غوص في أعمال محمد عبدالولي: يموتون غُرباء (3-3)

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: غوص في أعمال محمد عبدالولي: يموتون غُرباء (3-3)


كان الأديب محمد عبدالولي قريبًا جدًا من الناس، قريبًا من أحوالهم، استعرض آمالهم بِشغف، واعتصر آلامهم بأسى، وغاص في مشاكلهم بعمق، وانتقد واقعهم بموضوعية، وعرَّا مواطن ضعفهم بصدق، وفضح تخوفاتهم بحسرة، وحثهم على التغيير إلى الأفضل بقوة، ودعاهم إلى التمرد على وضعهم البائس، إلى خلق مُجتمع مُتجانس، إلى إيجاد وطن حقيقي حاضن للجميع.

تناول مُعاناة وهموم أبطال أعماله الذاتية باقتضاب، وجعلها – بعد أنْ تجاوزها بسلاسة – مدخلًا لتناول هموم الإنسان اليمني ككل. فالإنسان أولًا، ولا يتحقق التغيير الإيجابي الشامل إلا بتحريره من كل ما هو سلبي، وهو على قسوة عرضه لتلك الهموم، والانتكاسات، لم يكن يرمي إلى جلد الذات، بقدر ما كان يُحفزنا على البقاء، على الاستمرار، على النهوض كطائر العنقاء من بين الرُكام.

قدم كل ذلك باختزال ماتع، وحذف زمني مُشوق، ولغة أدبية بديعة. كانت – كما أشار محمد على يحيى – طيعة غير اعتباطية، ومُعبرة عن مُعاناة الشخصيات، ومواقفهم، وتجاوزت مستوى الوصف، إلى مستويات السرد، والحوار، والمونولوج، واقتصرت – كما أفاد محمد صالح حيدرة – على تصوير الأشياء، بما يعني التحريض ضدها. حبك خيوطها بمهارة الخبير المُلم بأسرار صناعة السرد، وترك للقارئ مُهمة مُلاحقة بناء النص، وتتبع عوامله.

يوميات الإنسان اليمني كانت حاضرة في أعمال محمد عبدالولي – بتفاصيلها الصغيرة، بآمالها وآلامها، بأفراحها وأتراحها، بإيجابياتها وسلبياتها، وها هو في قصة «يا خبير» عبر عن أمانيه العِذاب، وسعى لردم الفجوة بين العسكري والرعوي، وصنع مُصالحة افتراضية بينهما، تجسدت فيها الكثير من المعاني والقيم النبيلة. فكلاهما في النهاية ضحايا الاستلاب والقهر الإمامي، ولد العدو الكهنوتي من سذاجة الأول، وضعف الأخير، وكبر ونمى وترعرع من توسيع شقوق الكراهية بينهما.

دارت فصول تلك القصة في الطريق ما بين حيفان وإحدى قُرى المُديرية البعيدة. الرعوي عائد، والعسكري في مهمة أبعد. جمعتهما المُصادفة، وثالثهما ليل طويل، وفي لحظة صمت كئيبة خاطب الرعوي نفسه: «إنني أكره العسكر.. وأخاف منهم، ولم أسر مع أي منهم.. لكن الحكايات التي تتردد في كل مكان من قرانا عن أعمالهم الوحشية تدفعني إلى الاعتقاد الآن بالذات إلى أنَّ هذا الرجل الذي يسير خلفي قد يقتلني».

«ماه يا خبير كان معك شريعة؟ الله.. بلاكم أنتم أهل الحجرية بالشرائع.. كل من معه بقشتين قام يشارع.. ليش ما تقعدوا زي خلق الله بلا دوشه.. ولا وجع دماغ؟»، اخترق صوت العسكري جدار الصمت، وبث الوحشة، وتعالى الانتقاد: «وإلا عاد تفتكروا أنَّ معكم عدالة مه؟.. الحاكم.. والعامل.. ما ينصفكم .. العدالة قتلوها.. أكلوها أصحاب القروش، وأنتم يا رعوي هاتوا مئة ريـال، هاتوا مئتين ريـال، تسكبوها لأصحاب الكروش بغير حساب.. يا خلق الله بطونكم خاوية هكذا وإلا لا.. ؟»، «والله ما كبرت الكروش إلا من بيسكم أنتم يا الرعية».

نزلت المُفاجأة على الرعوي كالصاعقة، فالشيء الوحيد الذي لم يكن يتوقعه هو «أنْ يتكلم هذا الرجل عن الظلم والشريعة، وأصحاب الكروش..»، فالذي تعوده وأقرانه هو أنَّ العسكر «هم بالدرجة الأولى أدوات هذا الظلم، هم الذين ينفذون أوامر الحكام».

ما زالت الرحلة حُبلى بالمُفاجآت، وفيها برز الجانب الآخر للعسكري، الجانب الإيجابي الذي لم يكن يعرفه الرعوي بعد، ومما قاله الأول عن نفسه: «والله يا خبير إنني أشتي الأولاد يكونوا مُتعلمين.. ما يكونوا عسكر مثلنا.. من غير علم، فين المدارس؟ معنا فقيه.. والفقهاء ألعن من الحكام، همهم البيس.. والله وبالله أنَّهم ما يعرفوا معنى القرآن، بس يكذبوا على خلق الله، أفسدوا الدنيا بكذبهم».

وما أنْ وصل الرعوي إلى جوار منزله، حتى خاطب رفيق رحلته قائلًا: «المفاليس يا خبير بعيدة، والدنيا ليل، لازم تبات الليلة عندنا، والصبح يفرجها الله». نظر إليه العسكري طويلًا، وقال: «أنا عسكري، والعسكر تعرف أنَّ لهم مطالب.. دجاج.. قات.. مداع..»، قاطعه المُضيف، وأكمل بسرعة: «وأجرة ماه»!! وضحك الرجلان وهما يدلفان باب المنزل، والعائلة تنظر إلي مُعيلها في حزنٍ وخوف؛ فالعسكري معه، وهذا يعني أنَّ مصيبة قد حدثت!!.

كما استحضر محمد عبدالولي دور الوعي في تغيير واقع الإنسان اليمني، وهذا علي التهامي في قصة «طريق الصين» تحوَّل من عسكري وعبد لهادي الهيج إلى عامل يشق طريق «الحديدة – صنعاء» مع الصينيين. تعلم منهم الكثير، و«لأول مرة عرف أنَّ الإنسان – بل هو نفسه – أقوى من الجبل»، واكتملت حكايته وهو «في المقدمة يُزيل الجبال، ويُمهد الطريق، وترتفع جبال أخرى تحمل عُمالًا يمنيين آخرين»، وفي الجانب الآخر ابتسم الصيني ليو وهو يقول: «يمني.. كلو ذكي».

وفي قصة «إضراب» تحدث أديبنا عن الوطن الكبير، والهم الوطني الواحد، وقال على لسان أحدهم: «عدن نفسها ليست سوى جزء صغير من اليمن الكبير، وأنَّ العدني هذا ليس سوى يمني.. أراد أم لم يرد.. فالتاريخ والحقيقة تقول هذا»، وعلى لسان محمد مقبل تكررت ذات النظرة الوحدوية بشمول: «إنني أؤمن أنَّ بلادنا لا يفرقها استعمار أو استبداد».

ومن الأشياء الإيجابية انتقل أديبنا إلى الأشياء السلبية، وما أكثرها. انتقد أحاديث كبار السن المُكرر والممل في مجالس القات، وعدم سماحهم لأولادهم المُشاركة فيه، وعلى لسان نعمان بطل رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» حضر التذمر: «الناس يا صديقي هم ناس بلادنا.. بدون تفكير، بدون أمل في المُستقبل.. بدون شيء.. يأكلون القات.. مُرتاحون، ولا حديث لهم إلا عن “فلان” الذي عاد إلى القرية وبجيبه “الريالات” التي لا تنتهي.. وعن “فلانة” التي لاحظوا أنَّها تتزين وتلبس ملابس نظيفة رغم غياب زوجها عنها.. أحاديث تصيبني بالغثيان كلما استمع إليها، فأهرب من الناس.. ومن نفسي..».

كثيرٌ ما تكرر ذكر القات ومجالسه في أعمال محمد عبدالولي، بضجيجه العشوائي، وصمته الروتيني، وضجره المسائي، وهذا بطل قصة «إنَّه يمني» قال في لحظة انتشاء: «تصنع هذه الوريقات الكثير من الآلام والآمال، وتفرغ جيوب أمثالي».

كما قام برصد الفساد المالي والإداري في قصتي «أصدقاء الرماد»، و«يا أخي اتخارج»، وقام بفضح رجال الدين الذين يستغلون جهل الناس لخدمة أغراضهم في روايتي «صنعاء مدينة مفتوحة» و«يموتون غُرباء»، وانتقد في عدد من أعماله بعض عادات المُجتمع الرتيبة، وهذا بطل قصة «ريحانة» قال وهو يتأمل من إحدى ثقوب سجن «القلعة» ليل صنعاء الحزين: «الزواج مثل الجنازة هنا في صنعاء.. ينشدون لها طوال الليل بأغاني دينية حزينة..».

