جازم محمد الحروي (3-3): مصحف جبريل

  

بلال الطيب يكتب حول: جازم محمد الحروي (3-3): مصحف جبريل


مع نهاية الحرب العالمية الثانية سمح الإنجليز في عدن في إيجاد كيان يمني جديد مُعارض لنظام الإمام يحيى حميد الدين؛ وذلك بعد أنْ زال خوفهم من تحالف الأخير مع الإيطاليين، ولم يحل العام 1946م إلا وذلك الكيان المُتمثل بـ «الجمعية اليمنية الكبرى» يتصدر المشهد، وبرؤى ناضجة، وبمطالب شاملة تهم كل اليمنيين، وعلى رأسه كوكبة من الأحرار المُستنيرين، كان جازم محمد الحروي أبرزهم.

توجه جازم الحروي إلى عدن وكله حماس لمُقارعة الإمامة، والانتصار للكرامة، وقد مَثَّل انضمامه لتلك الجمعية نقطة تحول فارقة في مسارها، وفي ليلة مشحونة بالأماني – كما سبق وأشرنا – وعد قادتها بتوفير المال اللازم لشراء مطبعة خاصة بها، وهو المُوقف الذي حرَّك مياهها الراكدة، وتأثر به القاضي الزبيري كثيرًا، وملأ الفرح نفسه وهو يرى حُلمهم على وشك التحقيق، وجفاه – كما أفاد علي محمد عبده شريكهم في ذلك النضال – المنام، مُفكرًا ببطلنا النبيل، وبوعده.

وما أنْ أطل الصباح حتى كتب القاضي الزبيري للأستاذ النعمان رسالة عن ذلك البرق الروحاني اللامع الذي مَزَّق ظُلمات ليلتهم البارحة، ومَزَّق معها دياجير الشك والالتباس، وأشعل نفسه بشعاع الإيمان لا عهد له به، ولهب من الحماسة خشي أنْ يُذوب قلبه، ولسانه، وقلمه، وأضاف مُخاطبًا رفيق دربه: «تأمل الحقيقة الجازمية، فإنَّ المناطقة يُحددون الإنسان بأنَّه الحيوان الناطق. أما جازم فإنَّه ليس من هذا الطراز، فهو ملاك طهور أنجبته الغمائم، تلك هي الصفة التي كنا نحوم حولها، أليس كذلك؟».

كان الزبيري الشاعر الإنسان، مُرهف الحس، جياش العاطفة، قوي البيان. جادت قريحته في تلك الليلة الليلاء بكتابة مطلع قصيدة الرائعة «مصحف جبريل»، ومنها وبعد أنْ أكملها نقتطف:

ألا فليعش في مُهجة الشعب جازمُ
تُغذِّي برؤياه النُّهى والعزائمُ
فتىً راعني بالجود حتى ظننته
ملاكًا طهورًا أنجبته الغمائمُ
ابتسم لي بشرًا فخِلتُ ابتسامه
بروق فؤادٍ أثقلته المكارمُ

إلى أنْ قال:

له مهجة كانت لجبريل مصحفا
يفصل منه في السماء التمائم
فيا ملكًا من أمةٍ سبئية
لقد بعدت عنك اللذات التوائم
لقد أخرجتك الأرض وحدك مُعجزا
كما أخرجت حر النضار المناجم
فبالله قُلي كيف جئت مُهذبًا
نبيلًا، وما بالحي إلا السوائم

من أجل الإيفاء بوعده؛ توجه جازم الحروي إلى أسمرة، والحبشة، وتبنى ورفيقه أحمد عبده ناشر العريقي حملة جمع التبرعات لذلك المشروع‮ الطموح، والحُلم المُؤجل، وقاما بالفعل بشراء مطبعة مُستعملة من مصر بواسطة محمد صالح المسمري – أحد شهداء الثورة الدستورية – وأشرفا على إيصالها إلى جيبوتي، ومن الأخيرة عاد بها بطلنا النبيل إلى عدن، ومعها كل لوازمها، فكان أروع إنجاز، وأعظم انتصار. ‬‬

ربط الأحرار تلك المطبعة باسمها القديم «نهضة مصر»، وأطلقوا عليها اسم مطبعة «النهضة اليمانية»، ‬‬‬‬فيما تولى سعيد الدمشقي في ليلة وصولها تركيبها، وفي مبنى مُجاور لمقر الجمعية الكائن في شارع العيدروس، وهو – أي الدمشقي – صديق قديم ومُقرب لجازم الحروي‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬، وبينهما مُصاهرة، وقد اُستدعي من صنعاء لتلك المُهمة، وفيها – أي المطبعة – طُبعت منشورات الجمعية، و«صوت اليمن» – الصحيفة التي صدر عددها الأول قبل أنْ ينتهي ذلك العام بشهرين، وأقضت على مدى عام وأربعة أشهر مضاجع الطغاة، وهدَّت كيانهم.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

