مراد: قرن مذحج الذي أسقط امبراطوية الفرس

  

رمز كاتب قلم

أحمد الجحيفي يكتب حول مراد: قرن مذحج الذي أسقط امبراطوية الفرس


نستعرض من خلال هذا السرد التاريخي المختصر قصة أعظم ثأر في تاريخ العرب، بدأ من “الرزم” في وادي الجوف، وانتهى في “القادسية” بالعراق.

وقعة الرزم

العداوة بين مراد وأبناء الفرس، قديمة متجذرة في القدم، بدأت أول فصولها في وقعة الرزم في العام الثاني من الهجرة.

وقعة الرزم هي معركة وقعت في منطقة الرزم من وادي الجوف (حيث كانت تسكن مراد من قبل)، بين مراد من جهة وهمدان و”الأبناء” (التسمية التي أطلقت على أبناء الفرس الذين استقدمهم سيف بن ذي يزن) من جهة أخرى. وكانت مراد متحالفة مع ملوك كندة، وهمدان حلفاء الأبناء الفرس.

وقد كان للفرس “الأبناء” الدور الأكبر في تأجيج الفتنة بين مراد وهمدان، لإشغال القبائل اليمنية في حروب طويلة الأمد تستنزف جميع الأطراف عملا بقاعدة “فرق تسد”!

واشتعلت الحرب بين مراد وأحلافها من بجيلة وزُبيد من جهة، وبين قبائل همدان وأحلافهم “الأبناء” الفرس وبني الحارث بن كعب من مذحج من جهة أخرى، واستبسل الجميع فلا غالب ولا مغلوب.

أجج الأبناء نار الفتنة بين القبائل اليمنية المتحاربة في وقعة “الرزم” مسخرين كل إمكانياتهم من المال والسلاح والعتاد لذلك، وكادت الحرب أن تقضي على الجميع.

تدخل عقلاء اليمن من زعماء قبائل كندة – حلفاء مذحج – ومن شاكر وجذمها الأكبر “وائلة” القبيلة الهمدانية التي وقفت موقف الحياد من الجميع، وزعماء قبائل مذحج من زُبيد وسعد العشيرة والنخعيين.

تداعت قبائل اليمن كلها إلى وادي الجوف لحقن الدماء وإطفاء نارالفتنة، فوضعت الحرب أوزارها، واتفق الجميع على خروج مراد من وادي الجوف باعتباره أرضا لبكيل الهمدانية منذ القدم هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بهدف التفريق بين القبيلتين درءا للفتنة، وقطع الطريق على المتربصين؛ وفي المقابل تنتقل مراد إلى مغارب مأرب على أن تكون الأرض الواقعة بين مأرب وبيحان وردمان أرضا لمراد وأحلافها ورباعتها من القبائل الأخرى.

وقد كانت هذه الأرض من قبل أرضا مشاعا تتنازع عليها قبائل مذحج وحميّر وحضرموت، من زمن الملك السبئي شعرم أوتر “الأشعر الوتاري”، وقد كان هذا الصلح سببا في إسلام مراد.

إسلام فروة بن مسيك وقيس بن مكشوح زعيما قبيلة مراد

بالنسبة لزعيم مراد فروة بن مسيك وفارسها قيس بن مكشوح فقد قبلوا هذا الحكم على مضض، خرج فروة بن مسيك المرادي من اليمن مغاضبا وفي قلبه من بغض أبناء الفرس ما تنوء الجبال من حمله، فانتهى به المطاف إلى المدينة المنورة والتقى بالنبي عليه الصلاة والسلام، فأسلم. وقد ذكر أهل السير ذلك، قال ابن اسحاق: “قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك المرادي، مفارقا لملوك كندة، فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج “.

في حين ظل قيس بن مكشوح في اليمن يترقب الفرصة السانحة للثأر من الفرس – الأبناء – والقضاء عليهم. وقد اختلف المؤرخون في قصة إسلام قيس بن مكشوح، فمنهم من قال بأنه وفد على سول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ويعدونه من الصحابة، ومنهم من قال إنه أسلم في العام الذي مرض فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلتق به، وإنما التقى بالخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثورة الأسود العنسي

لما ظهر الاسود العنسي، وسيطر على صنعاء، تظاهر قيس بموالاته وأخذ يعمل للقضاء عليه، وذلك، حسب بعض المصادر، لما وجد في نفسه من التفاف الأبناء “الفرس” حوله. وتقول المصادر إن الرسول صلى الله عليه وسلم، كتب لقيس بن مكشوح آنذاك، بمصاولة الأسود العنسى واستمالة الابناء.. قال البلاذري: “فأظهر قيس للأسود أنه على رأيه.. ثم استمال قيس فيروز.. فاسلم فيروز ثم أتيا داذويه فاسلم”. [ص 114 فتوح البلدان – البلاذري].

