المؤتمر في ذكرى تأسيسه: مسارات الصعود والهبوط

  

لطيفة الظفيري

لطيفة الظفيري تكتب عن المؤتمر في ذكرى تأسيسه: مسارات الصعود والهبوط


يصادف 24 اغسطس من هذا العام، الذكرى الثامن والثلاثين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، كحزب سياسي وحيد في عرف بـ”الجمهورية العربية اليمنية”، ومنذ تأسيسه إلى اليوم مر بعدد من المسارات والتحولات السياسية التي أثرت عليه سواء بالسلب أو الإيجاب.

مسار التأسيس والتكوين 1980م-1989م
في تاريخ 27مايو 1980م صدر القرار الجمهوري الخاص بمشروع “الميثاق الوطني”، والذي جاء في ديباجة أسباب اصدار الميثاق منها :أهمية وجود فكر وطني جامع.. إلى جانب خطورة غياب مثل هذا الفكر.. وتم الاستفتاء على مشروع الميثاق من منتصف 1980م إلى سبتمبر 1981م، والذي تشكل على أثرها المؤتمر الشعبي العام في 24 اغسطس1982م.
هناك من يرى، أن السبب الرئيسي وراء تشكل المؤتمر الشعبي هو إلغاء نشاط الأحزاب السرية (الأحزاب اليسارية تحديداً)، ففي ديسمبر 1982 تم إقرار البرنامج السياسي للمؤتمر الشعبي العام الذي نص “تحريم ممارسة أي نشاط سياسي في البلاد خارج الأطر الشرعية للمؤتمر الشعبي العام والبرلمان”.
وقد جمع المؤتمر الشعبي كل تناقضات المجتمع اليمني سواء إسلاميين أو قوميين أو يساريين، وهو ما أدى منذ فكرة تأسيسه إلى وجود صراع وجدل من أجل تشكيل قيادات المؤتمر بما يتلاءم مع الميثاق الوطني، ويشير الشيخ عبد الله الأحمر في مذكراته إلى حصول خلاف بينه وبين الرئيس السابق علي عبد الله صالح على ذلك، وإلى أنه نجح مع التيار الإسلامي داخل المؤتمر في أن تكون الأمور لصالحهم في مواجهة “منافسة” التيارات والاتجاهات المختلفة داخل المؤتمر، من جهة أخرى، كان صالح يعمل تجاه الصراع بين مختلف التيارات داخل المؤتمر من خلال عمل توازنات بحيث لا يطغي تيار على اخر خصوصاً تيارات الإسلاميين والقبائل والليبريين.

مسار التحالفات 1990م-1999
بعد الوحدة تم إعلان التعددية السياسية وتشكلت الأحزاب السياسية منها اليسارية والقومية والإسلامية، جزء كبير منها خرج من عباءة المؤتمر الشعبي العام، فحسب ما جاء في مذكرات الشيخ الأحمر فصالح دافعه لتشكيل حزب التجمع اليمني للإصلاح ذو التوجه الإسلامي القبلي ليكون في موجه الحزب الاشتراكي، فخلال المرحلة الانتقالية(1990-1993) وبموجب اتفاقية الوحدة تشكلت إركان الدولة من حزب المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي.

وبعد الانتخابات البرلمانية الأولى 1993م، ظهر حزب الإصلاح كقوة منافسة حيث حصلت على المركز الثاني في الانتخابات بعد المؤتمر الشعبي، وحصل الاشتراكي على المركز الثالث، هنا شارك التجمع اليمني للإصلاح في حكومة ائتلافية ثلاثية (المؤتمر، الإصلاح ، الاشتراكي)، وخلال حرب صيف 1994 تحالف كل من المؤتمر والإصلاح ضد الحزب الاشتراكي، .. وبعد انتهاء الحرب شكلاُ حكومة ائتلافية ثنائية (المؤتمر، الإصلاح)، وفي الانتخابات النيابية الثانية 1997م بدأت بودر الانقسام بين تحالف المؤتمر والإصلاح، وخروج الأخير من الحكومة..

في هذه المرحلة، تحول المؤتمر إلى حزب ذو توجه واحد ما يمكن تسميته بالتيار الوسطي (التيارات السياسية هي اليسار ويمثلها الاشتراكي والأحزاب القومية، والوسط ويمثلها بشكل اساسي الليبراليين وليس لديه ايديولوجية معينه واليمين ويمثلها الأحزاب الدينية والمحافظة)، مع وجود بعض الشخصيات التي تنتمي إلى التيارات الأخرى .. وكان أصحاب المصالح من تجار والشخصيات الاجتماعية ينضمون إلى المؤتمر باعتباره حزب السلطة ..