كان جازم الحروي – كما أفاد علي محمد عبده – يحتل المكانة الثانية في قلب القاضي الزبيري بعد الأستاذ النعمان طبعًا، وتقديرًا لعطائه اللامحدود، أراد أنْ يُقدم له هدية قيمة، تُضاف إلى روائعه الشعرية والنثرية التي سبق ونثرنا بعضًا منها، وطلب من رفيق دربه النعمان شراء ساعة جميلة، وصارحه بأنَّه سيقدمها لشخصية محبوبة، دون أنْ يُفصح عن اسمها. وحين حانت لحظة التكريم المُرتقبة انفجر أغلب الحضور ضاحكين؛ لسبب بسيط هو أنَّ من دفع ثمن تلك الهدية الغالية لم يكن سوى الشخص المُكرم نفسه!

والأروع في لحظة التكريم تلك أنَّ القاضي الزبيري كان قد كتب رسالة أدبية بديعة، أرفقها مع هديته المُرتجعة، وهي رسالة مُختزلة عبرت عن صفاء نفسه، وصدق مشاعره، وعن شوقه الجارف الذي يقول: «الحياة دقائق وثواني»، وخاطب في مطلعها بطلنا النبيل قائلًا: «أُقدم إليك هذه الساعة هدية أخ مشوق، ورمز فؤاد خفاق، وإشارة إلى أنَّ صداقتي لك تدور مع الزمن، وتمشي مع الدهر، وتبقى بقاء الشمس في الثبات والاستمرار والدوران في محيط الأبدية التي لا نهاية لها».

ذات يوم – الكلام هنا لأحمد جابر عفيف – خرج القاضي الزبيري في عمل تأخر فيه، ثم عاد إلى مسكنه فوجده يختلف كليًا عما يعرف، مُؤثثًا، وفيه كل أدوات احتياجات البيت، بما يليق بمكانة الزبيري؛ فعرف من فوره أنَّ الذي فعل ذلك كله هو جازم الحروي.

سبق وتناولنا في موضوعٍ سابق قصة خلاف الأحرار الأوائل في عدن، وكيف آثر أحمد الشامي، وزيد الموشكي، ومطيع دماج، وعقيل عثمان، وعبدالله حسن أبو راس، ومحمد صالح حميرة، ومحمد ناجي القوسي، وآخرون العودة إلى الشمال تباعًا، وذلك بعد عشرة أشهر فقط من تأسيس «حزب الأحرار»، وهو التصرف الذي أصاب الأستاذ النعمان، والقاضي الزبيري بالحسرة، وما هي إلا بضعة أشهر أخرى حتى عاودا ومعهما كل الثابتين نشاطهما، وأشهرا ميلاد «الجمعية اليمنية الكبرى».

جاء بعد ذلك انضمام إبراهيم بن يحيى حميد الدين إلى صفوفهم فبراير 1946م؛ فصار صوتهم بذلك مسموعًا، وصارت أنظار أحرار العالم تتجه إليهم، ليعمل ولي العهد أحمد على استمالة شقيقه وأقرانه إلى صفه، وتوجه إلى عدن لذات الغرض، وحينما فشل في مساعيه الترغيبية أوعز لجواسيسه وعملائه – وما كان أكثرهم – إثارة الشقاق داخل أعضاء الجمعية، وقد نجحوا إلى حدٍ كبير في ذلك.

كما عمل ولي العهد أحمد خلال تلك الفترة على استمالة جازم الحروي إلى صفه، وأرسل له رسالة رقيقة أشاد فيها به، وكلفه عبرها بالتوجه إلى عصب – إرتيريا في مهمة خاصة، وخاطبه قائلًا: «فو الله ما أردنا لكم إلا الخير، وإلا ما نُؤمل به كمالكم، وعدم انخداعكم، لما كان اختياركم، فلا تتأخروا»، وحين رفض بطلنا النبيل مطلبه، ولأسباب أخرى مُتراكمة؛ أرسل إليه أواخر العام 1947م من يغتاله، وذلك أثناء خُروجه ذات مساء من «نادي الاتحاد الأغبري» في التواهي.

نجا جازم الحروي من الموت بأعجوبة، وأثارت حادثة مُحاولة اغتياله ضجة كبيرة في صفوف الأحرار، وغيرهم، وتصدرت صورته البهية العدد 55 من صحيفة «صوت اليمن»، وكتب الأستاذ النعمان في ذات العدد مقالًا مُطولاً عنه وعن الحادثة بعنوان «هذا المجاهد الذي أراد الطغيان أنْ يغتاله فنجا».

حاول ولي العهد أحمد أنْ يقضي على جازم فأحياه، وأنْ يهينه فأكرمه، وأن يهدمه فبناه، هكذا اختزل الأستاذ النعمان المشهد، ثم مضى مُتحدثًا عن جهاد بطلنا النبيل الطويل، واصفًا إياه بأنَّه شجاع القلب – كبير النفس – زاهد – غير مُتظاهر بصنع الجميل – تتجلى فيه معاني الكرامة، والنُبل، والإخلاص، والوفاء – ينشد لأمته حياة كريمة، ويستعذب من أجل ذلك كل عذاب، واعدًا في الوقت ذاته الأمير الطاغية من غضبت عليه الأمه بالويل كل الويل.

وختم الأستاذ النعمان مقالته بالقول: «إننا نهنئ الشيخ جازم بالنجاة، ونزف إلى أصدقائه البُشرى بأنَّ هذا الحادث لم يزده إلا مُضيًا في جهاده، وثباتًا على مبدئه، وجرأة وإقدامًا في نضاله، وهو هو فقد تمرس بالآفات، وصقلته الحوادث، وأخرجت منه مُجاهدًا وطنيًا من الطراز الأول، وحسبه شرفًا ما قدم لأمته وبلاده مما لا بد أنْ يُعرف بالتفصيل».

وذكر الأستاذ النعمان في مُذكراته أنَّ أشعار الزبيري في مدح جازم استفزت ولي العهد أحمد كثيرًا؛ كيف لا؟ وقد اعتاد أنْ يكون هو الممدوح لا أحد سواه، ولأنَّ روحه عدمية مُحتقرة للإنسان والحياة، استفزته عبارة: «وما بالحي إلا السوائم» أكثر من غيرها، وأشعرته أنَّه وأسرته المقصودين من ذلك التهكم المُستفز، وكان انتقامه تبعًا لذلك من بطلنا النبيل مُبيتًا.

كما أرسل المُناضلان محمد صالح المسمري، ويحيى أحمد زبارة رسالة حماسية إلى جازم الحروي، وصفاه فيها بسيد الأحرار، وقاهر المُستبدين، ودعياه للثأر والانتقام، والعمل على تجنيد فدائي مُتمرس لأجل ذلك. وخاطبا في المُقابل عدوه وعدوهم ببيت شعري هذا نصه:

أبوك مليك للرذائل كلها
وأنت ولي العهد بعد أبيك

توجه جازم الحروي بعد تلك الحادثة صوب الحبشة، ولم يكد يستقر فيها حتى أرسلت وزارة خارجية المملكة المتوكلية برسالة رسمية طالبت فيها السلطات هناك بتسليمه وتسعة من زملائه التجار، نذكر منهم: أحمد عبده ناشر العريقي، وعبدالقوي مدهش الخرباش، وعثمان قائد العريقي، إلا أنَّ الحكومة الحبشية رفضت ذلك، وردت على تلك الرسالة بما معناه: «أنَّ هؤلاء أناس صالحون، يقومون بأعمال تجارية لا تتعارض مع القانون؛ بل ويُقدمون كثيرًا من الخدمات الإنسانية لمواطني اليمن، وللمُواطنين اﻷحباش كذلك».

كان هؤلاء التجار التعزيون وغيرهم الكثير أكثر فئة مُتضررة من حكم الطاغية يحيى، انتزع الأخير التجارة الخارجية منهم، وسلمها لوكلاء مُقربين منه؛ الأمر الذي جعلهم يفرون إلى عدن، ودول القرن الإفريقي، وبعض دول شرق أفريقيا، وكان لهم تبعًا لذلك عظيم الأثر في دعم ومُساندة الأحرار في الداخل.

كانت عودة جازم الحروي إلى الداخل بالتزامن مع اندلاع الثورة الدستورية فبراير 1948م، ورافق الأستاذ النعمان، ومحمد عبدالله الفسيل، وعبده الدحان، وإبراهيم الحضراني، وآخرين رحلتهم المشؤومة إلى صنعاء، وفي ذمار قُبض عليهم بواسطة الشيخ محمد ناجي القوسي – أحد الأحرار العائدين من عدن كما سبق وألمحنا – وتم ربطهم في سلسلة واحدة، واقتيدوا وغيرهم مُكبلين بالأغلال إلى سجون حجة المُوحشة.

وهكذا اكتملت الدائرة، وتكررت رحلة بطلنا النبيل إلى حجة، ومن طريق مُختلف، ومن مُفارقات القدر أنَّ عبدالسلام صبرة كان رفيقه في تلك الرحلة، وشريكه في ذات السلسلة. وعن تلك المأساة خاطب الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان أباه – أحد شهداء تلك الثورة – ورفاقه الأحرار قائلًا:

سيروا فما الأغلال في أعناقكم
إلا لمجدكم العظيم شعارا
سيروا ويكفيكم فخارًا أنَّكم
في وجه طاغية الورى ثوارا

لم يكتفِ الطاغية أحمد يحيى حميدالدين – الذي صار بعد مقتل أبيه إمامًا – بسجن هؤلاء الأحرار، وتعذيبهم، بل قتل شقيقه إبراهيم بالسم، وأعدم 37 ثائرًا بدون مُحاكمة، كان القاضي زيد الموشكي أحدهم، وقد استمر الأخير – بشهادة المُؤرخ إسماعيل الأكوع – بعد عودته من عدن مُقارعًا للطغيان في عقر داره، لا يخاف في قول الحق لومة لائم، وأعدم لهذا السبب لا لغيره، أما رفيقه أحمد الشامي الذي تعرض هو الآخر للسجن؛ بعد أنْ ورطه الأحرار الشاكين فيه بكتابة «الميثاق المقدس» بخط يده، فقد كان عكسه تمامًا.

«لم يقتصر كرم الشيخ جازم الحروي على مساعدة إخوانه المساجين؛ بل استطاع أنْ يُخفف عنهم شرور السجانين، فكانت هداياه الثمينة لعائلة مدير السجن، وعائلات بعض حُراس السجن، وما يبذله لحرس السجن من أهم الأسباب في تلطيف شراستهم..»، هكذا جاءت شهادة الأستاذ‮ محمد عبدالله الفسيل‮ المُنصفة، أعجب ببطلنا النبيل وبمواقفه أيما إعجاب، وناجاه من سجن نافع الكئيب بقصيدة طويلة، نقتطف منها‮:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أنت “أوقفت” قلبك الحر للخير
وجندته.. لرفع المظالم
وأبيت الحياة ذُلًا..
وكذبًا وانشغالًا
بتراهات المزاعم..
بل عشقت الخلود
في نُصرة الحق
بقلب حرٍ قوي الشكائم
كم ليالٍ سهرت فيها..
لترعى موجعًا
إذ سواك في الليل نائم
ولكم عثرة أقلت
وضمدت جراحًا
وكم حملت مغارم
كم وكم من فضيلةٍ
كنت فيها العلم الفرد
والزعيم الملائم
ولقد حزت كل فضلٍ
إلى أنْ أصبح الفضل
والفضيلة “جازم”

بعد عامين من السجن والإذلال، أفرج الإمام أحمد عن جازم الحروي مارس 1950م، وكلفه بالإشراف على بناء دار الضيافة في تعز، وهي المدينة التي جعل منها بطلنا النبيل محطة مُؤقتة للبقاء، وحاول فيها قدر المستطاع تجاوز الانتكاسة السابقة، أو الطامة الكبرى إنْ صح التعبير، وتفرغ لعمله التجاري دون أنْ يبخل في مواساة أسرة هذا الثائر أو ذاك، وبطريقة سرية، وعبر أناس ثقاة، كان أحمد جابر عفيف أحدهم.

تبنى الطاغية أحمد بعد حركة المقدم أحمد يحيى الثلايا مارس 1955م سياسة انفتاح محدودة؛ وهو الأمر الذي أجاد جازم الحروي استغلاله، فكانت مُساهمته تبعًا لذلك فاعلة، شارك في تأسيس عددٍ من الشركات الوطنية، وتجسدت في ذات العام مُساهمته الأولى في تأسيس أول شركة للكهرباء بمدينة تعز، بطاقة قُدرت بـ 980 كيلو وات.

ساهم بطلنا النبيل بعد ذلك في تأسيس «الخطوط الجوية اليمانية»، و«شركة الخطوط البرية»، و«شركة المحروقات اليمنية»، وتولى في العام 1960م رئاسة مجلس إدارة الأخيرة، كما أسس «الغرفة التجارية» في محافظة تعز، وكان أول رئيس لمجلس إدارتها. وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م برزت مُساهمته في إنشاء «البنك اليمني للإنشاء والتعمير»، وعين عضوًا في مجلس إدارته.

يمم جازم الحروي في العام 1964م خُطاه صوب القاهرة، وفيها آثر الاستقرار؛ وذلك بعد أنْ أوكل شؤونه التجارية في الداخل لابن أخته الذي استشهد فيما بعد عبدالعزيز عبدالله أحمد الحروي، وبعد أنْ تم تعيينه مُستشارًا تجاريًا في سفارة اليمن هناك، ليتعرض بعد مرور عامين للمُضايقات من قبل كبار مسؤولي تلك السفارة؛ لا لشيء إلا لكونه من الأحرار المحسوبين على فريق الأستاذ النعمان الذي اُعتقل حينها وعدد من المُسؤولين اليمنيين في ذات المدينة.

أثر الصراع الجمهوري – الجمهوري على نفسية بطلنا النبيل، فقرر الهروب من ذلك الوضع المرير، وقام بصحبة القاضي عبدالجبار المجاهد بجولة سياحية في عدد من المدن الأوربية، وصولًا إلى بيروت، وهناك قامت السلطات اللبنانية بترحيله بإيعاز من سفير اليمن عبدالرحمن البيضاني، ليعود بعد نكسة يونيو 1967م إلى عمله السابق في القاهرة، وبشكل فخري بدون راتب.

هكذا أنهى جازم الحروي دوره الذي رسمه لنفسه بنفسه، قانعًا بما غرم في سبيل تحقيقه، غير مُتطلع – كما أفاد صالح عبده الدحان – إلى أي غنيمة من غنائم الثورة، فلم يفترض منصبًا، ولم يُمارس عملية نصب عليها، وشاء له قدره أن يُنهي أعماله التجارية خلال تلك الحقبة؛ بعد أنْ صارت التجارة شطارة، والسياسة تجارة، والسوق تعج بالخاضمين. وكان الرئيس علي عبدالله صالح قد أعطاه في بزغة عهده درجة نائب رئيس وزراء.

بعد أكثر من 37 عامًا من الاستقرار في قاهرة المُعز، وبمنصب دبلوماسي فخري، استدعي جازم الحروي من قبل وزارة الخارجية؛ وهو الأمر الذي أثار سخطًا عند كثير من المُهتمين، وتوالت المُناشدات لثني السلطات عن ذلك القرار، دون جدوى. وبالفعل عاد بطلنا النبيل إلى صنعاء مايو 2002، عاد ليعيش لحظاته الأخيرة بين أهله ومحبيه. هكذا أراد له القدر، وأراد له القدر أيضًا أنْ يتوفى في ذات المدينة 28 فبراير 2004م، ويُدفن كنجم لامع في ثرى مقبرة النجيمات.

حالة نضالية نادرة لا تتكرر، تحار وأنت تغوص في تفاصيلها. هذا هو جازم الحروي باختصار، كان بحق رمز نكران الذات الأوحد، والجهاد النبيل الأبرز، ذا عزيمة خلاقة تماهت مع الوطن حد الذوبان، ونفس كريمة لم تتأخر قط عن إغاثة أي مُحتاج، وروح بسيطة عاشقة للحياة، ومحبة للجمال، وذائقة فنية تميل إلى الأدب، وتطرب لسماع الموسيقى، وطبع هادئ يبحث عن السكون، والبُعد عن الأضواء، ولا أروع من قول الشاعر العظيم عبدالله عبدالوهاب نعمان في حقه:

كأني به قد كان يحسب نفسه
مُثنى.. ولم يدر أنَّه كان واحدا
يسير الهوينا في الحياة كأنما
يسير على أرض المعابد زاهدا
ويحيا مُضيئًا كالملاك وإنما
إذا ما رأى ظُلمًا تحول ماردا

«لا تأس يا جازم، فقد عملت ليراك الله وحده، والناس كلهم في معزل عن كل ما يدور في رؤوس القلة من أحلام وأماني»، هكذا خاطب الأستاذ النعمان ذات رسالة بطلنا النبيل مُواسيًا: وأضاف: «الجحود والنكران، وعدم الإنصاف من سمات هذا العصر.. ولقد جحدك ونساك حتى الذي بالغ في المدح والثناء، ولا شك أنَّ عدم الإنصاف يترك في نفس الإنسان الشيء الكثير من الآلام.. ولكن لن يعدم المرء من ينصف، وأنَّ للتاريخ سمعًا وبصرًا..».

 

جازم محمد الحروي

جازم محمد الحروي (ارشيف)

عناوين ذات صلة: