المرأة اليمنية: من التكريم السبئي إلى الإذلال الرسي

  

فاروق ثابت

د. فاروق ثابت يكتب: المرأة اليمنية: من التكريم السبئي إلى الإذلال الرسي


وُجدت المرأة اليمنية لتكون ملكة وعظيمة، وقد أوكلت إليها المهام الكبرى سياسياً واقتصادياً واجتماعياً منذ أن وجد الانسان اليمني، ومنذ أن بدأت تظهر الممالك اليمنية الكبرى، مثلها مثل الرجل تماماً، ولم تكن المرأة تابعا أو عورة أو كائنا مستنقصا إلا في ظل عهود الأئمة السوداء التي وصل فيها حال المرأة اليمنية مستويات مزرية وصادمة لم تشهدها عبر التاريخ.

وورد في القرآن عن أعظم ملكة في الدنيا ملكت من القوة والسياسة والحكمة والشورى والتدين، قال تعالى: “فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم”. سورة النمل.

الملكة لميس والملكة شمس

ولعل الكثير لم يعرف عن الملكة (لميس بنت نوف بن يريم ذي مرع). وهي من أعظم ملكات حمير. وابنها الملك (افريقس بن ذي المنار)، الذي جاب الأرض وحكم حتى أفريقيا وبنى أول مدينة في تونس وسميت إفريقيا باسمه، كما اورد ذلك القيل نشوان بن سعيد الحميري في كتابه “منتخبات شمس العلوم” ص 57 و96، إضافة الى كتاب (الاكليل) لأبي محمد الحسن الهمداني.

وذكر الملك أسعد الكامل قصيدة أشار فيها إلى الملكتين لميس وبلقيس معاً، مفتخراً بنسبه إلى ملكات اليمن وعظيماتها إذ قال:

ولدتني من الملوك ملوك
كل قيلٍ متوّجٍ صنديدِ

ونساء متوجات ك “بلقيس”
و”شمسٍ” ومن “لميسَ” جدودي

لاحضوا استشهاد أسعد هنا (من لميس جدودي) يدلل بعض الباحثين أنها ملكة سبقت بلقيس.

وعن الملكة “شمس” ذكر الهمداني أنها ربما تكون أختا للملكة بلقيس حكمت بعدها وبعض روايات تقول إنها أم بلقيس، فيما اعتبر باحثون آخرون أن شمس هي أخت للملكة لميس.

وثمة ملكات ونساء يمنيات عظيمات أخريات ذكرن في النقوش منهن: شوف السبئية، وطريفة بنت الخير الحميرية، ولميس بنت أسعد، وبرآت أورثد ايل، وصفنات الأبذلية، واب صدوق، وأسليم..

وإلى جانب الحياة السياسية والدينية، تساوت المرأة اليمنية أيضا مع الرجل في الحياة الاقتصادية وعملت في التجارة وامتهنتها وبرعت فيها وملكت المال والقصور وشهدت ثراءً واسعا.

ووفقاً للبروفيسور (سرجي برانتسوزوف -من معهد الدراسات الشرقية بسان بطروسبورغ -روسيا)؛ فإنه كان للمرأة مكانة عالية في المجال الاقتصادي لدى ممالك سبأ وحمير تأسست على الاستقلال الاقتصادي وفكر تجاري حر ومتقدم بالمقارنة مع حضارات وممالك أخرى.

واستشهد سيرجي على ذلك، بنقش سبئي غير منشور اكتشفه العالم الاثاري المعروف (كريستيان روبان) في نهم، شرق صنعاء، عام 1987، ينص على “حق المرأة التصرف بمالها الخاص ومزاولة التجارة أو الاستثمار به دون الحاجة الى موافقة زوجها، وأنه من حقها كذلك أن تساعد زوجها مالياً وفقاً لإرادتها حسب الظروف”. وثمة نقش مماثل بهذا الخصوص اكتشفه (الفريد بيستون).

وفي وقت كانت القبائل والممالك القريبة من سبأ، تئد البنات وتقتلها حية خاصة فيما كان يسمى الحجاز وقريش، ازدهرت ممالك اليمن قاطبة بتكريم المرأة على النحو الذي ذكرنا سلفاً.

ووفقاً للباحث (بيستون) في كتابة المنشور عام 1981 المعنون ب (الجذور العربية الجنوبية)، فإن “ثمة كتابة ونقوش ظهرت على شكل قوانين لدى الممالك السبئية تحرم قطعاً وأد البنات، وتعتبر ذلك جريمة كبرى يحاسب من يقدم عليها بقوة قد تصل العقوبة حد الإعدام”.

إلى ذلك، برزت ألقاب كثيرة للمرأة اليمنية لدى ممالك سبأ وحمير تكريماً وتعظيما لها مثل إكليلات وقيلات، وقد وجدت هذه الألقاب مدونة بالنقوش الى جانب الأضرحة ونقوش أخرى خاصة بحياة المرأة اليمنية القديمة.

كما أن المرأة اليمنية كان لها الحرية في اختيار حبيبها وزوجها، وتحبذ فيه الى جانب مظهره الخارجي، الرجولة والشهامة والشجاعة والقوة والفروسية. فهي لا يستدعي اهتمامها الشخص الهين الكاذب الضعيف أو من لديه سوابق بتهم وسمعة سيئة. وكذا دميم الوجه.

ومنذ جاء الإسلام وقفت المرأة اليمنية بكل عظمتها وشموخها إلى جانب الرجل مؤازرة ومناصرة للدين الحنيف، بل ويحسب للمرأة اليمنية أنها أسلمت قبل مجيء الإسلام بمئات السنين، والتاريخ يدون للملكة (لميس بنت تبع) إسلامها، واكتشف في قبرها إبان عهد (الحجاج بن يوسف الثقفي)، نقش حميري مدون عليه “أنا الملكة لميس بنت تبع، وأشهد أن لا إله الا الله”.

وقد وافق وقوف الإسلام مع حقوق المرأة، كل قوانين وأعراف ممالك دول اليمن القديمة بخصوص المرأة، مع فارق أن الممالك اليمنية ربطت علاقة المرأة بالرجل بالرابط العرفي الذي كان في دول سبأ وحمير، مع الإشارة الى أن اليمنيين كان الكثير منهم أهل كتاب قبل مجيء الإسلام.

الإمامة واستنقاص المرأة

وبعد هذا المذخور النهضوي اليمني الكبير والفكر الهائل والمنفتح والراقي للتعامل مع المرأة ووضعها المشهود، شهد وضع المرأة في اليمن تدنياً مزرياً منذ أن قدم إلى اليمن يحيى الرسي الذي ينسب نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا اتباعه الطبريون القادمون من فارس، إيران حالياً، اذ اعتبر الرسي وأعوانه وبنوه، المرأة اليمنية الحميرية القحطانية أدنى وأذل، طبقا للتقسيم العرقي السلالي الذي اعتبر نساءهم (شريفات) فيما جعلوا اليمنيات (قبيليات، رعويات، مكالف).

ووفقاً لهذا التقسيم الذي جعل المرأة اليمنية (زنبيلة) مقابل (قنديلة)، ومنع (القنديل) من الزواج ب(زنبيلة) والعكس، تم الانتقاص من مكانة المرأة اليمنية وهي كانت كانت ملكة على مدى العصور، وتم الحط من شأنها، وتم بموجب هذا ضرب المجتمع اليمني في الصميم كون المرأة نصف المجتمع، وباستهداف مكانة المرأة يصبح الاستهداف لليمن هو الأكثر بشاعة منذ قدوم الأئمة إلى اليمن.

عناوين قد تهمك: