الشيخ حسن الدعيس: قبس الأمس يضيء مجاهل اليوم

صلاح الواسعي

قراءة: صلاح الواسعي حول الشيخ حسن الدعيس: قبس الأمس يضيء مجاهل اليوم


إن محاولة بعث فكر الثائر الفيلسوف “حسن بن محمد الدعيس” هي محاولة لبعث حياة كاملة لجيل يمني عاش في حقبة الثلاثينات في القرن المنصرم.

حقبة الثلاثينات من الحقب المهمة في التأريخ اليمني حيث نمت في تربة ذلك الجيل أول البذور الفكرية للثورات اليمنية. الجيل اليمني الذي فجر عيون الفكر التحرري الدافق الذي استحال فيضاناً ثورياُ هادراً يجتاح براثن الإمامة الظلامية ابتداء من 1948، ثم 1955، ولم يتوقف عند سبتمبر المجيد 1962.

استدعاء “حسن الدعيس” هو استدعاء لتعويذة الوعي الثلاثيني التي أطلقت مَرَدَة الثورة بوجه الأئمة الطغاة فراعنة العصر، ولم ينتهِ مفعولها السحري حتى اليوم.

البحث عن الثائر والفيلسوف الشيخ حسن الدعيس هو بحث عن المنهج المدرسي الذي تذاكَره وتدارسَه عمالقة الحركة الوطنية وتسامروا عليه في الليالي الشديدة القيظ والنهارات الشديدة القر.!

هذا الكتاب الذي أصدره مركز “نشوان الحميري للدراسات والإعلام” للدكتور عبدالعزيز المقالح، عملاق أمتنا في زمن الأقزام، يفتح نافذة ضوء تنير عتمة ظلام إمامي جديد أخذ يتسلل إلينا على حين غفلة؛ حين تركنا ماضينا وتناسينا أن العدو يقف دائما على العتبات يترقب لحظة غفوتنا عن تأريخنا ومسلماته. اللحظة الفاصلة حين تذوي بين أعيننا، صور عمالقة الأمة الذين نقف اليوم على أكتافهم لينقض علينا كفريسة سهلة يصيبنا بحالة إرباك ذهني وشلل حركي، لكنه -العدو- ولحسن الحظ، نسي أن الأمة اليمنية لا تموت فهي حبلى بالوعي وقريبا سوف تلد.

والكتاب الذي بين أيديكم مثل ولادة جديدة لثائر وفيلسوف وشيخ يمني أصيل عاش بين رعاياه يصيح بهم: “يا رعيّة: سمنكم لكم.. بقركم لكم.. بُركم لكم.. الخ” رافضا أن يصبح الشعب بقرة حلوبا للطغاة وللصوص باسم الله، وصيحة الشيخ هذه تشبه صيحات الفلاسفة الكبار بأزمنة الطغاة. الإنسان لم يولد لأجل ملك أو طاغية لكنه ولد ليعيش حياته كما يجب.

الكتاب يعد دراسة أعدها الدكتور عبد العزيز المقالح تتضمن حوارا بين الثائر حسن الدعيس وسائح هندي أنتجته مخيلة الدعيس، على نمط المقابلات الحوارية تناولت زوايا مختلفة عن حياة الإنسان اليمني في الثلاثينات: واقعها ومشاكلها والحلول المقترحة للخروج بذلك الجيل المسحوق لواقع نهضوي مستدام طرح برنامجه الثائر الدعيس بسعة فكره ودقة تشخيصه وقوه ملاحظته كأول برنامج إصلاح في مسيرة النضال.

تناول الحوار واقع السياسة والجيش والاقتصاد والإدارة وحياة الناس وحكم الإمامة وطرح مشاريع سياسية غاية في الأهمية تكشف أي حكيم سياسي وأي فيلسوف نقف اليوم أمامه.

وبالرغم من إن الحوار ياتي على لسان الشيخ وسائح هندي لكنني من خلال مطالعتي لطبيعة الحوار الذي دار بين الثائر الحكيم والسائح قلت إنه لربما كان ذلك الهندي فيلسوفا آخر أو باحثا عرف قدر فلسفة الدعيس وقدم من الهند يقتفي أثره ويستمع لحكمته وفلسفته، لكن الحاصل أنه محاور افتراضي أراد الدعيس أن يسرد أفكاره على لسانه.

لن اسرد لكم مشهد غروب شمس الشيخ حسن الدعيس وكيف كانت نهايته المأساوية مسموما على يد الإمام، فالجميع يعرف أي نهاية يرسمها طاغية لحكيم وفيلسوف حمل مشعل العلم والهداية لشعب استعبده الظلم واستبد به الجهل لصالح ديمومة نظام رجعي كهنوتي متخلف.

لعل من يقرأ الحكيم” حسن الدعيس” يخرج بكثير من الدرر الحكمية والسياسية التي تصلح للاستبصار في واقعنا اليوم، فالواقع الحين لا يكاد يختلف بكثير عن ذلك العصر، بل لقد رجعت بنا الإمامة المستجدة لمنطوق ذلك العصر وقوانينه. تُعاملنا حسب أدبياته البائدة ونحن اليوم جدير بنا أن نعيد الإمساك بنفس المطرقة التي حطم بها إجدادنا رؤوس الإمامة من قبل لنصنع ما صنعوه وزيادة.

لقد اختلفت المقولات التي راحت تصف الفيلسوف الحكيم الثائر “حسن الدعيس” منهم من قال عنه “موسى عصره” في مواجهة الفرعون الأكبر (الإمام يحيى)، وقالوا عنه سقراط اليمن.

نسخة الكترونية: