نشوان الحميري: رمز يجسد كرامة اليمنيين وعبقريتهم

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب عن نشوان الحميري: رمز يجسد كرامة اليمنيين وعبقريتهم


يبقى نشوان بن سعيد الحميري الاسم الأكثر حضورًا في قائمةِ الأحرار الوطنيين الذين عملوا على إذكاء مشاعر العزة والكرامة في قلوب اليمنيين، فاخر عدنان بقحطان، وتمرَّد على الإمامة ومُسلمتها الإقصائية البطنين، وجعلها رئاسة عامة مشاعة بين القادرين الأمناء من المسلمين، وقال في ذلك:

إن أولى الناس بالأمر الذي
هو أتقى الناس والمؤتمنُ

أبيضُ الجلدةِ أو أسودها
أنفهُ مُخرومة والأذنُ

وقال مُنتقدًا الإماميين:

حَصَرَ الإِمامةَ في قُريشٍ مَعْشَرٌ
هُمْ باليَهُودِ أحَقُّ بالإِلْحاقِ

جَهْلًا كَما حَصَرَ اليَهودُ ضَلالةً
أمَر النُّبُوَّة في بَنِي إِسْحاقِ

خُرافة حصر الحكم بأسرة معينة، أو ما يسميه البعض بالاصطفاء الإلهي، ما هي إلا امتداد طبيعي لمقالة إبليس: «أنا خير ‏منه». و«آل البيت» وفق هذه الخُلاصة ما هو إلا مصطلح سياسي أوجده السلاليون لتشريع طموحهم السلطوي، واستعباد الناس، والتحكم في مصائرهم، وفي المحصلة النهائية جميعنا ينتسب إلى هذا الدين، وإلى بيت النبوة، وإلى بيت ‏الإسلام، وإلى بيت محمد، وإلى أتباع محمد، وإلى آل محمد، وهو ما أكده نشوان الحميري بقوله:

آلُ النبي همُ أتباع ملته
من الأعاجم والسودان والعربِ

لو لم يكن من آله إلا قرابته
صلي المصلي على الطاغي أبي لهبِ

وقبل التعمق أكثر في سيرة ومسيرة هذا العلم الحُر، سنُعطي لمحة موجزة للحالة السياسة لليمن خلال الحقبة التي عاصرها، وقد ابتدأ فجر شبابه مع أفول شمس «الدولة الصليحية»، وهي دولة يمنية خالصة وعريقة انتهت بوفاة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي «532هـ / 1138م». استغل في المقابل الشاب الطامح أحمد بن سليمان ذلك الانحسار، وأعلن في ذات العام دعوته من الجوف، وتلقب بـ «المُتوكل».

ظل الإمام أحمد بن سليمان بداية عهده مُتنقلًا ما بين «الجوف، وصعدة، ونجران»، ليوكل بعد خمس سنوات الأمر مؤقتًا لبعض المشايخ، وذلك لأسباب يطول شرحها. توجه إلى «البطنة – بني جماعة»، وبقي في ضيافة شيخها الحسن بن قيس لعام كامل، هزه بعد ذلك الحنين للإمامة، راسل بني عمومته خارج اليمن، وطلب منهم القدوم لنصرته، تمامـًا كما فعل جده يحيى بن الحسين من قبل، وكتب إليهم قصيدة طويلة جاء فيها:

هلموا فليصل منكم إلينا
لنصرة ديننا جيش لهامُ

وقودوا خيلكم شعث النواصي
فقد أخنى على الحق اللئامُ

فقد صامت سيوف الحق حتى
ذوت والآن ليس لها صيامُ

لم يأت لنجدة أحمد بن سليمان أحدٌ من بني عمومته خارج اليمن، صالح أقرانهم في الداخل، واستمال بعض القبائل إلى جانبه، ليجددوا جميعهم تمردهم عليه، حاربوه، وكادوا يفتكوا في مدينة صعدة به، فما كان منه إلا أنْ توجه إلى جازان «542هـ»، طامعًا في نصرة أشراف «المخلاف السليماني»، وكبيرهم غانم بن يحيى بن وهاس. ليعود بعد أربعة أشهر بخفي حنين، تملكه حينها اليأس، واعتزل الأمر، وفي حيدان آثر البقاء، ليأتيه بعد عامين ونصف العام وفد «علوي» كبير، اعتذروا له، واستنهضوه القيام مرة أخرى، وهو ما كان.