في أعمال محمد عبدالولي تاريخ بلد، ومُعاناة شعب، وهو كما مدح الإنسان، فقد ذم في المقابل حياته، وهذا أحد بطلي قصة «شيء اسمه الحنين» قال وهو يُطل على جبال الحيمة: «المنازل عالية فوق القمم. الإنسان هنا نسر.. يُحلق عاليا، ولكنه يحيا حياة القاع»، كما حضر في ذات القصة جانب من مأساة عاشتها تلك المنطقة ذات حرب: «آثار القنابل لا تزال واضحة.. الجدران تبتسم ببشاعة وقد حطمتها القنابل. آثار الحرب على الحقول الجرداء رغم مياه الأمطار الغزيرة».

صورة قاسية لحرب «جمهورية – إمامية» لم تنته بعد، والأقسى أنَّها ولَّدت هذا السؤال: «بالله قل لي: هل هؤلاء ـ وأشار إلى القرية المُعلقة في الجبال ـ يعيشون حياة إنسانية؟ أتذكر قبل سنوات والحرب دائرة أنَّهم كادوا يقتلوننا هنا.. مجموعة من الحفاة العُراة، كل ما له قيمة كانت بندقيتهم فقط، أية حياة بالله أنْ تكون نهايتك على يد مثل هؤلاء؟ ألهذا تعلمنا وسافرنا؟ وحلمنا بالعالم الجديد؟ وبأنَّنا سنناضل ونبني!! لمن؟ لهؤلاء!! الذين يبيعونك بجنيه ذهبي، وأحيانًا بلا شيء».

وبعد انتقاده اللاذع لأولئك المُغرر بهم، وكُفره المُعلن بعادات بالية جعلت الجرح جزء من البندقية، غاص ذلك البطل الجمهوري اليائس أكثر في دهاليز ذاكرته، وأشار بيده إلى الجبال مرة أخرى، وأضاف: «هنا يا عزيزي قتل أيضاً المئات من أمثالنا. شباب فيهم حيوية وإيمان، وكانت لهم أحلام، ماتوا من أجل قضية. والآن ماذا بقي منهم؟ هل يتذكر أحد عنهم شيئاً!! لا.. حتى التضحية هنا جريمة، عملية إجهاض سري لا أوافق عليها».

وفي قصة «الأطفال يشيبون قبل الفجر» حضرت ليلة من ليالي حصار صنعاء القاسية «1 يناير 1968م»، «الظلام أسود أسود أسود، والليل بارد بارد بارد، والأشباح تملأ المكان خوفًا، وطلقات بعيدة تردد الجبال والوديان صداها، الأسلحة تجمدت فوق الأيدي، الدم الحار التحم بالقصب البارد، حبات الرصاص كانت دافئة مثل القلوب القليلة التي تخفق في الربوة.. الليل طويل طويل طويل، والدقائق دهور، والساعات عصور، هل يدرك أولئك معنى الموت؟».

«وفوق الربوة التي تبعد عشرين كيلو متر من صنعاء، كانوا سبعة وضابط يخفيهم الظلام، ويحتويهم البرد، لا يعلمون بأنَّ عامًا جديدًا مرَّ بجانبهم». «قلوبهم دافئة، أما أيديهم فقد تجمدت على الأسلحة. تأخر العدو هذه الليلة كما تأخرت المدينة خلفهم من تزويدهم بالأغذية والمُؤن، وعيونهم تخترق الظلام، وتمسح السهل الأغبر..».

لم يتجاوز أولئك الأبطال مرحلة الطفولة بعد، لكنهم شاخوا قبل الفجر. انظموا لصفوف «المقاومة الشعبية» بحماس، وهذا أحدهم «سرق مرة.. وقال إنَّها سرقة شريفة – فقد سرق مسدس أحد العقداء عندما هجم العدو، وهرب العقيد..». حمد الأخير الله «على نجاته.. وبعد أيام كان في مهمة في الخارج»!!.

«مات الظلام، وانتحر البرد، وهو يشاهد النيران حوله تحرقه بعنف، ولم يصدر من السبعة والضابط صوت، بينما الصراخ يرتفع بعنف من الجانب الآخر»، وفي النهاية استشهد أولئك الأبطال، و«كانت أيديهم على البنادق والمدافع، ولم تكن هناك ذخيرة». سطروا ملاحم بطولية أذهلت المُهاجمين الذين تجاوز عددهم الـ «200» مُقاتل، و«غطى العدو وجهه وهو يشاهد الأطفال أمامه».