وكان الأسود العنسي* استعمل فيروزاً على الأبناء (الفرس)، أما داذويه فكان القائد الديني للأبناء، لذلك حرص قيس على استمالتهما.

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه، ومعه قبائل اليمن -وأغلبهم من حميَر ومذحج- قد توجهوا لمصاولة الأسود العنسي في صنعاء، بينما قام قيس باستمالة زعماء الأبناء داخل صنعاء وكان مع قيس فرسان مذحج وهمدان المرابطين معه داخل صنعاء، فتم تنسيق خطة القضاء على الأسود واشترك فيروز وداذويه في اغتيال الأسود العنسي، ثم فتح أصحاب قيس الأبواب لمعاذ بن جبل وأصحابه فدخلوا صنعاء.

استمر قيس في صنعاء قائداً للجيش وفيها فيروز وداذويه على الأبناء حتى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في صدر خلافة ابي بكر الصديق.

ثورة قيس بن مكشوح المرادي في صنعاء

خرج معاذ بن جبل رضي الله عنه، من اليمن بطلب من أبي بكر الصديق، وتولى الأمر من بعده على صنعاء وضواحيها فيروز الديلمي ومن معه من الأبناء الفرس، وكان قيس يتظاهر داخل صنعاء بأنه مع فيروز وداذويه والأبناء، وأخذ يخطط للثورة سراً ويتواصل مع زعماء مذحج وقبائل اليمن الرافضين لهيمنة الفرس، وغالب من أيّده في ثورت قبيلة “مراد” صاحبة الثأر القديم مع الأبناء.

فلما رأى قيس أن أوان الثورة قد حان، أرسل سراً إلى أذواء وأقيال وزعماء اليمن كتاباً يدعوهم لمناصرة ثورته. وقد ذكر الطبرى وابن الأثير وابن خلدون بأن قيسا أرسل وكتب الى الأذواء -وسائر من كان أبوبكر كتب إليهم- وقال قيس في كتابه إليهم: “إن الأبناء نزاغ في بلادكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم. وقد أرى من الرأى قتل رؤوسهم وإخراجهم من بلادنا”.

فكان موقفهم، كما يذكر الطبرى وابن كثير، أنهم لم يمالئوه ولم ينصروا الأبناء واعتزلوا وقالوا لقيس: لسنا مما هنا في شيء. أنت صاحبهم وهم أصحابك!

واستجاب لقيس عامة قبائل اليمن وغالبهم من مراد ومذحج، وبقي الرؤساء معتزلين. ثم كاتبهم قيس في السر، وأمرهم أن يتعجلوا اليه، وليكون أمرهم وأمره واحداً، ويجتمعوا على نفي الأبناء من اليمن، كما ذكر ذلك الطبري في تاريخ الأمم والملوك.

انطلق فرسان ورجال اليمن إلى صنعاء استجابة لنداء قيس، فلما صاروا بمشارف صنعاء قام قيس وأصحابه داخل صنعاء بترتيب الأمور، ثم قام ومن معه بمصاولة الأبناء وحصارهم دخل صنعاء وعلى إثر ذلك قُتل داذويه، أما فيروز فتمكن من الهروب من صنعاء الى خولان، بينما دخل فرسان وقبائل اليمن، صنعاء، وتم اعتقال وجمع سائر الأبناء في صنعاء وكل اليمن، وتولى قيس الأمر والقيادة بصنعاء، فلما تم تجميع سائر الأبناء الى صنعاء، كما ذكر الطبري وابن كثير وابن خلدون: “عمد قيس بن مكشوح الى الأبناء، ففرقهم ثلاث فرق، أقر فرقة منهم وأقر عيالهم (أي أقر بقائهم باليمن)، وأمر بالفرقة الثانية أن يحملوا في البحر، وسيّر الفرقة الثالثه في البر، وقال لهم جميعاً: الحقوا بأرضكم”.

كان على رأس الأبناء الذين أجلاهم قيس من اليمن (بهمن بن داذويه) و(مهران بن باذان)، وقد كان مهران وبهمن بعد ذلك –عام 13 هـ– على رأس الجيوش الفارسية المجوسية في موقعة البويب التى سبقت القادسية بالعراق، حيث فوجئ الجيش العربي الإسلامي في موقعة البويب بأمير وقائد الفرس يتقدم طالباً المبارزة وهو يقول بالعربية الفصحى:

إن تسألوا عني فإنى مهران
أنا لمن أنكرنى ابن باذان

وقد أورد الطبري شعر مهران في أخبار موقعة البويب، ومما أورد قال: “حدثنى من لا اتهم من أهل العلم أن مهران كان عربياً (يتكلم العربية) لأنه نشأ مع أبيه باذان باليمن إذ كان عاملاً لكسرى”.

وقد سقط مهران بن باذان قتيلاً في موقعة البويب على يد الصحابى جرير بن عبدالله البجلي، كما سقط في تلك المعركه بهمن [بن داذويه].. وكان جرير بن عبدالله أمير وقائد الجيش العربي الاسلامي في موقعة البويب، ومهران بن باذان أمير وقائد الجيش الفارسي المجوسي.

مشاركة مراد وقبائل مذحج في فتوحات الشام والعراق

في أواخر عام 11 هجري، أرسل الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الصحابي أنس بن مالك الأنصاري إلى اليمن يستنفر فيها أهل اليمن للجهاد في الشام والعراق، فانطلقت من اليمن مواكب زعماء وفرسان قبائل اليمن ووصل الى المدينة المنورة جيوش ومدد اليمن، وكان أوائل من قدم إلى المدينة قيس بن مكشوح على رأس قبيلة مراد ومن معهم من قبائل مذحج، كما ذكر الطبري في تاريخه حيث قال : “قدم على أبي بكر الصديق أوائل مستنفري اليمن وفيهم ذو الكلاع الحميري وجرير بن عبدالله البجلي وقيس بن مكشوح المرادي”.

معركة القادسية

وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انتدب قبائل مذحج وعلى رأسها “مراد والنخع وصداء وزبيد” وأحلافهم من قبيلة كندة لقتال الفرس، وهذا ماكانت ترنو إليه قبيلة مراد وزعماؤها لتصفية حساباتهم مع الفرس، وقد استجابت هذه القبائل لطلب أمير المؤمنين.

وشاركت مراد مع قبائل مذحج وغيرها من قبائل اليمن في كل المعارك ضد الفرس، منها معركة البويب السالفة الذكر، إلا أن معركة القادسية كانت هي المعركة الحاسمة التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية الفارسية، وقد كان لمذحج والقبائل اليمنية القول الفصل في هذه المعركة التاريخية.

فقد كان عدد مقاتلي مذحج في هذه المعركة ما يزيد على ألفين وخمس مائة مقاتل من أصل عشرة آلاف مقاتل تحت قيادة مالك بن الحارث النخعي وقيس بن مكشوح المرادي وعمرو بن معد يكرب الزُبيدي ويزيد بن الحارث الصدائي وأبو سبرة بن ذؤيب الجعفي.

وشاركت كندة بألف وسبعمائة مقاتل بقيادة الأشعث بن قيس الكندي، وشاركت حضرموت بسبعمائة مقاتل، بالإضافة إلى غيرهم من القبائل اليمنية الأخرى تحت قيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص القائد الأعلى للجيش الإسلامي بالقادسية، وقد جعل الميمنة بقيادة الصحابي جرير بن عبدالله البجلي اليماني، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح المرادي وعمرو بن معد كرب الزبيدي.

وقد كان قيس بن مكشوح على رأس القوة التي هاجمت “رستم” قائد جحافل الفرس، وتمكن من كسر دفاعات العدو وقتل رستم آخر قادة امبراطورية الفرس، وبمقتله انكسرت شوكة الفرس وانهارت دولتهم. وهنا تنتهي قصة أعظم ثأر في التاريخ العربي، بدأت أولى فصولها في الرزم من بلاد الجوف اليمنية وأنتهت في القادسية، لتنهي أعتى امبراطورية حكمت مشارق الأرض. (لكن ثأر الفرس على اليمنيين منذ وقعة القادسية لم يتوقف الى اليوم).

اليوم يحاول الفرس عبر أدواتهم المأجورة في بلاد اليمن أن يعيدوها جذعة بينهم وبين مراد القبيلة العنيدة التي كسرت كبرياءهم وقضت على مملكتهم، تدفعهم نوازع الأحقاد القديمة للانتقام، ولكن مراد وكل قبائل اليمن الأبية ستظل هي الطود الشامخ الذي تتحطم عليه كبرياء الفرس وأدواتهم على مر التاريخ.

______
المراجع :
– تاريخ الطبري
– البداية والنهاية لابن كثير
– سير أعلام النبلاء للذهبي
– الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني
– قرة العيون في أخبار اليمن الميمون لابن الديبع الشيباني
– تاريخ اليمن في الإسلام أ.د. عبد الرحمن الشجاع

* ملاحظة من الناشر: تعرضت قصة الأسود العنسي لتدليس كبير من قبل الفرس، الذين تفرغ بعضهم في القرن الثالث الهجري لتدوين التاريخ، ضمن أجندة الانتقام من كل ما هو يمني وعربي.

عناوين قد تهمك: