اللقية أشد الثوار ابتلاء

  

عبدالله القيسي

د. عبدالله القيسي يكتب حول: اللقية أشد الثوار ابتلاء


تنقلت بين عدة كتب ومؤلفات أرخت للحركة الوطنية اليمنية من بداية مشوارها في الثلاثينيات من القرن الماضي حتى حرب السبعين يوماً في أواخر الستينات، وأذهلني ذلك الإصرار من أولئك الثوار ووعيهم في تلك الفترة، وفي تلك البيئة التي لم تكن قد انتشرت فيها كيومنا مفاهيم الحرية والمدنية.

ومع تنوع البطولات التي قدمها الأحرار والثوار إلا أن قصة بطلنا هذا قد أحدثت في نفسي من الألم والحزن ما لم يحدثه الآخرون .. لقد كان منفرداً في بطولته منفرداً فيما قدمه, ولعل ما يتميز به هو درجة ابتلائه والألم والتعذيب الذي تعرض له.. إنه الشهيد عبدالله محمد صالح اللقية .

فهذا الرجل مع كرهه الشديد لظلم الطاغية أحمد ولما قام به من قتل للثوار، إلا أن فكرة قتل الطاغية لم تكن عنده بالشيء السهل، وحتى يقرر قتل الإمام الطاغية استخار كثيراً وسأل من يثق به حول ما سيقوم به، بل وصل به الورع أن ذهب للحج بمكة حتى يطمئن قلبه بما سيقوم به من فعل بطولي لأجل وطنه، ثم عاد وقد قرر قراره باغتيال الطاغية أحمد وحين قام بعمله ذلك كان مثالاً للشجاعة والثبات والقوة، ثم الصبر وقوة التحمل لما حدث له من ابتلاء، فكان يقابل ذلك بعزيمة وصبر دون تراجع أو ندم، بل إنه كان يصبّر الثوار المسجونين بجواره برغم ما أن العذاب المسلط عليه كان أشد منهم.

خطط مع زميليه محمد عبدالله العلفي، ومحسن الهندوانة، لقتل الطاغية أحمد حميد الدين، أثناء زيارته لبعض المصابين من عكفته “الحرس الخاص بالإمام”، الذين أسعفوا إلى المستشفى عقب انقلاب إحدى السيارات بهم، وتم إطلاق الرصاص على الإمام أحمد، الذي أصيب إصابة مباشرة غير أنها لم تمته، وتظاهر بالموت، وألقي القبض على اللقية، وزميليه، ونقل إلى مدينة تعز. وذكر العميد محمد علي الأكوع، أن اللقية، تعرض أثناء فترة استجوابه للتعذيب الشديد؛ حتى قيل: إن البدر كان يطعن جسده بالسيف، لحمله على الاعتراف بالذين شاركوه محاولة اغتيال الإمام.

يقول الأستاذ محمد محمد اليازلي أحد الذين كانوا معه في سجنه:

“وأما اللقية فقد ألقي القبض عليه وسيق إلى دار البوني ليودعوه داخل قفص الأسد، وتعرض للتعذيب الذي لم يعذب مثله أحد.. حيث كانوا ينزلون عصا متوسطة السمك من هنا من صنعاء من قرية القابل تقطع من شجر السفرجل والرمان وهي مازالت طرية القطع وألمها يفوق ألم السوط أو الكرباج، فكانوا يضربونه بها – أي اللقية – ثمانين جلدة بطول جسده وثمانين جلدة بعرضه كل صباح ومساء إلى قبل يوم من إعدامه حتى أدمى جسمه وخاس جسده، لكنهم عندما يجدون جروحه تنبعث منها رائحة يوقفون الجلد ويأتون بكبار الاطباء لتطهيرها ويعاودون الجلد كرة أخرى، ولم يدلِ بأسماء زملائه في التنظيم، رغم أنه كان قد حضر آخر اجتماع للحركة الوطنية عقد في منزل عبدالسلام صبرة قبل أن ينزل إلى الحديدة لمباشرة عمله، وبدأ يطرح أن الطريقة الوحيدة للتخلص من الإمام هي طريقة الاغتيال.

واللقية حتى ليلة يوم الإعدام طلبه البدر إليه للتحقيق معه ويريد أن يخوفه بإبلاغه بتنفيذ حكم الإعدام صباح الغد.. طالباً منه أن يفشي له بأسرار واسماء زملائه ولكنه لم يتكلم فطعنه البدر بذبة السيف في مؤخرته، فعاد إلينا والدم يسيل على ملابسه من أثر الطعنة وحدثنا عن ما قاله له البدر من شتم وما رد عليه بالتشكيك بشخصيته.. وفي الصباح أخرجا -أي اللقية والهندوانة- إلى ساحة الإعدام”.

رحم الله اللقية ورحم الله كل شهيد ضحى بدمه ليروي شجرة الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.