وفي قصص «عمنا صالح»، و«ذئب الحلة»، و«السيد ماجد» و«ليلة حزينة أخرى»، و«ريحانة» حضر جانب من مُعاناة محمد عبدالولي ورفاقه في سجن «القلعة» المُوحش – أواخر ستينيات القرن الفائت، وقال ذات تأمل: «كل يوم ترسل صنعاء إلى الزنزانة المزيد من هذا الحبات الناعمة من ترابها. لو كان يوجد ماء معي في الغرفة لحولتها إلى حديقة زهور!! زهور؟! هنا في القلعة زهور، يا رب ما أبعد الصورة.. على جدران الزنزانة أسماء لمساجين سبقوني اليها، صالح علي، الشيخ الذاري، مطهر.. أسماء غريبة وعجيبة، تحت كل اسم عبارة لا تتغير “أنا مظلوم”».

حوى ذلك السجن خلف قضبانه عدد من المساجين السياسيين والمجانين أيضًا! ومما قاله أديبنا عن الأخيرين: «المجانين هنا يعيشون في راحة، لأنَّهم يعيشون مع مُعتقلين سياسيين يُقدمون لهم الشراب، والسجائر، والقات»، ومن هذه الفئة المسحوقة برزت شخصية صالح العمراني «عميد المساجين»، و«أول من عرف قيادة السيارات في بلادنا في الثلاثينيات عندما وصلت أول سيارة إلى صنعاء». تُيم بحب يهودية رفضت أنْ تسلم، وحين غادرت اليمن أخذت معها قلبه، ثم عقلة.

وهناك في جناح المجانين، وفي ذلك القبو القذر يقيم «ذيب الحلة»، جيء به إلى هنا قبل ثلاث سنوات، «ربما كان أبلهًا… قالوا أنَّ الملكيين كانوا يستخدمون الكثير من أمثاله في إيصال الرسائل؛ فهم لا يُلفتون الأنظار، وإنْ وقعوا في الأسر فلن يضروا مُطلقًا»، وهناك في ذات الجناح ضابط أردني كان يُقاتل في جيش الملكيين، وهناك.. وهناك..

صحيح أنَّ جلَّ أعمال محمد عبدالولي غلب عليها طابع النقد اللاذع، وتعرية مكامن القصور، والتقوقعات الضيقة، والتحريض ضدها، إلا أنَّ استشراف المُستقبل بأحلام صغيرة كان له حضور في بعض أعماله، ونجده في قصة «عند امرأة» يتحدث عن مدينة تعز قائلًا: «ألست موافقًا معي أنَّ تعز أجمل مُدن عالمنا.. وجبل صبر وهو ملتفع بجبته السحابية وقت العصر، وهو يُحملق في تعز بحنان أب جبار. تعز رائعة.. لقد ولدت فيها، وأنت أيضًا، إنَّها مدينتنا.. عندما تكبر سأكون قد شخت، لكن مدينتنا ستكون شابة، هناك في أحضان “صبر” ستُبنى أجمل منازل الدنيا، و”قلعة القاهرة” مكان مُمتاز لبناء فندق عالمي. دعنا نحلم بالمُستقبل، بالأضواء تصنعها شموس كهربائية..».

ويحضر التمني الكبير بصوت محمد مُقبل: «نُعمان.. إنني أتمنى أنْ لا أموت حتى أرى بلادنا هذه كتركيا. أتمنى أنْ أرى الطرق مرصوفة، وخطوط السكك الحديدية تخترق جبلنا كتلك التي تخترق جبال الحبشة، وأرى السدود على وادينا هذا، وغيره من أودية بلادنا الكثيرة، فلا يموت السيل، ولا تضيع مياهنا في الصحراء، ولا يلتهم السيل أطفالنا، وماشيتنا، وأرضنا. أتمنى أنْ أرى بلادنا كبلاد الآخرين».

وهكذا، وبعد هذا الغوص المُتأني في أعمال محمد عبدالولي المائزة، وجب التأكيد على يمنية تلك الأعمال – مكانًا، وزمانًا، وأشخاصًا، وقضية، وأنَّ جزءً كبيرًا من تفاصيل حياة كاتبها المُحزنة وجِدت مُبعثرة بين ثنايا السطور. كان – رحمه الله – مُثقف عضوي، وجزء من تاريخ هذا البلد، ومُشارك فاعل في أحداثه. عاش الغُربة الجسدية في الحبشة، ومصر، وروسيا، والسويد، وألمانيا، وعاش الغُربة النفسية في وطنٍ لم يتعافى من أوجاعه بعد.

ولأنَّه من مواليد الحبشة، وأمه حبشية، التصقت به تسمية «كليس»، وحسب مُقربين منه لم تكن تلك الكلمة تُزعجه بتاتًا؛ بل كان يتلقاها ببرود. انتصر في أعماله الأدبية لنفسه، وللمُولدين أقرانه، ونقل مُعاناتهم الحائرة، وترجم مشاعرهم المُتضاربة، وهذا السكرتير المُولد – أحد أبطال رواية «يموتون غرباء» – قال ذات حوار: «ولكن مشاعر انعدام ارتباطك بأرض تحمل جواز سفرها، وعدم انتمائك لأرض ولدت عليها، وتحمل الكثير من عاداتها مُرهق.. أنت دائمًا مُشتت بين مُجتمع يراك غريب، والآخر يراك دخيل».

واكب محمد عبدالولي تطورات القصة العربية والعالمية شكلًا ومضمونًا، وتأثر باللغة والتكنيك القصصي للقاص الروسي تشيكوف، وبحنا مينا، ويوسف ادريس، والأكثر أهمية أنَّ بعض أعماله تُرجمت إلى الفرنسية، والروسية، والألمانية، والإنجليزية، وأنَّ باحثين يمنيين وعرب وأجانب تناولوا أعماله بالتقييم والدراسة، ويُعد الأديب الألماني جونتر اورت أبرزهم. كشف الأخير كثير من الرموز الغائبة في أعماله، وقدمها في كتاب، وعدها نقطة تحول فارقة في بلد لم يتجاوز حينها ثالوث الجهل، والفقر، والمرض.

وبالعودة إلى حياة محمد عبدالولي الشخصية، فقد تزوج بعد وفاة زوجته الأولى من امرأة سويدية، وأنجب منها ابنتيه سارة، ثم فاطمة، ولأنّه يساري التوجه؛ تعرض لمحنة رفاقه بعد أحداث «أغسطس 1968م» الدامية، وهي الأحداث التي أدت إلى إقصاء أبطال «ملحمة السبعين يومًا» الحقيقيين، وتعرضهم للتصفية، والتسريح، والاعتقال.

بولوجه بوابة سجن «القلعة» في صنعاء، بدأت أخطر مُنعرجات حياة محمد عبدالولي الشخصية. عام كامل من عُمره القصير قضاه خلف القضبان، ليؤثر بعد الإفراج عنه البقاء في تعز، لم يهنأ الاستقرار فيها، وتعرض بعد سلسلة من المُضايقات والمُطاردات لمحنة السجن مرة أخرى «1972م». يمم بعد ذلك خُطاه صوب عدن، جنة الفقراء الفقيرة – حسب توصيف محمود درويش – وهناك بدأت فصول رحلته المأساوية صوب حضرموت.

كانوا «42» دبلوماسي ومُثقف يساري، اكتظت بهم ذات صباح طائرة «الأنتينوف» الروسية «30 إبريل 1973م»، ثم حلقت بهم عاليًا في رحلة سياحية – هدفها المُعلن تعريفهم بمعالم بلدهم الشرقية، وهدفها الخفي ما زال غامضًا حتى اللحظة، وفي المُحصلة التراجيدية لم ينتصف نهار ذلك اليوم حتى انفجرت بهم تلك الطائرة، وهوت بأشلائهم فوق الصحراء، وهي لم تصل أجواء حضرموت بعد.

هناك من قال عن الحادث: أنَّه قضاء وقدر، وهناك من قال: أنَّه فعل مُدبر، وأنَّ حكام الجنوب أرادوا من خلاله التخلص من بقايا الفكر البورجوازي في تنظيمهم، واستدل هؤلاء بمغادرة عبدالله الأشطل وعلي باذيب الطائرة قبل إقلاعها بلحظات، وذلك بعد أنْ أتى أحدهم وهمس في أذنيهما ببضع كلمات.

وهكذا غادر الأديب محمد عبدالولي – صاحب الأذنين غير المحظوظتين – دنيانا محروقًا، وبلا وداع، وهو لم يتجاوز الـ «34» ربيعًا من عمرة. لم يمت كأبطال أعماله غريبًا في بُلدان الله؛ بل مات غريبًا في بلادٍ قدم لها ولأجلها الكثير.

عناوين ذات صلة: