه بعض النسوة عن نفسه، فأخذ منهن ما أراد، ثم ولي هاربًا مُنتصرًا بفحولته على ناهبي الأرض، ومُذلي الإنسان.

وكما نقلت رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» مُعاناة اليمنيين في الداخل، نقلت رواية «يموتون غُرباء» مُعاناة اليمنيين في الخارج، وطريقة تفكيرهم حول القضية الوطنية، سلبًا أم إيجابًا. صحيح أنَّ عبده سعيد بطل الرواية الأخيرة اُتصف بالجُحود، واللامبالاة، إلا أنَّ الهم الوطني كان حاضر عند أبطال ثانويين، كالحاج عبداللطيف الذي يفكر بطريقة تقليدية رتيبة، وكسكرتيره المُولد الذي يفكر بطريقة ثورية جامحة.

وحين بدأ عبده سعيد يفكر بالعودة، قال عنه الحاج عبداللطيف مُخاطبًا أحدهم: «أنظر إنَّه مجنون، سوف يعود إلى اليمن.. إنَّه يظن أنَّ هناك جنة، وأنَّ الإمام قد أصبح طيبًا، يا رجل ما دام الوضع في اليمن هكذا، فلن يستطيع أي إنسان أن يعيش هناك، افهمني الأوضاع هناك مُتردية، لا فائدة من العودة إلا بعد الثورة»، وكان السؤال الذي أراد محمد عبدالولي من القراء أنْ يستشفونه: من الذي سيقوم بالثورة إذًا؟!.

وعبر ذات الرواية تكررت المطالب الداعية إلى الصمود لا الهروب، إلى المُقاومة لا الاستسلام، وحضر النقد اللاذع للأحرار اليمنيين الذين يناضلون عن بُعد، ويعتقدون أنَّهم يحسنون صنعًا، وخاطب السكرتير الثوري الحاج عبداللطيف قائلًا: «أنت تتحدث أربعًا وعشرين ساعة عن تحرير بلادك.. ولكن لن تُحررها مُطلقًا.. لقد هربت، أتعرف، من هنا لن تستطيع إلا أنْ تصرخ بملء فمك: أيها الظالم سننتقم.. ولكنك تفتح فمك، ولن يسمع أحد صوتك سوانا – آه – نحن يا سيدي لا نعرفك، نستغرب عندما نرى ألمك، ونبتسم أحيانًا وبسخرية عندما نراك تُحاول الصراخ.. ولكنك لم تقنعنا بالواقع.. إنَّ تحرير بلادك يحتاج أولًا وقبل كل شيء أنْ تُحرر نفسك.. أنْ لا تخاف، وأنْ تُحارب، لا من وراء البحار، ولكن من هناك أمام العدو وجهًا لوجه».

وأضاف: «كلا يا سيدي أنتم لم تأتوا لتحرير بلادكم، لقد أتيتم هنا هروبًا من شبح الإمام.. لقد خفتم، ولو كنتم حقًا تريدون ذلك، فلماذا إذًا تزوجتم وأنجبتمونا، لتقولوا في النهاية هذا الكلام؟ أقولها لك بصراحة: أنتم لن تحرروا بلادكم، وإنْ حررها أحد فهم أولئك الذين بقوا هناك..».

نقلت روايتي «صنعاء مدينة مفتوحة» و«يموتون غُرباء» الإرهاصات التي سبقت قيام الثورة اليمنية، وحضر عبر شخوصها جانب كبير من مُعاناة اليمنيين في ظل حكم بيت «حميد الدين» – من القرية إلى الحبشة، ومن صنعاء إلى زبيد، ومن الجُمرك إلى عدن، لتحضر في الأخيرة مُعاناة مُختلفة، معاناة الاحتلال الانجليزي، وإضراب العمال الذي تسبب بإفلاس عدد من الشركات، وأجبر نعمان والصنعاني على العودة شمالًا، «وأطلت الراهدة.. ووقف على أبواب الجمرك بعض الجنود، وقال أحدهم: ماء أنتم مزفرين؟ وأجبته – الكلام هنا لنعمان – دون أنْ أحاول النظر إليه: نحن عُمال. كنا ضد الاستعمار.. وقهقه البغي.. عا تعملوا إضراب ضد مولانا. عا يوديكم حجة»!!.

كان صوت محمد مقبل، والصنعاني – كما سبق وأشرنا – هو الأكثر نُضجًا في مُواجهة الاعتساف الإمامي. دعيا صراحةً إلى الابتعاد عن حياة الزيف، ومُواجهة الذات، والتصدي للظلم، ومُحاربة الفساد، حتى نعمان نفسه كانت لديه – هو الآخر – رؤية فلسفية مُتمردة. صحيح أنَّه ظل مُتنقلًا بين الشواهد المُتناثرة، وأبقى مُخيلته مفتوحة لإيواء الجثامين، إلا أنَّ تلك الجزئية المفصلية في حياته لم تكن ذات دلالة اجتماعية وسياسية فحسب؛ بل قضية وجودية ونفسية أيضًا، وكان لها ما بعدها.

بِرغم الصدمات العنيفة التي تلقاها نعمان، نجح محمد مُقبل والصنعاني إلى حدٍ ما في تغيير مسار حياته إيجابًا، إلا أنَّ تساؤلاته الحائرة ظلت ماثلة: «يا لها من مُجرمة هذه القمم.. تلتهم في أحضانها آلافًا من التعساء.. يعيشون بلا حياة.. بلا غد.. حتى بلا أمل»، وهو رغم ذلك لم يفقد الأمل، وختم حكايته الحزينة بالقول: «ولكن صورة أخرى تظهر من خلال هذا الضباب الذي أعيشه. إنَّه شعبنا.. أتراه سينتصر هو الآخر على الموت.. على النسيان.. أتراه سيبني من جديد مآثره، وسدوده.. أتراه سيتحدى القدر؟؟ سيقف أمامه هازئًا؟.. إنني أؤمن بذلك أحيانًا».

.. يتبع

عناوين ذات صلة:

غوص في أعمال محمد عبدالولي: شيء اسمه الحنين (1-3)