عقد العلويون مُؤتمرًا كَبيرًا في «مدر – البون» حضره «1,800» منهم، وكبار أنصارهم «صفر 545هـ / 1150م»، تداعوا له من أغلب المناطق، وناقشوا فيه أسباب خمول دعوتهم، وانكماشة دولتهم، وبتحشيد من الشيخ محمد بن عليان الخولاني اختاروا أحمد بن سليمان إمامًا، وهكذا، وبعد عامين من التنحي، وبعد تمنع ظاهره القبول، جدد الأخير دعوته، وسارع من فوره بالذهاب إلى حوث، وهناك التف حوله أنصار الزّيدِيّة، والذين كان غالبيتهم من «المُطرّفية»، ومدحه نشوان الحميري – أحد أعلام تلك الجماعة – بقصيدة طويلة جاء فيها:

سلام الله كل صباح يوم
على خيرِ البرية أجمعينا

على الغر الجحاجح من قريش
أئمتنا الذين بهم هدينا

فأبلغ ساكني الأمصار أنا
بأحمد ذي المكارم قد رضينا

رضينا بالإمام وذاك فرض
نقول به ونعلن ما بقينا

كان الإمام أحمد بن سليمان بطاشًا عنيفًا، وجاروديًا مُتعصبًا؛ بدليل قوله: «وعندنا أنَّ من تقدم أمير المؤمنين علي عليه السلام أو قدم عليه بعد النبي، فقد ظلمه، وجحد حقه، وهو كافر نعمة، فاسق ظالم»، بل أنَّه ولشدة عنصريته حرم زواج العلوية من غير العلوي، وأفتى بقتل القحطاني الذي يُخالف ذلك، وهو تصرف لم يقل به جده يحيى بن الحسين الذي زوج بناته من الطبريين.

والأسوأ من ذلك تكفيره لـمُعارضيه، وإباحته قتل من يُجيز الإمامة في غير البطنين، واتخاذه لسياسة «فرق تسد» بين القبائل اليمنية، وعنه قال الحجوري: «لم يبن شيئًا، ولا جبى خراجًا، ولا دون ديوانًا، وإنَّما كان يصدم القبائل بالقبائل، والسلاطين بالسلاطين»، ويُؤكد ذلك قوله:

ولأقتلنّ قبيلة بقبيلةٍ
ولأسلبنَّ من العدا أرواحا

ولأكسونّ الأرض عما سرعة
نقعًا مثارًا أو دمًا سفاحا

ولأمطرنّ عليهم مني سهامًا
تدع البلاد من الدما أقداحا

ومن أقواله التي تؤكد منهجه المُتطرف، وشدة عداوته لأحمد بن حاتم اليامي – إسماعيلي المذهب – «حاكم صنعاء»: «فلذّتي في الدنيا، قتاله وقتال أمثاله من أعداء الله تعالى، وقد نغصت عليه وعلى غيره من أهل الدنيا دنياهم في كل ناحية، ولي اليوم نيف وعشرون سنة، كلما فرغت من حرب قوم من الظالمين، قمت بحرب آخرين من أعداء رب العالمين، وإني لا أبرح كذلك حتى أموت».

وقد راسل ذات مرة اليامي قائلًا:

إذا كنت لا تدري بما فيك من جهل
فذاك إذاً جهل مضاف إلى جهلِ

ومن جحد الرحمن والرسل لم يكن
بمعترف يومـًا بحق بني الرسلِ

فرد «حاكم صنعاء» عليه:

لنا النهي فيما حرَّم الله والزجرُ
وليس لكم نهيٌ هناك ولا أمرُ

فلا زال ذا فينا وذلك فيكم
مدى الدهر حتى يأتي الحشر والنشرُ

وكان أحمد اليامي قد أعاد بناء قصر «غمدان» الذي لم يكن له شبيه في البلاد، وحين أجتاح أحمد بن سليمان صنعاء أمر بهدمه «شعبان 552هـ»، وفي ذلك قال محمد بن عبدالله الحميري:

وسرنا لغمدانَ المنيف فأصبحت
ذوائبه في الترب ثاو مشيدها

وأضحى ابن عمران المتوج حاتمٌ
يقول ألا عفوًا فلست أعودها

اختلف أحمد بن سليمان بعد ذلك مع «المُطرَّفية»، وتحديدًا أواخر العام «558هـ»، كفرهم، وأخرجهم عن ملة الإسلام، وكانت معاركه معهم بمُجملها كلامية. اتهموه بمخالفة مذهب يحيى بن الحسين، فأرسل إليهم العلماء لمناظرتهم. قيل انتصر عليهم، وقيل انتصروا عليه، ونقل عنه قوله: «المُطرَّفية جمع أخبث الخصال مخالفين للبرية.. خرجوا من جملة المسلمين، وفارقوا أهل ملة الإسلام، فلا يحل مناكحتهم، ولا ذبائحهم..».

و«المُطرَّفية» جماعة تنسب إلى مُطرف بن شهاب – أحد أعلام القرن الخامس الهجري – خالفوا السائد من عقائد الاعتزال، وعقائد الزّيدِيّة، وتخلوا عن شرط البطنين، والتفضيل بمجرد النسب، وسعوا لتجريد المذهب الزيدي من طبيعته السلالية، وكانوا حسب توصيف الدكتور علي محمد زيد، بعيدين عن أية شائبة عُنصرية مُبتذلة.

كما اختلف أحمد بن سليمان مع القاضي نشوان الحميري، ودخلا في مواجهات فكرية، ومساجلات شعرية. صحيح أنَّه لا يوجد مرجع تاريخي يحدد تاريخ ذلك الخلاف، ومُدته، إلا أنَّ الراجح أنَّه كان خلال السنوات الأولى من إمامة ابن سليمان؛ بدليل أنهما اصطلحا فيما بعد، وما حضور اسم نشوان في سيرة ذات الإمام، إما كوسيط صلح، أو مُهنئا بنصر، أو مُعزيا بوفاة، إلا دليل على ذلك، والأرجح أنَّهما اختلفا ثانيةً فيما بعد، وتحديدًا حين اختلف ذات الإمام مع جماعة «المـُـطرّفية» كما سبق واشرنا، والتي كان نشوان أحد المُنتمين إليها، حسب ما ترجح لدينا، ومما قاله الأخير أثناء ذلك الخلاف:

عجائب الدهر أشتات وأعجبها
إمامة نشأت في ابن الحذيريفِ

ما أحمد بن سليمان بمُؤتمن
على البرية في خيط من الصوفِ

فرد أحمد بن سليمان عليه قائلًا:

نشوان شيعيُّ إذا جادلته
وإذا كشفت قناعه فيهودي

أوعز أحمد بن سليمان لأنصاره تشديد الخناق على نشوان الحميري، الأمر الذي جعل الأخير يُغادر بلدته حوث مُتوجهًا إلى مأرب وبيحان، وروى بعض المؤرخين أنَّ أهل تلك البلاد ناصروه ونصبوه ملكًا، إلا أنَّ سنوات حكمه وإقامته هناك لم تستمر طويلًا.

لم يصلنا من سيرة نشوان إلا النزر اليسير، وينتهي نسبه – كما أفاد عدد من المُؤرخين – إِلى القيل الحميري حسان ذي مراثد، وهو نشوان بن سعيد بن سعد بن أبي حمير بن عُبَيْد بن أبي القاسم بن عبد الرحمن بن مفضل بن إِبراهيم بن سلامة بن أبي حمير الحميري، وقد أشار إلى جده الأول قائلًا:

أو ذو مَرَاثِدَ جدُّنا القيلُ بن ذي
سَحَرٍ، أبو الأذواءِ رحبُ الساحِ

وبنوهُ ذو قَينٍ وذو شَقَرٍ وذو
عمران، أهلُ مكارمٍ وسماحِ

وللأقيال من بني «ذي مراثد» ذكر في نقوش المسند، وخاصة تلك النقوش على الألواح البرونزية التي عُثر على كثيرٍ منها في مدينة عَمران في أعلى البَون، وذكر الهمداني القيل حسان ذا مراثد في «الإكليل»، وهؤلاء الأقيال كان لهم المرتبة الثانية بعد الملوك، يشاركونهم الحكم، أو يحكمون المناطق التابعة لهم.

كان ميلاد نشوان في العقد الأول من القرن السادس الهجري على وجه التقريب، وإليه ينتسب «آل الحيمي»، وهي أسرة عريقة شغل عدد من أعلامها منصب الوزارة في عهد ‏«الدولة القاسمية»، وله مُؤلفات عديدة أشهرها «شمس العلوم ودواء العرب من الكلوم» مجلدان، وطبعت منتخبات منه تتعلق بأخبار اليمن، والقصيدة الحميرية، وتُسمى «النشوانية»، نشرت مع شرحه لها في مجلة الحكمة اليمانية، وكتاب «القوافي»، و«الحور العين» مع شرحه له، و«الفرائد والقلائد» رسالة، و«خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة» جزء صغير.

ألف إسماعيل الأكوع كتابًا عنه، وفيه قال: «فرفض التقليد، ونفر عنه، واختار لنفسه طريق علماء السلف الصالح، بعد أنْ حذق علوم الاجتهاد، فعمل بنصوص الكتاب والسنة، ولم يتقيد بآراء أصحاب المذاهب»، ونُقل عن نشوان قوله:

أيُّها السَّائِلُ عَنِّي إِنّني
مُظهِرٌ منْ مذْهَبي ما أُبِطنُ

مَذْهَبِي التَّوْحِيدُ والعَدْلُ الذي
هُوَ في الأَرضِ الطّريقُ البَيِّنُ

قال عنه عمارة: «هو شاعر فحل، قوي الحبك، حسن السبك»، وقال عنه الخزرجي: «كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره، فقيهًا نبيلًا، علما متقنًا، عارفًا بالنحو واللغة، والأصول والفروع، والأنساب والتواريخ، وسائر فنون الأدب». ومن أشعاره التي يفتخر فيها بيمنيته:

فافخر بقحطان على كل الورى
فالناس من صدفٍ وهم من جوهرِ

وإذا غضبنا غضبةً يمنية
قطرت صوارمُنا بموتٍ أحمرِ

وقال القفطي عنه: «كان يفضل قومه اليمنيين على الحجازيين، ويفاخر عدنان بقحطان، وله في ذلك نقائض مع الأشراف القاسمية، أولاد الإمام القاسم بن علي العياني»، رغم أنَّ أباه كان من أنصارهم، وقال فيهم مُنكرًا غيبة إمامهم الحسين العياني:

أغضبتم أن قيل مات إمامكم
ليس الإمام ولا سواه يخلدُ

إن النبوة بالنبي محمدٍ
ختمت، وقد مات النبي محمدُ

وحين وصلته منهم «300» قصيدة، وذلك عند رجوعه من رحلته إلى حضرموت، أجابهم بقوله:

وإذا اضطررت إلى الجواب فلا تجب
إلا نظيرًا في الرجال مساويا

أوكلما عوت الكلاب أجبتها
تالله لا أصبحت كلبًا عاويا

وقال فيهم وفي مُجادليه بشكل عام:

إِذا جادلت بالقرآن خصمي
أجاب مُجادلًا بكلام يحيى

فقلت له: كلام الله وحيٌ
أتجعل قول يحيى عنه وحيا؟!

توفي نشوان بن سعيد عصر يوم الجمعة «24 ذو الحجة 573هـ ‍/ 13 يونيو 1178م»، وحين وقف الإمام الزيدي عز الدين الحسن المؤيدي على قبره في حيدان اعترف فيه بعلو قامته لولا معاداته للأئمة، أو ما وصفه بالنصب:

يا قبر نشوان لولا “النصب” فُقتَ على
من كان من علماء العُرب والعجمِ

عناوين ذات صلة: