وقفات يمنية مع قصة ملكة سبأ والنبي سليمان

  

عادل الأحمدي

عادل الأحمدي يكتب: وقفات يمنية مع قصة ملكة سبأ والنبي سليمان


لكل أمة خصائصها المميزة لها التي لا يمكن أن تنهض دون أن تفطن لأسرار تكوينها النفسي وعوامل ضعفها وقوتها ومقومات نهوضها، والظروف التي سبق وأن قويت فيها، مقابل ظروف أخرى ضعفت في ظلالها. ويتعلق الأمر بمنظومة من الأمور منها المتوارث، ومنها البيئي، ومنها المكتسب.

وفي اعتقادي، يعد كتاب الله العزيز أقوى وأصدق مرجع لصناع “الاستراتيجيا” وعلماء “الاجتماع الإنساني”، كما أنه وفّر مادة خصبة لدراسة النفس البشرية ككل، علاوة على تقديمه مادة خصبة لنفسيات كل قوم على حدة. مثال ذلك: اليهود، الأعراب، المنافقون، وأقوام الأنبياء.. فكيف لنا نحن كيمنيين، أن نستلهم بوادر مجدنا ونقاط ضعفنا من خلال تأمل كتاب الله العزيز؟

كثيراً ما نمُرّ على قصة ملكة سبأ مع النبي سليمان عليه السلام، على سبيل المثال، مرور الكرام، رغم أن الآيات القليلة التي حكت قصة الهدهد وملكة سبأ قد فصّلت في طياتها جميع مناخات تلك القصة والمستوى الحضاري والعلمي لأطرافها، إذ أن في قوله تعالى على لسان الهدهد: “وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ”، دلالة خالية من المبالغة تبرهن على مدى الرقي والانتعاش الحضاري الذي وصل إليه اليمنيون بشهادة القرآن العظيم.

ولنقفز سريعاً إلى الحوار الرائع الذي دار بين الملكة وكبار رجال الدولة عقب وصول كتاب النبي سليمان عليه السلام: “قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ” [النمل: 32]. فإضافة إلى اعتمادها مبدأ الشورى، هناك رقي واضح في مسألة الخطاب السياسي.

ولننظر إلى كياسة ودبلوماسية الرأي الصادر عن الملأ: “قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ” [النمل : 33]. وهنا مراتب من الأدب السياسي حيث أشاروا عليها بالحرب صراحة، ولكن عن طريق الكناية، مع هذا جعلوا الباب مفتوحاً أمامها مبدين لها الطاعة فيما تعتزمه وتراه بوصفها رئيسة الدولة: “وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ”.

من جانبها فهمت مقصود رأيهم وهو الحرب، ولكنها ردت عليه بنفس كياسة الطرح: “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” [النمل : 34]. ولم تشأ أن تقل بصريح العبارة أن رأيهم غير سديد، ولكن طرحت رأيها المخالف لرأيهم، بأسلوب إقناعي غاية في الروعة والأدب.

وفي السطر هذا وغيره هناك عدة دلالات منها: الأسلوب الراقي الذي وصلت الديمقراطية اليمنية القديمة التي اجتمع فيها ما يلي: الشورى، القوة، الحوار الراقي (على عكس ما هو دائر من أساليب الحوار في الديمقراطية الجديدة والمستوردة). إضافة إلى كون الديمقراطية اليمنية المنشأ، قد أوصلت إلى سدة الحكم امرأة. مضافاً إليه البعد السلمي الذي يتجنب وقوع الحرب، وكذلك البعد الإنساني “وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً”. كما أنها عملية سياسية قائمة على وحدة الكلمة حينما قالوا: “وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ”. بعد أن قدموا لها المشورة.

ونعود إلى رد فعل النبي سليمان عليه السلام الذي من ضمنه: “وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا” وهو المعادل الحضاري لـ”وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ”، أي أن اليمنيين قد توصلوا، كذلك، إلى العلم، بجانب التطور الحضاري والمادي. ولا يستبعد أن يكون التطور العلمي والتقني هو السبب في حرص الملك سليمان على أن يأتوه بعرشها قبل أن يرتد إليه طرفه. وهو الأمر الذي لم يقدر عليه إلا الذي عنده “علم” من الكتاب!

هل كان ثمة تطور علمي على درجة ما، لم يصل العلم الحديث إلى اكتشاف لآثاره؟ لا يُستبعد. خصوصاً وأن كل التطور الهائل في عصرنا الحاضر، أغلبه نابع من الفيزياء، فيما كان ثمة نبوغ كيميائي في القرون الأولى لم نصل درجته بعد.

وهناك أيضا دلالة أخرى، مفادها التطور العمراني والنبوغ الهندسي الكبير لليمنيين، الذي تشي بهما قصة إسلام ملكة سبأ مع سليمان لله رب العالمين، وهل يُرسل كل نبيٍّ إلى قوم من الأقوام إلا بمعجزة تفوق ما هم متفوقون فيه أصلاً لتكون مدخلاً لإسلامهم: القرآن معجزة للعرب أهل البلاغة، والطب معجزة عيسى عليه السلام لقومه البارعين في ذلك المجال، كذلك موسى عليه السلام وإعجازه في قوم ماهرين في السحر..

من هنا، ولنبوغ اليمنيين في جانب العمارة، كان الإعجاز بنفس مجالهم؛ فبمجرد أن كشفت الملكة عن ساقيها وحسبت الصرح الممرد ماءً، أسلمت. وذلك لأنها تعلم أنه لا يوجد قوم على ظهر البسيطة يتفوقون على قومها اليمنيين في هذا المجال إلا أن تكون معجزة مؤيدة من السماء.

والقصة ذاتها لاتزال مليئة بالدلالات وبالكنوز الذي يوفّق الله تعالى إليها من يوقن في هذا القرآن وينشد من خلاله القوة والعزة والحضور.

 

صحيفة الناس
13 يوليو 2008