المرأة اليمنية بين المأساة والنضال

  

رمز كاتب قلم

د: لمياء الكندي تكتب: المرأة اليمنية بين المأساة والنضال


سنوات قليلة تلك التي عاشتها المرأة اليمنية وهي تتمتع بالاستقرار والأمن النسبي الذي مكّنها من إعادة بناء ذاتها من جديد، ففتحت لنفسها باب التعليم والعمل والمشاركات في العديد من الأعمال الأدبية والفكرية والسياسية، وخطت خطوة نحو الاستقرار والدفاع عن حقوقها العامة والخاصة، وكانت في بداية الطريق نحو انطلاقتها في مختلف المجالات.

لكن الصعوبات والمعاناة التي تواجهها المرأة في محاولاتها التوجه نحو الاستقرار النفسي والاجتماعي والمشاركة السياسية أثرت بشكل بالغ الخطورة في كيانها النسوي والحقوق الطبيعية التي تتمتع بها الأخريات من نساء العالم، حيث ألقت عليها الحرب جل إفرازاتها القذرة، بكل ما حملته من تبعات وصلت إلى حدِّ إلغاء دورها ومشاركتها السياسية والمجتمعية، في ظل المتغيرات التي فرضها واقع الحرب التي شنّتها الميليشيا الإمامية على الدولة والشعب، وما مثّله ذلك التدمير المتعمد للدولة من تهديدات دفعت المرأة الفاتورة والرقم الأصعب منها.

لقد تزامن ذلك الخطر الحربي المتمثّل بإسقاط صنعاء في 21 من سبتمبر 2014م مع الخطر الوجودي الذي بات يهدد الحاضر والمستقبل لنا كيمنيين وللمرأة اليمنية على وجه الخصوص، ولكنها -أي المرأة اليمنية- تمكنت من هتك سياج الخوف والقهر والعنف وكافة أشكال التهديد الذي مسَّها بشكلٍّ مباشر وغير مباشر.

لقد كان للظروف الاقتصادية التي مرَّت بها اليمن أثناء الحرب وما تبعها من سياسة الحوثيين -كقطع مرتبات العاملين في الدولة، وقطع المستحقات الزهيدة التي تموّل برامج الضمان الاجتماعي- أكثر الأثر في ولادة معاناة اليمنيين واليمنيات، فكلَّفهم ذلك فقدانهم الأمن الأسري الذي هدّد حياة واستقرار الأسرة الواحدة، كما مثَّل فقدان أغلبية الأسر معيلها نتيجة هذه الحرب -إمَّا بالقتل وإما بالاعتقال- أسوأ أثر تحملت أعباءه المرأة بشكل مباشر وكامل، فتحوّلت مسؤولية الإعالة والبحث عن مصدر رزق لتلبية الأقل القليل من الاحتياجات الطبيعة لأبنائها، وهي المسؤولية التي استوجبت عليها الخروج للعمل والخدمة، واكتساب بعض المهارات التي تمكّنها من القيام بواجباتها الأسرية ولو بشكل جزئي.

ولعل من الآثار التي كلفتها مثل هذه الأوضاع وكانت الأكثر سلبية على مستقبل الجيل الحالي، هي عدم التحاق أبناء هذه العائلات بالتعليم، وانقطاع البعض الآخر عن إتمام مراحلهم الدراسية في المدارس، أو الجامعات، تحت تأثير النزوح، وعدم القدرة والكفاية المالية على مواصلة تعليمهم.

إن الحديث عن تأثير الحرب على المرأة اليمنية تجاوز فقدانها لحقها بالأمن الأسري، والوظيفي، والمجتمعي ككل، ليصل إلى مستويات عالية من القهر المنظّم الذي استوجب إلغاء أي دور لها.

والعجيب أن ميليشيا الحوثي ما زالت تعفي نفسها من أي استحقاقات وواجبات وقرارات يمكنها التخفيف من المعاناة الحاصلة، وذهبت إلى إسكات كلِّ الأصوات الحقوقية، والصحفية، والمجتمعية، التي تثير أي قضايا من هذا الخصوص، فكانت الكلفة التي تحمَّلتها الناشطات والمعارضات لميليشيا الحوثي باهظة، تجاوزت حدود المنع والمضايقات والتهديد، إلى القيام بسجن الناشطات والمعارضات لسياستهم، والإخفاء القسري، والتشهير، والتهديد بالقتل، من أجل قمع كافة الأصوات المطالبة بحقوقهن وقضاياهن العامة.

وفي إحدى التقارير الخاصة التي أعلن عليها تحالف “رصد” التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، أفادت تلك التقارير أن عدد النساء المختطفات والمخفيات قسرًا، والمعذبات اللواتي تمكن أعضاء الفريق من الوصول إليهن، بلغ أكثر من 300 امرأة، يتوزعن على مختلف المحافظات اليمنية، من سبتمبر “أيلول” 2014 إلى مايو “أيار” 2019، وهو رقم لا يستهان به، لو قورن بحجم النشاط الذي تمارسه المرأة اليمنية داخل مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية، إضافة إلى طبيعة المجتمع وخصوصيته، والمحافظة التي تمنع كثير منهن التعبير عن قضاياهن، أو القيام بواجباتهن كل من موقعها، حيث تجاوزتها السلطات الحوثية، وضربت بكل الأعراف والقيم القبلية والمجتمعية والدينية عرض الحائط، فكانت تلك الممارسات هي الضامن لهم لقمع أي نشاط نسوى مماثل تقمن به أخريات، متخذين من أساليب القمع وسيلة للترهيب الجمعي في محاولة منهم لضمان عدم تحول هذه المعارضة إلى ظاهرة تنتشر في الأوساط المجتمعية التي تعي حجم هذه الانتهاكات.

وتمكَّنت بعض الناشطات من إيصال أصواتهن إلى العالم، وكشفن عن ممارسات الحوثيين في حقّهن وحق غيرهن، وما تعرَّضت له الناشطة سميرة الحوري من تهديد واعتقال -نظرًا لنشاطها المجتمعي وكشفها للعديد من السجون السرية التي تمارس فيها مهام الاعتقال والتعذيب- إلا نموذج صارخ يفضح الأدوار المشبوهة لهذه الجماعة، وكانت إفادتها وشهادتها التي قدَّمتها بهذا الخصوص تعبيرًا واقعياً عن حجم التهديد الذي يمارس ضد المرأة ومحاولة إسكاتها، واستغلالها للإيقاع بخصومهم السياسيين، وتجنيدهن بهدف الإيقاع بهم، عبر العديد من المواد الجنسية التي تعتبر أداة فاعلة في التشهير والإذلال.

وفي ظل هذه التهديدات الحوثية لم تستسلم المرأة للأمر الواقع الذي تفرضه الميليشيا، فقد ظهر بينهن العديد من الناشطات الآتي تمكن سابقا من التحرك خارج سلطة الحوثيين، وقمن بكشف جرائمهم وتقديمها إلى العالم عن طريق العديد من الفعاليات والمؤتمرات التي تعنى بهذا الشأن، وفضح أساليبهم، كـ الحقوقية أروى الخطابي، وبشرى المقطري، وهدى الصراري، وأمة السلام الحاج، ووسام باسندوة، وغيرهن ممن أخذن على عاتقهن مهمة التشهير والكشف عن الجرائم الحوثية بحق المرأة والمجتمع اليمني.

وتمكنت بعض النساء ممن يعشن داخل مناطق سيطرة هذه الميليشيا، من التعبير عن رفضهن وانتزاعهن حقوقهن من هذه الميليشيا، وكان ذلك بفضل قدرتهن على كسر حاجز الخوف، وعدم الاستسلام لسياسة الأمر الواقع، وإيصال معاناتهن إلى العالم وأصحاب القرار في الداخل والخارج، بما يملكن من أدوات ووسائل بسيطة واجهن بها طغيان هذه الميليشيا وأحكامها، وما محاولة كلٍّ من سحر الجبيحي، وأبرار الإرياني إلا نموذج من هذه النماذج الناجحة الفاعلة، حيث تمكنت هاتان الفتاتان من الوقوف أمام اعتقال آبائهن، وتغييبهم في السجون الحوثية، وقد أفلحت أصواتهن في كسر أحكام ميليشيا الحوثي تحت ضغط المناشدات التي لم تنقطع والكتابات على حوائطهن في “الفيس بوك”، وغيره من الكتابات التي أوجدت نوعًا كافيًا من التضامن الحقوقي والدولي معهن، حيث وصل الأمر مع سحر الجبيحي إلى إرغام سلطات الحوثي على إلغاء حكم الإعدام بحق والدها الصحفي “يحيى الجبيحي”، في حين تمكَّنت “أبرار الإرياني” بفضل يومياتها المنشورة في صفحتها على “الفيس بوك” التي حظيت بتعاطف مختلف الشرائح الاجتماعية والفكرية والحقوقية، من الضغط على السلطات الحوثية وإجبارها على الإفراج عن والدها المعتقل الذي قضى ما يزيد عن عام من الاعتقال، والإفراج عنه.

هذه نماذج قليلة من تلك الأصوات التي تمكَّنت من كسر روتين الخوف والتهديد، في حين بقيت المئات من القضايا خارج دائرة الضوء، يقبع أصحابها تحت سقف النسيان والتجاهل، من مختلف الجهات التي لم تأخذ في عاتقها مهمّة تمثيل الجميع والدفاع عنهم، ونزع القناع والتغطية شبه الشرعية التي تحظى بها الممارسات الإجرامية الحوثية.

. مجلة المنبر اليمني