ومن جهة أخرى، فقد عمل المؤتمر الشعبي على استقطاب عدد من الشخصيات والوجهات الاجتماعية والتجارية والسياسية (من الأحزاب السياسية الأخرى)، فعلى سبيل المثال، تم استقطاب عدد من الشخصيات الجنوبية ذو التوجه الاشتراكي منهم أحمد عبيد بن دغر “أحد أعضاء قائمة الستة عشر الذين حوكموا بتهمة الانفصال”، ليعود فيحصل على منصب قيادي في المؤتمر الشعبي العام، وأحمد الحبيشي الذي ترأس المكتب الاعلامي لحركة موج المعارضة في الخارج، ليعود ليكون ضمن إعلاميي المؤتمر ويترأس صحيفة14 أكتوبر، وأحمد الصوفي.. وغيرهم.
مسار السيطرة والانفراد 2000م-2010م

خلال الانتخابات البرلمانية 2003م، بدأ الانقسام والصراع مع الجناح القبلي “قبيلة حاشد” داخل الحزب، حيث كان هناك استهداف للشيخ الأحمر وأولاده داخل مراكزهم الانتخابية في العصيمات بحاشد عن طريق إنزال منافسين لهم بهدف الحد من نفوذهم داخل مجلس النواب، وأيضاً ظهر بعض الفتور في علاقة صالح بالشيخ الأحمر وأولاده في2005م، وزاد التوتر عندما قام حزب المؤتمر الشعبي في مؤتمره العام السابع في 2005م، بالإطاحة بالشيخ حسين الأحمر من منصبه في اللجنة العامة لحزب المؤتمر حيث كان ممثلا لمحافظة عمران في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي، وتعمقت الخلافات أكثر حين قام حسين الأحمر في 2007م بتكوين ما عرف بـ”مجلس التضامن الوطني”، مكوناً من أكثر من مائتي شخصية اجتماعية حزبية وسياسية، منهم أعضاء في البرلمان ينتمون للمؤتمر الشعبي العام، وهو ما أدى إلى استياء صالح.

بدأ التصعيد بين المؤتمر وتحالف اللقاء المشترك عندما قام اللقاء المشترك بالمنافسة في الانتخابات الرئاسة في 2006م، حيث خاض كلُ من المؤتمر و اللقاء المشترك انتخابات تنافسية، وقد كان ذلك واضحاً من خلال الحملة الانتخابية والحراك الشعبي بين المؤتمر والمشترك خصوصاً الرئاسية؛ حيث كان التوتر سائداً في تصرفات الجميع؛ لعدم معرفة ما ستؤول إليه النتائج، والتي أدت لفوز المؤتمر الشعبي في الانتخابات.

بعد الانتخابات الرئاسية 2006م، أدرك اللقاء المشترك عدم قدرته على المنافسة في ظل الظروف القائمة(سيطرة المؤتمر على السلطة والمقدرات)، لذا بدأت جولة أخرى من الحوار بين المؤتمر واللقاء المشترك بهدف إصلاح النظام الانتخابي قبل انتخابات عام2009م، بدأ في 19مارس2007م واستمر حتى يوليو2007م، توقفت مرتين بسبب الخلافات ثم استؤنف في نوفمبر2007م،ليتم التوقيع على وثيقة “الإصلاحات السياسية والوطنية” التي وقعها من جانب المؤتمر (رئيس الحكومة في تلك الفترة) عبد القادر بإجمال إلى جانب قيادات اللقاء المشرك، ولم يتم التوصل لنتائج على أرض الواقع بسبب الخلافات بين الطرفين.. وبعد ذلك اتفق الطرفان على تأجيل الانتخابات بعد توقيعهم لاتفاق 23فبراير2009م، على أساس يتم خلال العامين إجراء حوار بين الطرفين.

بعد عدد من الضغوطات الخارجية تم استئناف عدد من اللقاءات بين الطرفين، ففي 17يوليو2010م تم التوقيع على “آلية إجراء الحوار تنفيذاً لاتفاق فبراير”، وعلى أساس هذا الاتفاق تم تشكيل لجنة للحوار من مئتي عضو يتقاسمها الطرفان، ونتيجة للتعقيدات التي حصلت في عمل اللجنة، مرت هذه اللجنة بعدة مراحل، من لجنة الثلاثين، إلى السته عشر، إلى الأربعة، من أجل التوصل إلى اتفاق، وتم الإقرار من قبل لجنة الأربعة(اللجنة الأربعة المكونة من عبد ربة منصور هادي عبد الكريم الإرياني عن المؤتمر، وعن اللقاء المشترك كلُ من عبد الوهاب الأنسي وياسين سعيد) على “إجراء التعديلات الدستورية، والإصلاحات السياسية قبل الانتخابات النيابية” …إلا أن صالح رفض ذلك.
كان لهزيمة المعارضة المصرية في الانتخابات النيابية المصرية 2010م على يد الحزب الحاكم (الحزب الوطني) قد اعطى مؤشر للمؤتمر بالقدرة على اقصى المشترك، وبدأ باتخاذ خطوات فردية، وذلك بإقرار قانون الانتخابات والاستفتاء في مجلس النواب ما عرف بـ”قلع العدد”، وهو ما رفضه اللقاء المشترك، ووصف ذلك بأنه مخالف للدستور واتفاق فبراير، لتبدأ بعدها الكتلة البرلمانية للقاء المشترك مقاطعة جلسات البرلمان.. وتم التهديد بالنزول للشارع.

مسار الانشقاق والتشظي 2011م -2020م
بعد موجه ما عرف بثورات الربيع العربي نهاية 2010م، بدأ الفعل الثوري في اليمن بعد مصر وتونس، وذلك في 11 فبراير 2011م، وخلال فبراير بدأت عملية الانشقاق عن المؤتمر الشعبي، ويعتبر عضو مجلس النواب عبد الكريم الأسلمي أول شخصية تتقدم بالاستقالة من المؤتمر الشعبي العام احتجاجاً على قمع المتظاهرين وذلك في 15 فبراير ، وتوالت بعد ذلك الاستقالات للعدد من نواب البرلمان من الكتلة المؤتمرية .. وبعد مجزرة جمعة الكرامة 18مارس 2011م تصاعدت موجة الاستقالات من حزب المؤتمر الشعبي، وشملت عدد من الوزراء، وأعضاء اللجنة الدائمة في المؤتمر، وقيادات مؤتمرية برلمانية ومحلية، وعدد من الأكاديميين، وامتدت الاستقالات لتصل إلى السفراء.
مع انضمام هؤلاء، شعر الكثيرون أن النظام والحزب بدأ بالانهيار داخلياً؛ وأن مسألة سقوطه لن تستغرق سوى أيام قليلة( لكن ذلك لم يحصل في وقتها).. ففي 23 مارس ترددت أنباء بأنه تم الاتفاق على مرحلة انتقالية يتم خلالها نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، ومنه إلى مجلس رئاسي، وأن الرئيس سيسلم السلطة خلال ساعات، وذلك عقب اتفاق بينه وبين علي محسن بالخروج من المشهد السياسي، إلا أن صالح قام بجمع اللجنة العامة للمؤتمر، و التي قررت عدم استقالته .. وقد ترافق ذلك مع طلب تقدم به المؤتمر الشعبي العام بإبقاء صالح رئيساً حتى نهاية ولايته 2013م.
وكلف (صالح) كلُ من عبد الكريم الارياني وأبو بكر القربي بصيغة مبادرة، حيث سافر القربي للمملكة العربية السعودية في 21مارس، وقام بتسلّيم رسالة منه إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز، طلب فيها وساطة سعودية لدى قيادات اللقاء المشترك وشيوخ القبائل( ما عرف لاحقا بالمبادرة الخليجية)، وقد اتاحت المبادرة الخليجية للمؤتمر الشعبي البقاء في المشهد السياسي عكس الأحزاب الحاكمة في مصر وتونس بعد الربيع العربي، حيث تقاسم المؤتمر الشعبي السلطة مع اللقاء المشترك خلال الفترة الانتقالية بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
وشهدت الفترة الانتقالية، بدأيه الخلافات بين هادي وصالح، مما أدى إلى انشقاق وانقسام المؤتمر الشعبي العام إلى جناحين (جناح هادي، وجناح صالح)، وقد بدأت الخلافات في مارس – إبريل 2012م بعد قرارات هادي (الرئاسية) بإقالة أقارب صالح من قيادات الجيش.
وتصاعدت بعد ذلك وتيرة الخلافات بين الجناحين، ففي نوفمبر 2014م قامت اللجنة العامة للمؤتمر الموالية لصالح بفصل هادي والدكتور عبد الكريم الارياني من المؤتمر الشعبي العام، وقد رفض عدد من قيادات المؤتمر الجنوبية قرارات الفصل خلال اجتماع لهم بعدن، وأشاروا أن قرار الفصل يتعارض مع النظام الداخلي للمؤتمر، فيما اعتبرها الدكتور الارياني خلال حوار له مع صحيفة 26 سبتمبر بانها “خارج لوائح المؤتمر الشعبي العام، وقرارات لا أساس لها من الصحة، وما بنى على باطل فهو باطل”، مضيفاً أن هناك من يعمل على إعاقة نشاط وعمل المؤتمر الشعبي العام، وأن ما يحصل للمؤتمر هو بفعل فاعل وبتساهل من قيادات المؤتمر.

وخلال عام 2014م، عمل هادي على الحد من نفوذ صالح داخل المؤتمر حيث قام بإيقاف عمل قناة اليمن اليوم التابعة للمؤتمر الشعبي العام(جناح صالح)، ووجه البنوك التجارية والحكومية بعدم صرف أي مبالغ مالية من حسابات المؤتمر الشعبي إلا بعد موافقه منه بصفته الأمين العام للمؤتمر ورئيس الجمهورية.
وخلال هذه الفترة، بدأ تحالف غير معلن بين المؤتمر (جناح صالح)، وجماعة الحوثي، والذي كان أحد نتائجه إسقاط حكومة الوفاق، والعاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، وقد عبر الدكتور الارياني أن التحالف الغامض بين المؤتمر وجماعة الحوثي “لا يخدم المصلحة الوطنية
العليا”، وظل التحالف بين الطرفين قائم بعد إعلان ما اسمي “التحالف العربي” الحرب على اليمن،
وفي أكتوبر 2016م خسر المؤتمر الشعبي العام عدد من قيادته خلال قصف طيران “التحالف” للقاعة الكبرى، بعد ذلك، أخذ تحالف المؤتمر (جناح صالح) مع الحوثيين منحنى أخر، ففي نوفمبر 2016م عن تشكيل حكومة مشتركة في صنعاء، وذلك عقب إعلان الطرفين عن تشكيل مجلس سياسي مشترك، إلا أنه خلال 2017م ظهرت خلافات بين الطرفين لينتهي بمقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح في 4 ديسمبر 2017م على يد جماعة الحوثي..
بعد مقتل صالح تفكك و تشظى المؤتمر الشعبي العام إلى ثلاث أجنحة(جناح مؤتمر صنعاء بقيادة صادق أمين أبو راس، جناح مؤتمر الرياض بقيادة هادي، جناح مؤتمر أبو ظبي- القاهرة بقيادة أحمد علي نجل صالح)، وفي أغسطس 2018م سعى هادي إلى عقد اجتماع موسع لقيادات المؤتمر الشعبي العام في الخارج( في العاصمة المصرية القاهرة)، وذلك من أجل توحيد قيادات المؤتمر وترأسه للمؤتمر لكنه فشل في تلك المساعي بسبب مقاطعة عدد من القيادات للاجتماع. ومن جهة أخرى، فقد إعلان مؤتمر صنعاء في مايو 2019م برئاسة أبو راس اختيار أحمد علي نائب لرئيس المؤتمر.

سيناريوهات مستقبل المؤتمر الشعبي العام
• السيناريو الأول: المزيد من التفكك والتشظي داخل المؤتمر الشعبي العام، وربما تلاشيه واندثاره، بسبب استمرار الصراع بين قيادات الصف الأول داخل المؤتمر الشعبي حول من يقود المؤتمر.
• السيناريو الثاني: حل الخلافات بين الاجنحة المختلفة و إعادة توحيد قيادة المؤتمر الشعبي العام، وذلك بتحفيز ودعم من الدول الإقليمية والدولية التي ترى فيه حزب يحافظ مصالحها، خصوصاً في ظل مخاوفها من الأحزاب الدينية والأيديولوجية، ووجود قواعد شعبية للمؤتمر.

المصادر
• الميثاق الوطني للمؤتمر الشعبي العام.
• اللائحة التنظيمية للمؤتمر الشعبي العام.
• جولوفكايا.ايلينا.ك، التطور السياسي للجمهورية اليمنية 1962-1985م، ترجمة محمد البحر،(صنعاء: مركز الدراسات والبحوث،1994).
• مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (صنعاء، الآفاق للطباعة والنشر،ط2، 2008).
• حوار مع الدكتور عبد الكريم الارياني ، صحيفة 26 سبتمبر، العدد 1794، 11ديسمبر 2014م.
• حمدان الرحبي، خلافات هادي وصالح ..، موقع الشرق الأوسط ،18 نوفمبر 2014م، شوهد في 18/ 8/ 2020م.