عبدالعزيز المقالح.. تغريبة الحزن اليماني: الشعر كسياحة في الأعصاب

  

توفيق الجند

توفيق الجند يكتب حول: عبدالعزيز المقالح.. تغريبة الحزن اليماني: الشعر كسياحة في الأعصاب


في مقدمة ديوانه، قال الدكتور عبدالعزيز المقالح: إن “الشعر في أحسن أحواله معطى وجداني، وسياحة في الأعصاب”، وبعد ثلاثة عقود من تلك المقدمة تقريبًا، عاد لربط الروح بالشعر/ السياحة في الأعصاب: «إذا لم تكن روح الشاعر مسكونة في قصائده المحقونة بقطرات من دمه، فإنها ستولد ميتة وفاقدة لأبسط مقومات الشعر»(1).

ويبدو أن المقالح، كشاعر عملاق، قام بسياحة شاملة في أعصابه بالفعل، وأن روحه قد سكنت قصائده الفياضة بوجدان إنساني، لم يحتمل تحولات محيطه الباعثة على الألم والخيبة، ولم يتقبل التعايش معها، فأصابت حروفه بأحزان سرمدية.

«ليس عيبًا ولا نقصًا أن يصبح الشاعر، بحكم الواقع، شاعرَ مراثٍ، مراثٍ لنفسه ولأصدقائه، ولوطنه، مراثٍ للأحلام الضائعة، ولسنوات العمر التي لم تكن جميلة»(2)، هكذا ردّ المقالح على الدكتور “إبراهيم الجرادي” في حوار لمجلة “نِزوَى” أواخر التسعينيات، فإضافة إلى أسبابه الشخصية للحزن الذي يفيض من قصائده، كان هناك فيضٌ من الأحزان لأسباب وطنية، تجلت في قصائده كمراثٍ حقيقية، بل وحكمت سلوكه.

فرغم تواضعه الشديد، وتعامله بأدب جمّ مع الآخرين، كما هو معروف عنه، لم يمرر سؤالًا لانتصار السري، وصفت فيه (عيد) ثورة 26 سبتمبر 1962، بأنه (ذكرى)، وصحّح لها، بحسٍّ وطني لم يغطِّ حزنه الداخلي: «لم يكن اليمنيون إلى وقت قريب يتحدثون عن ثورتهم كذكرى، بل كانت عيدًا»(3).

عناوين ومواضيع عشرات القصائد التي كتبها “المقالح” في مسيرته الطويلة، كانت تعكس ذلك الحس الوطني، والحزن الداخلي المصاحب له على الدوام، مثل: (من حوليات الحزن الكبير، عندما تبكي الأرض بعيون القمر، البكاء بين يدي صنعاء، دموع على الدرب الأخضر، بكائية للعام 2016)، وعشرات القصائد الأخرى، وحتى اسم ديوانه “كتاب بلقيس، وقصائد لمياه الأحزان”، وهو مدرك لذلك بما يكفي، فقد علق على سؤال الجرادي عن سبب الحزن الذي تعكسه قصائده بالقول: «أما لماذا أنا حزين؟ فهو سؤال معكوس، وينبغي –من وجهة نظري– أن يكون على النحو الآتي: لماذا لستُ حزينًا بدرجة كافية؟ فكل ما حولنا، منذ الميلاد وحتى الممات، يراكم الأحزان، ويقتل كل لمعة فرح»، «القليل من الشعراء هم الذين يستطيعون كبح جماح هذه الانفعالات، فلا يشكون ولا يذيعون أحزانهم تجاه الخيبات والأحلام»(4).

في قصيدته “تأملات حزينة فيما يحدث”، تناول أحداث أغسطس 1968، التي تقاتل فيها رفاقه من ثوار سبتمبر 1962، ولم يكن ذلك مجرد تعبير عنيف عن خلافات بين رفاق الثورة والجمهورية، بل حرفًا لمسار الثورة، وقتلًا لأبنائها، تدفق حزنه بسببه:
«حزين أنا، والنهار
وشباك نافذتي، والجدار
وصورتها، يوشك الحزن يذبح قلب الإطار
كتابي حزين وهذا القلم
وعصفورة خلف بابي تلهث في ألم
وأشجار حارتنا والكلاب حزينة
ووجه المدينة
وفي الأفق غيمة حزن ترش الفضاء»

فهو وكل محيطه حتى الجدران والنوافذ والكلاب والعصافير والشجر، يكتسون سواد الليل في عز النهار، لفعل يؤدي إلى حجب العيون عن رؤية “رؤوس الخيانة” كما ختم قصيدته.

وفي قصيدة “ابتهالات” تدفق حزنه كشاعر، كما عرَّف نفسَّه، وهو يناجي إلهه، ويرفع إليه أوجاعه التي “لا حدود لها”، وهو هنا لا يكره الحرب، لكنها هي من تكرهه؛ لأنه نجح بتحريض “كل الزهور وكل العصافير” أن تكره الحرب، فرغم أوجاعه ظل يبذر المحبة والسلام في تربة أفسدتها الحروب:

«إلهي
أنا شاعرٌ
يتحسس بالروحِ عالمَه
يكره اللمسَ
عيناه مقفلتان
وأوجاعُه لا حدودَ لأبعادِها
وتضاريسِها
كرِهَتْني الحروب
لأنِّي بالحسرات، وبالخوف أثقلتُ كاهلها
ونجحتُ بتحريض كلِّ الزهور
وكلّ العصافير
أن تكره الحرب»

لكنه، بعد نجاحه في تحريض العصافير والزهور/ استنهاض الجمال فيها، ما زال الليل الصامت يمنح “حزن الشوارع” رغد الإثمار والنمو، ما يؤدي إلى انكماش الروح في الجسد، وهناك ليس سوى قدرة إلهه، لمنحه توبة تصطفيه، ونافذة تحتويه، فتوقه للحياة غالب عليه، ولا زال يبحث عن نافذة:

«إلهي
وقد سكن الليل
وانكفأت تحت صمت الظلام البيوت
وأورق حزن الشوارع
هل لي إذا انكمشت داخل الجسم روحي
واختبأ الحلم في صدف الدمع
هل لي خلف المدى توبة تصطفيني؟
ونافذة تحتويني؟»

في السنوات الأخيرة، عندما غرقت البلد في مستنقع الحرب، وهو في عقده الثامن من العمر، لم يحتمل مصيرًا كهذا لوطنه، وظلت قصائده تحارب قبح هذا المصير، وتبدي رغبته في الانسحاب من هذا العالم المتوحش، فقبره سيكون أوسع من كوكب الحرب، حيث له بحر وشمس أوسع وأرأف مما هو موجود هنا، وملائكة تصلي لغسل ذنوب البشر، كما عبرت قصيدته (بكائية لعام 2016):

«دثريني
فإني أرى القبر
أوسع من هذه الأرض
أوسع من بحرها
وأرى فيه شمسًا
أحن وأرأف من هذه الشمس
أشهدُ فيه نجومًا ملونة
وملائكة في الفضاء المديد
تصلّي
وتغسل بعضَ ذنوب البشر»

احترف المقالح “الغناء الحزين” لوطنه “المستباح”، كما في قصيدته “البيان الأول للعائد من ثورة الزنج” التي حمل عنها جراحها في رئتيه

وفي إحدى رسائله/ قصائده إلى سيف بن ذي يزن، الذي تضمنها ديوان كامل، استدعى فيه شخصية سيف التاريخية، ودافع عن مواقفه كبطل يمني، جنت عليه روايات التاريخ المغلوطة، وتحدث بلسان القروي اليمني البسيط المعلق بقريته، رغم حياته في المدن التي لا تحس به، ويكرر التعبير عن الحزن والاغتراب:

«في هذه المدينة
أنا حزين
ألا تحس قريتي
بأنها معي حزينة»

ولم يختلف التوظيف للرموز التاريخية الذي استخدمه بكثرة في قصائده كثيرًا؛ فالحزن أيضًا حاضر في قصيدته “من حوليات يوسف في السجن”، فبيع يوسف يتكرر في بيع الوطن لأبنائه، عندما يهيمن الحزن على الواقع:

«حينما ابتاعني الحزن من وطني
واشترى وجهي الخوف
كانت بلادي تسافر في القحط
تنتظر المطر، الخبز»
فالبكاء تعبيرُ العجزِ عن الانتقام، وعن التغيير، وفيه بث المواجع للصحراء والخِيام والغرباء أيضًا، وحتى الخمر في ظله لا تمنحه النشوة، بل “الشجون والآلام”:

«بكيت للصحراء، للخيام
ناجيت جارتي
غريبة الديار
شربت خمرة عتيقة الشجون والآلام»

وفي قصيدة “مقتطفات من خطاب نوح بعد الطوفان”، يظهر العجز الطبيعي للإنسان أمام مظاهر الطبيعة والواقع التي ترغمه على اتجاهها:

«لكن صوتي ضاع في الرياح
سفينتي تاهت بها الأمواج
فأبحرت خالية إلا من الأحزان والملاح»

وتتجلى مناجاة الإله المتكررة، باعترافاته وأحزانه في قصائده، خاصة في العقود الأخيرة، كخصلة أصيلة وقديمة فيه كإنسان؛ إذ ظهرت في قصيدة “رسالة إلى الله” التي كتبها قبل خمسة عقود تقريبًا:

«إليك ما من خطاب غير أحزاني
ودمعة تتهادى خلف أجفاني
شددت للنوح أعصابي وفي غضب
ألقيت بي يا إلهي بين نيراني
فأثمر الألم المجنون عاصفة
وخففت كلماتي وزن إيماني»

فلم يطلب من إلهه شيئًا، وإنما رفع إليه أحزانه ودموعه، لكنه عاد لتخفيف سقف لغته في خطابه إليه، ليعترف بأن الألم دفعه ليستخدم كلمات، قد تُظهِر أن إيمانه أقل مما يجب، لكنه اقتصر في ذلك على الكلمات، أي أن ذلك أمر ظاهري للكلمات، وليس تعبيرًا عن المكنون فيه كإنسان مؤمن.

إن أحزانه تكبر مع مرور الأعوام المتوالية، فيتشظى معها وينكسر، ويرى أن موت الأمس مقدمة لموت الغد كنتيجة؛ لأن الخطوات التي يخطوها تزرع الحزن، كما عبّرت قصيدته “أغنيات صغيرة للحزن” في مقطع “الشعرة البيضاء”، وهي رمز للشيب وتقدم العمر وتراكم الأحزان:

«يكبر الحزن ونكبر
كل عام، نتشظى، نتكسر
جرحنا النغار ينمو، يتخثر
أمسنا مات، غد لن يتأخر
فلماذا تزرع الحزن خطانا؟
تتكسر
تتفجر»

وفي مقطع (الغربة) من نفس القصيدة، يعبر بلغة مختلفة عن جوهر الحزن، فهو “غريب الوجه واللسان”، كأنه ينكره عن نفسه، ويعدّه غريبًا عنه، أو فاعلًا خارجيًّا يتسلل إلى عينيه ويديه، ويمشي على رأسه، في تعبير عن اغتصاب الحزن لكرامته التي يعد الرأس أحد رموزها:

«حزني غريب الوجه واللسان
ليس له عينان
لا قلب.. لا يدان
يمر من عيني وفي يدي
يمشي على رأسي، كما يمشي على جرح الدجى ثعبان»

لكنه يعود فيجعل الحزن بصمت، منتهيًا بياء المِلكية، فهذا الحزن ملك له كقصيدته، كمثلث متحد، هو طرفه الثالث، وهما معًا آخِر الأحياء، فالموت قد اكتسح كل ما عداهم، وهو يتمنى أن ينسج العنكبوت شباكه حولهم، حتى يضلل الموت فلا يراهم، وبهذا يحتفظون بالحياة بعيدًا عنه، كما في قصيدته “الموت”:

«لم يبق حي غيرنا
أنا
قصيدتي
وحزني الصموت
يا ليت سرب عنكبوت
ينسج حولنا شباكه
كي لا يرانا الموت أحياء
فلا نموت»

إن حزنه الأعمق، يتجلى عندما يرى وطنه يبكي، فيكون له الدموع، لكن حزنه ينبعث محبة، رغم كل الألم “السرمدي”، كما في قصيدته “اليمن، الحضور والغياب”:
«حين تبكين، أسقط دمعًا على راحة الحزن
يحملني الحزن شارة حب
يسافر بي لعصور الكآبة، والألم السرمدي
فأعود إليك على زورق من شجن»

استعار قصة العنكبوت في قصيدة سابقة، من سردية هجرة النبي محمد إلى المدينة، يعود هنا لاستعارة أخرى، تخفف أحزانه، وتمنحه الرفقة الإلهية، بوجود الشعر والفقر كرفاق أيضًا

لقد احترف المقالح “الغناء الحزين” لوطنه “المستباح”، كما في قصيدته “البيان الأول للعائد من ثورة الزنج” التي حمل عنها جراحها في رئتيه:
«احترفت الغناء الحزين
وغنيت للوطن المستباح الدماء
نشرت جراح الجماهير في رئتي»
عندما يتجاوز الحزن مداه، ليس هناك سوى الموت، ولكن قبل إجراء مراسم الوداع، وبكاء الأحبة، لا بد من توديع الأوجاع؛ فالحزن هنا ثوبٌ قابل للارتداء، وللخلع، فمع قسوة الحياة في وطن “الضفادع”، فإن قسوة “الرحيل المباغت” يمكن أن تعيد الإنسان لكيانه الأول (التراب)، فهو مضيء بعكس ظلمة وطن الضفادع، كموضوع لقصيدته “الكلمات وضفادع الموسم”، وهي هنا ضفادع موسمية، لن تستمر:

«قبل أن تبدئي بالبكاء
وتكتب عيناك بالدمع مرثيتي
ويقول الرفاق استراح
تعالي نودع أوجاعنا
نرتدي ثوب أحزاننا
نخرج من جلد أيامنا وانكساراتنا
من عيون الأحاديث
إن الإقامة في وطن للضفادع قاسية
والرحيل المباغت قاسٍ
وليس سوى الموت يخلعنا
ثم يرجعنا لضياء التراب»

كما استعار قصة العنكبوت في قصيدة سابقة، من سردية هجرة النبي محمد إلى المدينة، يعود هنا لاستعارة أخرى، تخفف أحزانه، وتمنحه الرفقة الإلهية، بوجود الشعر والفقر كرفاق أيضًا، في قصيدته “أسئلة”، وفيها فيض إيماني يقاوم الحزن بقوة:

«لا تحزن إن الله معك
لا تحزن إن الشعر معك
لا تحزن إن الفقر معك
لا تحزن، هذا ما قالته الأرض
وأعطاني من أعطى الموتى
خبزًا وثيابًا لا تبلى»

رغم هذه المقاومة للحزن، بقوة الإيمان، وحقائق الوجود، إلا أن المقالح في قصيدة أخرى، يدعو الإناث للتوقف عن الإنجاب؛ لأنه ليس أكثر من مقدمة نتيجتها الحتمية هي الموت، فالحزن هنا شجرة جذرها الخلق ذاته:

«ألف أنثى وأنثى تعاني المخاض
وكل المواليد للموت
سيدتي: فلتكفّ البطون عن الانتفاخ
دعي شجر الحزن يأكل جذر التكون»

 

* موقع خيوط